تنسيقات ورشى لدفن السوريين المهجّرين في مسقط رأسهم

15 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 01:33 (توقيت القدس)
لدفن الموتى طقوس متوارثة في سورية (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه النازحون من منطقتي رأس العين وتل أبيض صعوبة في دفن موتاهم بمسقط رأسهم بسبب منع سلطات الأمر الواقع لعودتهم، مما يضطرهم لدفع رشى لدفن موتاهم سرًا.
- تتضمن القصص المؤلمة محاولات النازحين لتنفيذ وصايا ذويهم، مثل دفع محمد عربو رشوة لنقل جثمان والدته ودفنها ليلاً، ودفع عائلة زهرة عثمان مبلغًا كبيرًا لدفن والدها بجانب والدته.
- تعكس هذه القصص معاناة النازحين المستمرة، حيث يلجؤون لوسائل غير قانونية لتحقيق رغبات ذويهم في ظل تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية.

يواجه النازحون والمهجّرون من منطقتَي رأس العين وتل أبيض في ريفَي محافظتَي الحسكة والرقة، شمال شرقي سورية، معضلة إنسانية تتمثل في كيفية دفن موتاهم في مسقط رأسهم. ففي ظل الواقع الأمني المتوتر، ومنع سلطات الأمر الواقع عودة السكان إلى مناطقهم الأصلية، لا يجد الأحياء طريقاً للعودة، وكذلك لا يُسمح للأموات بالعودة لدفنهم.
ويجد كثير من المهجّرين صعوبة في تنفيذ وصايا ذويهم بعد الوفاة، خاصّة تلك المتعلّقة بالدفن قرب الآباء والأجداد في الأرض التي تركوها قسراً. وإن تمكّنت بعض العائلات من تنفيذ وصايا دفن الموتى في مناطقهم، فإنّ ذلك يجري بشق الأنفس، وعبر دفع رشى إلى عناصر من الفصائل العسكرية المنتشرة على خطوط التماس بين مناطق "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) ومناطق "الجيش الوطني".
وغالباً ما يجري إدخال التوابيت خلسة ليُدفن الموتى تحت جنح الظلام، من دون أيّ طقوس دينية أو اجتماعية، في مشهد يضاعف فصول الألم المتواصل لسكان تلك المناطق منذ تهجيرهم القسري الذي بدأ في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2019، حين أطلقت تركيا عمليتها العسكرية المعروفة باسم "نبع السلام"، التي أسفرت عن سيطرة "الجيش الوطني" بدعم من القوات التركية على مدينتَي رأس العين وتل أبيض، وتبع ذلك نزوح أكثر من 200 ألف شخص من المنطقتَين، عرب وأكراد، إلى مناطق في محافظة الحسكة، ومدن سورية أخرى، وإقليم كردستان العراق، فضلاً عن هجرة آخرين نحو دول أوروبية.
وتشير التقديرات إلى أنّ أكثر من 85% من سكان رأس العين لا يزالون مهجّرين، بينما تقلص بشدة عدد السكان الأكراد الذين كانت أعدادهم تقدر بنحو 75 ألفاً، أما المكونات الأخرى، مثل الأرمن والسريان والإيزيديين، فيكاد يختفي وجودهم.
نزح السوري محمد عربو من مدينة رأس العين إلى مدينة الحسكة، ويقول لـ"العربي الجديد": "أنا متزوج، وكانت والدتي تعيش معنا، ونزحنا إلى الحسكة بعد اجتياح رأس العين من القوات التركية والجيش الوطني. كانت والدتي تعاني من مرض في القلب، فاقترح شقيقي المقيم في أربيل أن تنتقل للإقامة معه، وقد دخلت إلى العراق عبر طرق التهريب إلى مخيّم بردرش، ومنه إلى منزل شقيقي بكفالة رسمية، وبقيت هناك ثلاث سنوات، وطوال هذه الفترة كانت تردّد وصيتها بأن تُدفن في رأس العين".

يحرص سوريون كثيرون على الدفن بمقابر العائلة (العربي الجديد)
يحرص سوريون كثيرون على الدفن بمقابر العائلة (العربي الجديد)

يضيف عربو: "في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أصيبت والدتي بجلطة دماغية، وتوفيت في أحد مشافي أربيل، وبدأت حينها رحلة تنفيذ وصيتها. تواصلت مع أقارب لنا في رأس العين، وأبلغوني بأن نقل الجثمان ممكن، لكن مقابل دفع مبلغ 400 دولار رشوةً لعناصر من فصيل (الحمزات) الذي يسيطر على أحد السواتر العسكرية"، يتابع: "استطعت جمع المبلغ من خلال بيع بعض الأغراض المنزلية واقتراض جزء آخر من صديق، واستخرجت شهادة وفاة من الحسكة، وجرى نقل الجثمان بسيارة خاصة بعد يومٍ من وفاة الوالدة. وعند الوصول إلى حاجز (الأسايش)، طُلب منهم الحصول على ورقة موافقة لدفنها في رأس العين، وفي المنطقة المحايدة قبل الساتر، التي لا تتبع لأي طرف، سلّمنا الجثمان إلى أقاربنا، ودفعوا المبلغ المطلوب، وجرى دفن والدتي في مقبرة المدينة ليلاً من دون مراسم أو حضور واسع".
ويوضح: "لم نفتح خيمة عزاء خوفاً من المساءلات أو المضايقات، بل قلنا لأهالي المدينة إنها توفيت في دمشق خلال رحلة علاج، وأُقيمت مراسم العزاء في الحسكة، وشارك فيها نازحون من رأس العين قدموا من مختلف المدن رغم سوء الطقس. حتى في الموت، لا يُسمح لنا بالوداع الأخير في مدينتنا بكرامة".
بدورها، تروي زهرة عثمان، وهي نازحة من ريف رأس العين، وتعيش في مدينة القامشلي، كيف واجهت عائلتها تحديات مماثلة حين توفي والدها، تقول: "تقع مقبرتنا العائلية على هضبة في جنوب قريتنا، وهناك دُفنت والدتي سابقاً، إلى جانب أهلها. اعتدنا زيارة المقبرة في أيام الأعياد، وكان والدي دائم التأكيد أن ندفنه إلى جانب والدتي وشقيقه التوأم، الذي استشهد في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 ضدّ إسرائيل".

تضيف عثمان: "تهجير العائلة غيّر كل شيء، وتدهورت الحالة النفسية والصحية لوالدي بعد النزوح، خاصة خلال فترة الإقامة في مخيّم الإيواء، وفارق الحياة بعد شهور عدّة. قبلها، لم يكفّ عن التوصية بالدفن في قريته، وبدأ إخوتي محاولات التواصل مع من بقي من سكان القرية، لكن الخوف من الفصائل المسلحة كان كبيراً، إذ يمنعون أي تواصل مع من هم خارج مناطقهم، ويشككون بأي علاقة، حتى لو كانت دفناً".
تتابع: "لجأت العائلة إلى وسطاء ومهربين، وادّعت أن الوالد كان في دمشق، وأنه توفي هناك، وجرى التنسيق مع أحد مفارز فصيل العمشات، ودفعنا مبلغ 1000 دولار مقابل تمرير الجثمان. نُقل جثمان والدي ليلاً إلى المقبرة، ودفنه أربعة شبان من أبناء القرية من دون جنازة أو طقوس أو حتّى قراءة الفاتحة. فقط دفن صامت وموجع".

المساهمون