تلاميذ السويداء يخوضون امتحانات الثانوية العامة وسط غموض يلفّ مصيرها
استمع إلى الملخص
- يواجه التلاميذ صعوبات كبيرة للوصول إلى مراكز الامتحانات في ظروف غير آمنة، لكنهم يصرون على مواصلة التعليم، وتوفر الكاميرات في القاعات نوعاً من الطمأنينة.
- مديرة التربية تؤكد تجهيز القاعات بكاميرات لضمان النزاهة، ونقل نحو أربعة آلاف تلميذ للمدينة، لكن يبقى مصير الامتحانات غامضاً بسبب عدم اعتراف الحكومة.
يخوض تلاميذ السويداء جنوبي سورية امتحانات شهادة الثانوية العامة أو البكالوريا، وسط إجراءات أمنية مشدّدة وغموض يلفّ مصيرها إذ لم تحظَ هذه الامتحانات بموافقة وزارة التربية والتعليم السورية في دمشق. وانطلقت هذه الامتحانات لتلاميذ الفرعَين العلمي والأدبي، أمس السبت، بعدما تعذّر عليهم خوضها في شهر يوليو/ تموز الماضي، على خلفية الحوادث الدامية التي شهدتها محافظة السويداء حينها، والتي أدّت إلى تأجيل الامتحانات الرسمية أكثر من مرّة. وتجري الامتحانات وسط إجراءات أمنية مشدّدة، مدعومة من قيادة قوى الأمن الداخلي وقوات الحرس الوطني التابعة لشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في السويداء حكمت الهجري
.أمام أحد المراكز في المدينة، تقول امرأة سوريّة، تنتظر ابنتها التي تخضع للامتحانات ويبدو القلق واضحاً عليها، إنّ "التلاميذ، بمن فيهم ابنتي، تحمّلوا عبء الوضع الأمني كما لم يتحمّله أحد من قبل". تضيف لـ"العربي الجديد" أنّها أصرّت على مواصلة ابنتها دراستها على الرغم من الظروف الصعبة، علماً أنّها نازحة مع عائلتها من قرية الثعلة. وتشدّد المرأة، التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها، على أنّ "التجهيل سلاح قاتل لا أرضاه لأولادي، لذا نحاول الاستمرار على الرغم ممّا نعيشه من خوف وتعب وفقدان".
من جهته، يخضع التلميذ السوري هاني الريّا لامتحانات الفرع العلمي، وهو من بلدة قنوات الواقعة إلى شمال شرقي مدينة السويداء. لا يخفي لـ"العربي الجديد" أنّ الوصول إلى مركز الامتحان يومياً يمثّل بحدّ ذاته معاناةً، إذ يضطرّ إلى الاستيقاظ فجراً ليصل في الوقت المحدّد. يضيف لـ"العربي الجديد": "نجتاز أكثر من 40 كيلومتراً على طريق غير آمن، لكنّني أشعر بأنّ هذه الشهادة تستحقّ كلّ ذلك"، ويتابع "تعبنا من التأجيل والخوف. نريد أن نثبت أنّ العلم أقوى من الرصاص".
في الإطار نفسه، تصف التلميذة السورية منى أبو الفخر، التي تخضع لامتحانات الثانوية العامة في الفرع الأدبي، الأجواء في مراكز الامتحانات بأنّها "أفضل ممّا توقّعت". وتشير لـ"العربي الجديد" إلى أنّ الكاميرات المنتشرة في القاعات "منحت التلاميذ نوعاً من الطمأنينة بدلاً من الخوف"، لأنّها "تجعل المراقبة أفضل وتحدّ من التجاوزات". لكنّها تردف: "نحتاج فقط إلى من يعترف بشهادتنا، لأنّ كلّ هذا الجهد سوف يضيع في حال لم تُعتمَد النتائج من قبل الجهات الرسمية".
