تفشّي "إيبولا" الحالي الأكثر فتكاً في تاريخ الكونغو الديمقراطية

17 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 22:54 (توقيت القدس)
تعقيم في مواجهة إيبولا بإقليم إيتوري، جمهورية الكونغو الديمقراطية، 10 يوليو 2026 (رويترز)

صار تفشّي فيروس إيبولا الراهن في جمهورية الكونغو الديمقراطية الأكثر فتكاً في تاريخ البلاد، بعدما أودى بحياة أكثر من 2,300 شخص في ثلاثة أشهر من رصد العدوى، وفقاً لبيانات حكومية أخيرة صادرة اليوم الاثنين. يأتي ذلك في حين تفيد الأمم المتحدة بأنّ وباء إيبولا المرصود أخيراً "هو الأسرع على الإطلاق"، إذ يودي بحياة شخص كلّ 30 دقيقة في الكونغو الديمقراطية، علماً أنّ هذا هو التفشّي السابع عشر للفيروس القاتل في البلاد خلال نصف قرن.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت، قبل ثلاثة أشهر من اليوم، تفشّي إيبولا "حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً" في كلّ من الكونغو الديمقراطية وجارتها أوغندا التي انتقلت العدوى إليها عبر الحدود، بعد يومَين فقط من إعلان كينشاسا الوباء على أراضيها في 15 مايو/ أيار 2026. وتشير التقديرات إلى أنّ انتشار سلالة بونديبوجيو من فيروس إيبولا كان قد بدأ قبل ذلك بأسابيع عدّة.

وفي تقرير نشرته وزارة الصحة في جمهورية الكونغو الديمقراطية اليوم الاثنين، بيّنت أنّ الوفيات الناجمة عن تفشّي فيروس إيبولا الأخير وصلت إلى 2,325 وفاة، علماً أنّ أكبر تفشّ سابق للفيروس في البلاد كان قد سُجّل ما بين عامَي 2018 و2020، ليبلغ عدد وفياته 2,299 وفاة من أصل 3,381 إصابة مؤكدة وفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية المستندة إلى الأرقام الكونغولية. أضافت وزارة الصحة، في تقريرها الأخير، أنّ عدد الإصابات المؤكدة بسلالة بونديبوجيو من فيروس إيبولا التي تتسبّب في الأزمة الوبائية الراهنة ارتفع إلى 4,945 شخصاً وقد وُثّقت البيانات الأخيرة وفقاً للرصد المتواصل حتى 15 أغسطس/ آب الجاري، منذ 15 مايو الماضي.

يُذكر أنّ تفشي فيروس إيبولا الأكثر فتكاً على الإطلاق ضرب غرب أفريقيا بين عامَي 2013 و2016، متسبّباً في وفاة أكثر من 11 ألفاً و300 شخص، معظمهم في ليبيريا وسيراليون وغينيا. ولا تخفي منظمة الصحة العالمية خشيتها من أن يصل التفشّي الراهن في جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى مستويات غير مسبوقة، إذ تبيّن أنّ الأشهر الثلاثة الأولى من موجهة الوباء الأخيرة شهدت إصابات مؤكدة ووفيات أعلى بأضعاف مقارنة بالأشهر الثلاثة الأولى من موجة غرب أفريقيا المذكورة.  

مقارنة وفيات تفشي إيبولا في الكونغو الديمقراطية
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي

ولا يتوفّر، حتى يومنا، لقاح ولا علاج محدّدَان لسلالة بونديبوجيو المسبّبة للموجة الأخيرة من تفشّي إيبولا، الذي ينتقل عن طريق ملامسة سوائل الجسم ويسبّب حمّى نزفية قد تكون فتّاكة، لكنّ تجارب على لقاحات عدّة مضادة لسلالة بونديبوجيو من فيروس إيبولا تُجرى الآن. وقد ضرب الفيروس شمال جمهورية الكونغو الديمقراطية وشرقها، في مناطق يضعف فيها حضور الدولة، فيما بنيتها التحتية الصحية متهالكة، وتنتشر فيها جماعات مسلحة عديدة منذ عقود. لكنّ منظمة الصحة العالمية عبّرت، في الأسبوع الماضي، عن أملها باحتواء انتشار العدوى في البلاد خلال ثلاثة أشهر.

