استمع إلى الملخص
- بحلول نهاية السنة المالية 2025، عاد تمويل وكالة المعاهد الوطنية للصحة إلى مستوياته الطبيعية، ونجحت منظمات العلوم في الحفاظ على مليارات الدولارات من التمويل عبر الدعاوى القضائية.
- استمرت الدعاوى القضائية في الطعن بمحاولات تقييد التمويل، حيث أصدرت المحاكم أحكامًا متباينة، مما يعكس الجهود المستمرة لحماية تمويل الأبحاث العلمية.
خلال عام من حُكم الرئيس الأميركي دونالد ترامب حاولت إدارته تقليص تمويل العلوم، لكنّ نجاح دعاوى طعون قانونية رُفعت أمام المحاكم، ورفض الكونغرس العديد من أوامر التخفيضات الرئاسية منعت ذلك
في فبراير/ شباط 2025، سرّحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب آلاف الموظفين من الوكالات العلمية الفيدرالية، وقلصت تدفق مِنح مالية لجامعات، كما حاولت تخفيض تمويل التكاليف التشغيلية للبحوث. وبعدها استهدفت الإدارة جامعات نخبوية بتهم معاداة السامية، واستعادت مِنحاً مخصصة لمواضيع اعتبرت أنها ترتبط بالتنوع والإنصاف والشمول، كما اقترحت ميزانية تضمنت تخفيضات جذرية لوكالات مثل "ناسا" والمؤسسة الوطنية للعلوم.
حينها تحدث كثيرون عن أنّ العلم يتعرض لهجوم، وأن نموذج إسناد الإدارة البحوث إلى جامعات منذ الحرب العالمية الثانية ينهار. ووصف رئيس تحرير مجلة "ساينس"، هولدن ثورب، محاولات ترامب بأنها "ضربة وخيانة لشراكة سمحت بالابتكار والتقدم في الولايات المتحدة". لكن بعد مرور عام لم تتحقق أسوأ هذه المخاوف بفضل طعون قانونية ناجحة ورفض الكونغرس تخفيضات طلبها ترامب.
وبحلول نهاية السنة المالية 2025 عاد إجمالي إنفاق وكالة المعاهد الوطنية للصحة إلى مستوياته الطبيعية، ما شكل تغييراً جذرياً عن الربيع حين أرجأت الوكالة أو ألغت العديد من المِنح لدرجة عدم ترجيح إنفاق كامل مبلغ 36 مليار دولار الذي خصصه الكونغرس للمِنح الخارجية.
خلال الأشهر الأخيرة نجحت منظمات للعلوم والتعليم والحريات، من بينها الاتحاد الأميركي للحريات المدنية، والجمعية الأميركية للصحة العامة، والاتحاد الأميركي للجامعات، في صدّ تغييرات أقرتها إدارة ترامب عبر رفع دعاوى أمام المحاكم، ما حافظ على مليارات الدولارات من تمويل العلوم، كما أبقت قرارات الكونغرس التمويل الفيدرالي للوكالات العلمية ثابتاً مقارنةً بالعام الماضي. وفي 27 يناير/ كانون الثاني الماضي صادق مجلس النواب على حزمة تضمنت زيادة طفيفة في تمويل الأبحاث من خلال المعاهد الوطنية للصحة، ورفض بالتالي طلب ترامب تخفيض تمويل هذه الأبحاث بنسبة أكثر من 40%. ولاحقاً وقّع ترامب نفسه على مشروع القانون.
وقالت جوان بادرون كارني، كبيرة مسؤولي العلاقات الحكومية في الجمعية الأميركية لتقدم العلوم، لمحطة "إن بي سي نيوز": "رفض الكونغرس التخفيضات الجذرية التي قرّرها الرئيس. في السنوات الماضية، لم نكن نعتبر ثبات التمويل نجاحاً، لكننا راضون عن الواقع الحالي بعد تجربة العام الماضي".
وعموماً لم يسلم مجال البحث العلمي تماماً من سياسة التخفيضات التي وقف خلفها أيضاً إيلون ماسك الذي قاد إدارة الكفاءة الحكومية التي توقف عملها في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. وخسرت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي ووكالة ناسا معاً آلاف الموظفين، كما تغيّرت قيادات أقسام عدة في المعاهد الوطنية للصحة، وقلصت الإدارة العمل على تقارير مناخية رئيسية، ولا تزال هيئة الأرصاد الجوية الوطنية لا تستخدم كامل أسطولها من بالونات الأرصاد الجوية.