وتؤكد مديرة التربية في السويداء، ليلى أبو جهجاه، لـ"العربي الجديد" أنّ كلّ قاعات الامتحانات في المحافظة جُهّزت بكاميرات مراقبة حديثة، من أجل ضمان نزاهة هذه العملية وتوفير بيئة هادئة للتلاميذ. وتشير إلى أنّها أجرت جولة ميدانية على عدد من المراكز للاطّلاع على سير الامتحانات، مبيّنةً أنّ "كلّ شيء يسير بطريقة منظّمة وهادئة". تضيف أنّ "التدابير الأمنية في كامل جهوزيتها، إذ نُشرت عناصر من الشرطة في كلّ المراكز لتوفير الحماية للتلاميذ وضمان سير الامتحانات من دون أي معوّقات"، موضحةً أنّ "الأمن لا يمثّل عائقاً أمام التلاميذ، وكلّ الأمور تسير بانتظام".
وبشأن الترتيبات الخاصة بالتلاميذ، تشرح أبو جهجاه أنّ "المديرية ترى في هؤلاء أولوية مطلقة؛ هم أبناء هذه المحافظة وضحايا حرب لا ذنب لهم فيها"، لافتةً إلى أنّ "معنوياتهم عالية". وتتابع أنّ "توزيع التلاميذ أتى وفقاً لمراكزهم المحدّدة سابقاً (قبل تأجيل الامتحانات) والمثبتة على بطاقاتهم، باستثناء تلاميذ الريف الذين نُشرت قوائم بعناوين مراكزهم الجديدة في مناطق شهبا وصلخد والقريا"، مشيرةً إلى أنّ "التنسيق جرى مع مديرية الامتحانات لإعادة طباعة البطاقات المفقودة، عبر شعبة الشهادة الثانوية العامة".
وتبيّن مديرة التربية في السويداء أنّ "نحو أربعة آلاف تلميذ وتلميذة نُقلوا من مختلف قرى السويداء إلى المدينة، ليخضعوا فيها إلى امتحاناتهم التي بدأت صباح (أمس) السبت، في 33 مركزاً تضمّ 341 قاعة". وعملية النقل هذه أتت مجانية، بحسب أبو جهجاه، وذلك "بالتنسيق مع مكتب الجاهزية، وبدعم من المجتمع الأهلي وأصحاب المركبات"، مؤكدة أنّ "المبادرة تهدف إلى تخفيف الأعباء عن الأهالي وضمان وصول التلاميذ في الوقت المحدّد، وسط متابعة ميدانية من الجهات التي تتولّى الشؤون في المحافظة بدلاً من الأجهزة التابعة للدولة".
وعلى الرغم من كلّ الجهود المبذولة محلياً، يبقى مصير امتحانات شهادة الثانوية العامة غامضاً. وقد حاول "العربي الجديد" الحصول على تعليق رسمي من قبل وزارة التربية والتعليم السورية في دمشق، بشأن الاعتراف بهذه الامتحانات، إلا أنّ كلّ المحاولات باءت بالفشل، إذ لم يتلقّ أيّ ردّ.
في السياق، كان محافظ السويداء، مصطفى البكور، قد أفاد "العربي الجديد"، في وقت سابق، بأنّ الحكومة السوريّة في دمشق "لا تعترف بهذه الامتحانات"، وشدّد على أنّ "وزارة التربية هي الجهة الوحيدة المخوّلة بإدارة عملية الامتحانات والإشراف عليها"، مضيفاً أنّ "أيّ قرار أو إجراء من خارج نطاق الدولة والحكومة لا يمكن اعتماده رسمياً".
وبين جهود المجتمع المحلي في حماية حقّ التلاميذ في متابعة دراستهم وبين تمسّك حكومة دمشق بالمركزية في قراراتها، يقف تلاميذ السويداء اليوم وكلّهم أمل في مستقبل ما زال غامضاً، فيما يخشون ذهاب كلّ جهودهم سدى.