استمع إلى الملخص
- أكد خبراء أن جريان الأودية يساهم في إعادة شحن الموارد الجوفية، محذرين من الإفراط في التفاؤل، حيث أن موسم أمطار واحد لا يعوض العجز المائي المتراكم.
- رغم الترحيب بالأمطار، تظل أزمة المياه في تونس هيكلية، تتطلب إصلاحات في الحوكمة المائية، وتحديث شبكات التوزيع، وتطوير سياسات تعبئة الموارد غير التقليدية.
حسّنت العاصفة هاري التي اجتاحت تونس نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي وأوائل فبراير/ شباط الجاري، مخزون السدود والمصادر المائية بعد أزمة طويلة أثّرت بقوة في حياة المواطنين.
بعد سنوات من الجفاف الحاد وشحّ الموارد المائية، أعادت العاصفة "هاري" التي شهدتها تونس بين نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي وأوائل فبراير/ شباط الجاري، الأمل في تحسّن الوضع المائي، وأنعشت كميات الأمطار الغزيرة التي هطلت في غالبية محافظات البلاد مخزون السدود في مشهد افتقده التونسيون منذ فترة طويلة.
خلال أيام قليلة رفع هطول كمية 200 ملليمتر من الأمطار منسوب المياه في السدود التي أوشك مخزونها على الانهيار عام 2024 حين بلغ 19% فقط من نسبة الامتلاء. وتشير البيانات الرسمية إلى أن سدود تونس تقترب من بلوغ مليون متر مكعب، وهي الأعلى منذ عام 2020، وسط تفاؤل بارتفاع نسبة الامتلاء إلى أكثر من 50% بعد انتهاء فترة التساقطات المطرية.
ويرى خبراء في الموارد المائية أن جريان الأودية لا يرفع مخزون السدود فقط، بل يساهم أيضاً في إعادة شحن الموارد الجوفية التي تضررت كثيراً خلال السنوات الماضية، بسبب الاستغلال المفرط وقلّة الأمطار. وبحسب معطيات أولية أصدرتها مصالح وزارة الفلاحة، سجّلت السدود التونسية ارتفاعاً ملحوظاً في منسوب المياه، خاصة في سدود الشمال التي تمثل الخزان الرئيسي للمياه السطحية في البلاد.
وزاد مخزون سد سيدي سالم، أكبر سدود تونس، وأيضاً سد سيدي البراق، وسد بني مطير، ما تطلب تنفيس السدود ودفع كميات من الماء إلى البحر.
وتوضح بيانات رسمية أن "نسبة امتلاء السدود التونسية ارتفعت إلى 45% من طاقتها الإجمالية خلال الأسابيع الماضية بعدما كانت في مستويات حرجة خلال السنوات الأخيرة، وهذا المؤشر لم يُسجّل منذ عام 2020". وحددت الزيادة بنحو 300 مليون متر مكعب من المياه، أي نحو مليار متر مكعب في كل السدود.
ويؤكد خبير الموارد المائية حسين الرحيلي لـ"العربي الجديد" أن "الانتعاش الذي تسجله سدود تونس يُبدد شبح إجراءات التقشف المائي، فالاقتراب من تخزين مليار متر مكعب في السدود مؤشر إيجابي لتغيّر الوضع المائي في البلاد بعد فترة صعبة اضطرت خلالها السلطات إلى اعتماد إجراءات صارمة في توزيع المياه شملت قطع الماء الصالح للشرب ساعات طويلة، ومنع استعماله في الري وغسل السيارات والمساحات الخضراء في مناطق عدة".
وفي مارس/ آذار 2023 اتخذت السلطات التونسية للمرة الأولى تدابير صارمة لتقسيط المياه، ومنعت أنشطة عدة للاستهلاك الخدماتي والزراعي، وفرضت عقوبات على المخالفين قبل أن توقف هذه الإجراءات في مايو/ أيار 2025.
ويتوقع الرحيلي أن ينعكس انتعاش السدود تدريجاً على التزود بالماء الصالح للشرب، خاصة في المناطق الحضرية الكبرى التي تعتمد أساساً على المياه السطحية، مثل العاصمة الكبرى وبنزرت ونابل وسوسة. ويقول: "لن يكون التحسّن فورياً وقد لا يكفي لإنهاء أزمة المياه لكنه يمنح هامش أمان إضافياً للشركة الوطنية لاستغلال المياه وتوزيعها ويخفّف الضغط على الموارد الجوفية التي استُنزفت إلى حدّ كبير خلال السنوات الماضية".
ويستدرك الرحيلي بالتحذير من الإفراط في التفاؤل "لأن موسم أمطار واحداً، مهما كان غزيراً، لا يمكن أن يعوّض سنوات من العجز المائي المتراكم في ظل تأثيرات التغير المناخي التي تجعل التساقطات أكثر تقلباً وأقل انتظاماً".
وفي وقت استقبل الفلاحون الأمطار بارتياح كبير، خاصة في مناطق الشمال والوسط ، حيث يعتمد نشاطهم في شكل أساسي على الأمطار والسدود، يعتبر رئيس مرصد المياه علاء المرزوقي أن أزمة المياه في تونس تظل أزمة هيكلية، تتجاوز الظرف المناخي الراهن، ويقول لـ"العربي الجديد": "تعاني تونس من تهالك شبكات التوزيع وارتفاع نسب هدر المياه، وأيضاً من ضعف سياسات تعبئة الموارد غير التقليدية، مثل تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه المعالجة".
ويشدد على "أهمية إعادة النظر بالكامل في منظومة التصرف في الموارد المائية، وتحديث مجلة المياه (قانون التصرف في الموارد المائية)، فالمرحلة التالية تستوجب استثمار هذا التحسّن الظرفي لإطلاق إصلاحات عميقة في الحوكمة المائية تلحظ ترشيد الاستهلاك، وتطوير البنى التحتية وتعزيز العدالة في توزيع المياه بين الجهات والقطاعات". يتابع: "أعادت المنخفضات الجوية المتتالية التي شهدتها تونس التوازن إلى المشهد المائي ومنحت فسحة أمل لمواطنين وفلاحين أنهكهم العطش وشح الموارد، لكن ذلك يبقى شرط استمرار التساقطات وقدرة الدولة على تحويل هذه الفرصة المناخية إلى مكسب مستدام".