وقالت جوان: "يصمد العلم بقدر ما يستطيع، لكن إدارة ترامب ستواصل محاولات تقليص التمويل في مواضيع لا تروق لها، واشتراط موافقة كبار السياسيين على العديد من المنح".
وكان لافتاً أنّ البيت الأبيض أشاد بإقرار الكونغرس مشروع القانون الخاص بتمويل العلوم، وأكد مكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض "ارتياح الإدارة لتخصيص الكونغرس اعتمادات بطريقة تتجنب حزمة شاملة ضخمة، والتزامه تطبيق اتفاق مالي مسؤول يُقلل الإنفاق التقديري الإجمالي مع توجيه الاستثمارات الأساسية نحو أولويات الإدارة".
ولعلّ من أبرز مخاوف المجتمع العلمي انقطاع تدفق تمويل معاهد الصحة الوطنية المسؤولة عن توجيه الأموال الفيدرالية إلى أبحاث العلوم الطبية الحيوية وعلوم الحياة، إلى الجامعات والمعاهد. وكانت الوكالة عطلّت أو أخرت أو حتى ألغت، في ظل محاولة إدارة ترامب تعزيز السيطرة عليها، آلاف المنح. وحاولت الإدارة أيضاً الحدّ من المبالغ التي يمكن أن تحصل عليها الجامعات من معاهد الصحة الوطنية للتكاليف غير المباشرة، مثل المعدات وصيانة المباني والمرافق، والتي قدرتها بـ4 مليارات دولار سنوياً، لكنّ اتحادات الجامعات والولايات ثارت بحجة أن هذه الخطوة تُخالف توجيهات الكونغرس وسياسات معاهد الصحة الوطنية نفسها.
في النهاية عاد التمويل للتدفق مجدّداً بفضل قرارات قانونية مهمة. وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي أيدت محكمة استئناف حكم عدم جواز فرض إدارة ترامب سقفاً لتكاليف الأبحاث، كما توصل الاتحاد الأميركي للحريات المدنية إلى تسوية جزئية في قضية "التطهير الأيديولوجي" الذي مارسته معاهد الصحة الوطنية الأميركية ضد المِنح وتعطيلها عمليات مراجعتها. ونصّت التسوية على إعادة معاهد الصحة الوطنية النظر في مِنح محدّدة كانت أوقفتها مؤقتاً، ولا يزال القضاء ينظر في جزء آخر من الدعوى يتعلق بمِنح ملغاة في قضايا مثل التنوع والإنصاف والشمول. وقالت أولغا أكسيلرود، محامية الاتحاد الأميركي للحريات المدنية في قضية المِنح: "شكلت الدعاوى القضائية رقابة مهمّة جداً، لكنّني أعتقد بأن أبحاث الصحة العامة لا تزال مهددة".
وفعلياً، تستمر دعاوى قضائية أخرى تطعن في محاولات إدارة ترامب تقييد تمويل المنح، وهي في مراحل الاستئناف. وتتابع مبادرة السياسة الصحية والقانون في جامعة جورجتاون 39 قضية خاصة بشكاوى تمويل، علماً أنّ عددها كان صفراً قبل عام.
ووصفت كاتي كيث، مديرة المبادرة نتائج هذه الدعاوى بأنّها "متباينة". ومثلاً أصدر قاضٍ حكماً ضد إدارة ترامب في دعوى تخفيض 2.2 مليار دولار من مِنح جامعة هارفارد، لكنّ قاضياً آخر رفض دعوى مماثلة رفعتها نقابات أعضاء هيئة التدريس لاستعادة نحو 400 مليون دولار من مِنح جامعة كولومبيا، والقضيتان قيد الاستئناف حالياً. وكانت جامعة كولومبيا دفعت تسوية 200 مليون دولار للإدارة لإعادة المِنح بعدما اتهمت بانتهاك قوانين مكافحة التمييز. وقال ترامب في الثاني من فبراير/ شباط الجاري إنّ إدارته ستسعى إلى الحصول على مليار دولار من جامعة هارفارد.