تونس: الحركة النسوية تعيد ملف المساواة في الميراث إلى الواجهة
أعادت الحركة النسوية قضية المساواة في الميراث بين النساء والرجال إلى واجهة النقاش النسوي والحقوقي في تونس، بعد سنوات من بقائها في دائرة الملفات التشريعية المؤجلة في إطار مطالب بتوسيع الإصلاحات المتعلقة بحقوق النساء. وطالبت الحركة النسوية بمناسبة اليوم الوطني للمرأة، اليوم الخميس، بمواصلة مسار إصلاح قانون الأحوال الشخصية والدفع نحو إقرار المساواة في الميراث بين الجنسين في إطار المساواة الاقتصادية والحق في الملكية وتقليص الفوارق بين النساء والرجال.
وقالت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات في بيان لها اليوم إن "الدفع نحو استكمال تحقيق المساواة الشاملة بين الجنسين يأتي في ظل تحولات اجتماعية واقتصادية جعلت النساء أكثر حضوراً في سوق العمل والتعليم وريادة الأعمال". واعتبرت المنظمة أن الجدل لا "يتعلق بالميراث وحده، بل يتصل بصورة أوسع بمسار المساواة القانونية والاقتصادية بين الجنسين في تونس، وشددت على "ضمان المشاركة الكاملة والمتساوية للنساء في الحياة السياسية والمدنية وفي مواقع صنع القرار، باعتبارها حقا ديمقراطيا لا مجرد آلية للتمثيل". وأكدت المنظمة أن "المساواة ليست شعارا قانونيا، بل هي ممارسة يومية تضمن للنساء الحق في المواطنة الكاملة، والاستقلال الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والعيش الكريم".
ويعود مسار ملف المساواة في الميراث إلى عام 2017، حينما أعلن الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي تشكيل لجنة الحريات الفردية والمساواة، التي قدمت في تقريرها جملة من المقترحات المتعلقة بتعزيز الحقوق والحريات، من بينها إقرار المساواة في الميراث. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2018، تقدمت رئاسة الجمهورية بمشروع قانون يتعلق بالمساواة في الميراث إلى مجلس نواب الشعب. وكان المشروع يقوم على إقرار مبدأ المساواة بين الجنسين في الإرث، مع ترك إمكانية اختيار تطبيق أحكام المواريث وفق الصيغة القانونية القائمة، غير أن المشروع لم يستكمل مساره التشريعي، وظل عالقاً في البرلمان وسط انقسام سياسي ومجتمعي حاد. ومنذ ذلك التاريخ، لم يغادر الملف أجندة المنظمات النسوية والحقوقية، التي تعتبر أن المساواة في الإرث تمثل امتداداً لمسار طويل من الإصلاحات التي عرفتها تونس في مجال حقوق المرأة، بدءاً من مجلة الأحوال الشخصية التي صدرت في أغسطس/آب 1956، وما تضمنته من أحكام اعتبرت متقدمة في المنطقة العربية.
في المقابل، ظلت المساواة في الميراث من أكثر القضايا إثارة للجدل، بسبب ارتباطها بتفسيرات دينية واجتماعية لمسألة توزيع التركة، إذ يرى الرافضون للمشروع أن نظام المواريث جزء من منظومة دينية متكاملة لا يمكن فصلها عن بقية الأحكام الأسرية. وتقول الناشطة النسوية وعضو جبهة المساواة وحقوق النساء ريم سوودي إن مطالب المساواة في الميراث تطرح اليوم بوصفها أولوية مجتمعية في إطار بحث عن حلول لزيادة نسب التمكين الاقتصادي للنساء وتحقيق استقلاليتهن المادية، مؤكدة أن النساء في تونس يشكلن قوة منتجة، ومنفقة داخل الأسرة، مثل الرجل بينما لا يزال الجانب التشريعي يرفض الاعتراف لها بذلك وتحرم النساء من حقهن في امتلاك الثروة ومن حقهن في تقسيم عادل للميراث، مؤكدة لـ"العربي الجديد" أن النساء لا يزلن يشتغلن في الممتلكات العائلية، والنشاط الفلاحي إما بصفة أجيرات أو معينات، ويمثلن أكثر من 70% من اليد العاملة الفلاحية المعنية لكن نفاذهن إلى حق امتلاك الأرض عن طريق الميراث لا يزال صعبا. وقالت "لا تزال نساء الريف في تونس غير قادرات على النفاذ إلى حق الميراث بالشكل الكافي، حيث تقف العادات الاجتماعية أمام تحصيل مكاسبهن المادية من عوائد الميراث الأسري ما يحرمهن من إمكانيات تحسين وضعهن المالي".
وأكدت سوودي أن تقديرات حول مسح المستغلات الزراعية تكشف أن 58% من النساء مقصيات تماما من الإرث في الأراضي الزراعية وأن بعضهن يتنازلن عن منابتهن لفائدة الورثة الذكورعلى الرغم من اشتغالهن في الممتلكات العائلية، وممارستهن للنشاط الفلاحي إما أجيرات أو معينات، ومساهمتهن الأساسية في تحقيق الأمن الغذائي. وتابعت "من أجل ذلك تدفع الحركة النسوية نحو كسر الحواجز الاجتماعية المعرقلة لحصول النساء على ميراثهن في الأراضي الزراعية ،عبر مساعدة النساء مالكات الأراضي على تغيير العقلية السائدة ودفعهن نحو الاستثمار الفلاحي".
وتؤكد دراسة كشفت جمعية دعم المبادرات في القطاع الزراعي عن نتائجها عام 2024 أن مسار حصول النساء في ريف تونس على حقهن من الإرث الأسري المتمثل في الأراضي الفلاحية طويل وشاق ويحتاج إلى إمكانيات مالية أثناء مسار التقاضي، ما يفسر تنازل نحو 60% من الوريثات عن حقوقهن لفائدة الورثة من الذكور.