تقنية مغناطيسية تُطيل ساق طفل بريطاني: الطب يختصر عقوداً من المعاناة

17 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 17:33 (توقيت القدس)
مستشفى ألدر هاي، بريطانيا، 23 إبريل 2023 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- خضع ألفي فيليبس، طفل بريطاني، لعملية جراحية مبتكرة في ليفربول لعلاج نقص الشظية الخلقي باستخدام تقنية مغناطيسية لإطالة العظم، مما زاد طول ساقه بثلاثة سنتيمترات دون الحاجة لإطارات خارجية.
- جنى، شابة في العشرينات، عانت من نفس الحالة في طفولتها واضطرت لجراحة تقصير الساق الأطول لعدم توفر التقنيات الحديثة آنذاك، لكنها تعيش حياة طبيعية الآن.
- جوليا، وُلدت في السبعينيات، لم تتوفر لها فرص علاجية، مما يعكس تحديات الأجيال السابقة ويبرز دور التقدم الطبي في تحسين الحياة.

لم يكن ألفي فيليبس، الطفل البريطاني البالغ من العمر تسع سنوات، يدرك أن الفارق الصغير بين ساقيه سيقوده ليصبح أول طفل في بريطانيا يخضع لتقنية طبية جديدة تُعد من أكثر جراحات تقويم العظام تطورًا حتى اليوم. وُلد ألفي بحالة نادرة تُعرف باسم نقص الشظية الخلقي، وهي اضطراب يمنع نمو إحدى الساقين بشكل طبيعي، مما ترك ساقه اليمنى أقصر من اليسرى بفارق كان مرشحًا للزيادة مع تقدّمه في العمر.

في مستشفى "ألدر هاي" للأطفال في مدينة ليفربول، أجرى فريق طبي عملية وُصفت بـ"الرائدة"، استُخدمت فيها تقنية حديثة تعتمد على إطالة العظم من الداخل بواسطة مغناطيس. وقد زرع الجراحون مسمارًا خاصًا داخل عظم الفخذ، يعمل بالتزامن مع جهاز مغناطيسي خارجي يُستخدم ثلاث مرات يوميًا، ليسحب العظم تدريجيًا بمعدل مليمتر واحد في اليوم، بينما يعوّض الجسم الفراغ بنسيج عظمي جديد. وفي غضون أسابيع، ازداد طول ساق ألفي بنحو ثلاثة سنتيمترات، من دون الحاجة إلى إطارات معدنية خارجية أو أسلاك تثبيت كانت تُستخدم سابقًا وتحمل معها ألمًا يوميًا ومخاطر التهابات مرتفعة.

وبحسب ما أوردته صحيفة "التايمز" اليوم الثلاثاء، يقول ألفي: "أحب أن أكون الأول في بريطانيا الذي خضع لهذه العملية"، مضيفاً أنه أصبح أطول من أصدقائه في المدرسة. أمّا والدته، فتصف التجربة بأنها "تحوّل حقيقي"، وتلفت إلى أنّ ألفي كان يمشي في اليوم التالي للجراحة مستخدمًا إطار المساعدة على المشي، قائلةً: "قيل لنا إن هذا لم يكن ممكنًا لو خضع لأسلوب العلاج القديم"، وتضيف أن ابنها توقف عن استخدام المسكنات بعد أسبوع واحد فقط.

تطور تقويم العظام عبر الأجيال

تبدو قصة ألفي استثنائية، لكنها تكتسب معناها الكامل حين تُقرأ إلى جانب قصتين أخريين، تكشفان كيف كان اختلاف الزمن الطبي عاملًا حاسمًا في تحديد ما كان ممكنًا وما لم يكن.

جنى، شابة في العشرينات من عمرها، تنتمي إلى جيل مواليد الألفين، وعانت من الحالة الطبية نفسها. في طفولتها، لم تكن تقنيات إطالة العظام من الداخل قد أصبحت متاحة للأطفال، وكانت الخيارات العلاجية محدودة. تقول لـ"العربي الجديد" إنّه بدل معالجة الساق الأقصر، خضعت لجراحة تقصير الساق الأطول، كحلّ أتاح لها المشي والحياة اليومية بتوازن أفضل، وإن جاء ذلك على حساب طولها النهائي.

تستعيد جنى سنوات طفولتها بوصفها مرحلة كثيفة بالمراجعات الطبية، وبمحاولات حثيثة من والديها للعثور على أفضل علاج ممكن في ذلك الوقت. اليوم، تقول إنها بخير وتمشي بشكل طبيعي، وطولها يقع ضمن المعدل المقبول، وتشعر بأن جسدها لم يعد يشكّل عائقًا في حياتها اليومية. وترى جنى أنها لو وُلدت بعد سنوات قليلة، ربما لكانت اليوم أطول قامة، بيد أنّها لا تنظر إلى ذلك كخسارة، بل تقول: "أنا مقتنعة بما أنا عليه"، في تعبير عن تصالح طويل مع الجسد وحدود الخيارات المتاحة آنذاك.

قضايا وناس
التحديثات الحية

أما القصة الأقدم، فتعود إلى جوليا، وهي امرأة وُلدت في سبعينيات القرن الماضي، في زمن لم تكن فيه هذه الحالات تُشخّص بدقة ولا تُطرح لها حلول جراحية حقيقية. لم تُتح لجوليا أي فرصة لتقصير أو إطالة الساق. عاشت سنوات طويلة وهي تمشي بخطوات غير متوازنة، تتكيّف بصمت وتتعلم منذ طفولتها كيف تتفادى نظرات الشفقة أحيانًا، والاستغراب أحيانًا أخرى.

التعايش مع الاختلاف تصفه جوليا لـ"العربي الجديد" بأنه لم يكن خيارًا، بل واقعًا فُرض عليها في المدرسة والعمل والشارع، كانت كلها مساحات تعلّمت فيها كيف تُخفي تعبها، لا كيف تعالجه. ولم يكن التحدي جسديًا فقط، بل اجتماعيًا أيضًا، في مجتمع لم يكن ينظر إلى هذه الحالات بوصفها مسألة طبية قابلة للعلاج، بل كأمر واقع يُتعايش معه.

حين يُقاس التقدم بتخفيف الألم

بين جنى وجوليا، وبينهما وبين طفل اليوم، لا يكمن الفارق في قوة الاحتمال أو القدرة على التكيّف، بل في زمن الطب نفسه. جيل وُلد حين كان الاختلاف الجسدي يُدار بالصبر وحده، وجيل لاحق أُتيح له علاج يخفف الألم ويحدّ من تبعاته، وأطفال اليوم يملكون فرصة لحياة أكثر توازنًا منذ البداية.

هذا التقدّم لا يُقاس بالسنتيمترات التي تُضاف إلى الساق، بل بقدرته على تقليص المعاناة الصامتة، وتخفيف العزلة الاجتماعية، وتحويل ما كان يُعد قدرًا دائمًا إلى حالة طبية قابلة للعلاج. وبين قصص ثلاث تفصل بينها عقود، تتضح قيمة الطب حين لا يغيّر شكل الجسد فحسب، بل يغيّر مسار الحياة.