وكان تفشّي إيبولا الأخير قد انطلق من إقليم إيتوري، شمال شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية، الذي مزّقته الصراعات، وامتدّ منذ ذلك الحين إلى خمسة أقاليم أخرى في هذه الدولة الواقعة في وسط أفريقيا، التي يتخطّى عدد سكانها 100 مليون نسمة. والأقاليم الخمسة الموبوءة اليوم، إلى جانب إيتوري البؤرة، شمال كيفو وجنوب كيفو وبا-ويل وأو-ويل وتشوبو.

في مدينة بونيا عاصمة إقليم إيتوري حيث سُجّلت الإصابات بمعظمها حتى يومنا، يبدو أنّ الإجراءات المتّخذة لمكافحة العدوى ما زالت غير فعّالة. وقد أصدرت بلدية بونيا أوامرها للتجار بإضافة مرافق لغسل اليدَين أمام متاجرهم، غير أنّ الزبائن ما زالوا يقصدون الأسواق من دون اكتراث يُذكر بالإجراءات الوقائية، وفقاً لمشاهدات وكالة فرانس برس.

في هذا الإطار، قال المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أفريقيا محمد جنابي إنّ "تفاعل المجتمع مع المرض ما زال ضعيفاً جداً"، مضيفاً أنّ أكثر من 70% من الوفيات تقع في خارج المراكز الصحية. من جهته، قال مسؤول في المجتمع المدني بمنطقة دجوجو في إيتوري جان بول مالو لوتسيما إنّ "الناس يفضّلون تلقّي العلاج في المنزل، ظنّاً منهم أنّهم يعانون من حالة تسمّم أو مرضاً آخر" غير إيبولا. وتابع أنّ هذا ما يجعل "نقل المرضى إلى المستشفى في اللحظة الأخيرة، عندما تدرك العائلة أنّ الوضع يزداد سوءاً"، مشيراً إلى أنّ المصابين بالعدوى يموتون على الطريق، في بعض الأحيان".

وفي شهادة على الوضع القائم، أخبر فلافييه نغوريما، المقيم في نيزي، إحدى بؤر تفشّي إيبولا في إيتوري، أنّ شقيقه توفي قبل وصوله إلى مركز العلاج. أضاف لوكالة فرانس برس: "استعنّا بممرّضة من العائلة لعلاجه في المنزل، لأنّه وأفراد الأسرة كانوا يخشون الذهاب إلى مركز العلاج"، إذ يظنّون أنّ "كثيرين هم الذين يموتون هناك".

في سياق متصل، تقرّ منظمات الإغاثة بأنّ الوصول إلى المجتمعات المتضرّرة من تفشّي إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية تعيقه كذلك جماعات مسلحة نشطة في عدد من المناطق الموبوءة. وتفصل خطوط المواجهة بين الجيش الكونغولي وجماعة "إم 23" المسلحة، المناهضة للحكومة والمدعومة من رواندا التي سيطرت على مساحات شاسعة من الأراضي، بين شمال كيفو وجنوب كيفو.

وعلى الرغم من جهود المنظمات الدولية، واجهت الاستجابة انتقادات بسبب بطئها وعدم تنظيمها. وقد نفّذ العاملون المحليون، من بينهم ممرضات ومسؤولون عن الدفن الآمن، إضرابات أو تظاهرات في مستشفيات عدّة بإقليم إيتوري في خلال الأسابيع الأخيرة، مطالبين بصرف مكافآتهم. وقد حثّ المجلس الدولي للممرّضين، يوم الجمعة الماضي، السلطات المعنية في جمهورية الكونغو الديمقراطية على توفير الأجور والحماية المناسبة للعاملين في مجال الرعاية الصحية الذين يكافحون تفشّي إيبولا المتمدّد.

(فرانس برس، أسوشييتد برس، العربي الجديد)