تعليم عن بعد... دعوة إلى التطوير في جامعات السودان

04 أكتوبر 2020
الصورة
السيول أثّرت على قطاع التعليم في السودان (محمود حجاج/ الأناضول)
+ الخط -

يُعاني قطاع التعليم في السودان نتيجة اللااستقرار بدءاً من تداعيات الثورة مروراً بتفشي فيروس كورونا ووصولاً إلى الفيضانات. في هذا الإطار، ينصح متخصصون بتطوير التعليم عن بعد، وإن كان كثيرون يخشون من ضعف الإمكانات 

في ظلّ الصعوبات الكثيرة التي يواجهها التعليم التقليدي في السودان، خصوصاً بعد انتشار فيروس كورونا، عدا ما شهدته البلاد مؤخراً من سيول وفيضانات وغير ذلك من مشاكل، علت الأصوات المطالبة بضرورة تطوير التعليم عن بعد. ويُراهن الكثير من الأكاديميين على التعليم عن بعد في المرحلة الجامعية في السودان، لمساهمته في زيادة فرص التعليم وردم الفجوة الكبيرة في البلاد، وخصوصاً أن الظروف تدفع البعض إلى عدم إكمال تعليمهم، من بينهم النساء إما بسبب الزواج المبكر أو رفض عائلاتهن. كما يمنح فرصة لكبار السن العاملين في القطاع الحكومي والخاص باستكمال التعليم الجامعي أو الدراسات العليا، ويساعد فئات كثيرة في المجتمع على استثمار أوقات الفراغ.

ومنذ تسعينيات القرن الماضي، بدأت معظم الجامعات السودانية تجربة التعليم من خلال ما يُعرف بقبول الانتساب الذي يسمح للطالب بحضور نحو 30 في المائة فقط من المحاضرات. لكن مع مرور الوقت والتطورالتقني، أنشأت العديد من الجامعات السودانية أقساماً خاصة للتعليم عن بعد. كما أُنشئت جامعات متخصصة بالتعليم عن بعد على غرار جامعة السودان المفتوحة الحكومية. ويقدّر عدد الطلاب الملتحقين بنظام التعليم عن بعد بثلاثة في المائة من مجموع الطلاب المقبولين في مؤسسات التعليم العالي.
ويواجه التعليم التقليدي مشاكل عدة. فالجامعات السودانية على سبيل المثال، ومنذ عام 2018، لم تتمكن من إكمال المناهج الدراسية نتيجة غياب الاستقرار، بدءاً من التظاهرات ضد نظام الرئيس المعزول عمر البشير والتي أدت إلى إغلاقها. ومع استئناف الدراسة بعد سقوط النظام، أغلقت الجامعات من جديد بسبب جائحة كورونا. ويستمرالإغلاق حالياً في ظل الإجراءات الوقائية، عدا عن الفيضانات التي اجتاحت البلاد، والأزمات الاقتصادية والمعيشية كأزمة النقل ورداءة السكن الجامعي وغيرها، ما يجعل السلطات متردّدة لناحية اتخاذ قرار باستئناف الدراسة. 
في هذا الإطار، يرى رئيس مركز الحاسوب في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، محمد عثمان الطيب الفحل، أنه يتوجب على الدولة والجامعات زيادة الاهتمام بالتعليم عن بعد، والاستفادة من التطورالتقني الحالي. ويوضح لـ "العربي الجديد" أن لجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا تجربة جيدة في مجال التعليم الإلكتروني بدأتها منذ سنوات، وعملت على تطويرها خلال العامين الأخيرين، وتم قبول طلاب الباكالوريوس خلال عامي 2019 و2020، مستفيدة من تجارب سابقة بدأتها في عام 2012 لطلاب الدراسات العليا. ويشير إلى أن الجامعة، وبهدف إنجاح التجربة الأخيرة، سعت إلى تدريب عشرات الأساتذة والفنيين والطلاب لإنشاء منصات تدريب على وسائل التواصل الاجتماعي والاعتماد على الفيديوهات.
يضيف الفحل أن الجامعة استطاعت التغلب على الكثير من التحديات المتمثلة في ضعف شبكة الإنترنت وانقطاع التيار الكهربائي من خلال وسائل بسيطة، منها تسجيل المحاضرات مع الحرص عى تأمين التفاعل بين الطلاب والأساتذة في أي وقت. ويؤكد أنه على الرغم من الصعوبات والعقبات، فإن مستقبل التعليم عن بعد واعد، خصوصاً إذا ما انتبهت الحكومة للأمر من خلال تشجيعه عبر التشريعات والقوانين وغيرها من التسهيلات، مشيراً إلى دور شركات الاتصالات في هذا الإطار، لناحية العمل على تطوير برامج للطلاب للحصول على التعليم بأسعار منخفضة.   
من جانبها، تقول وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إنها ماضية في تشجيع الجامعات السودانية على تطوير برامج التعليم الإلكتروني، مشيرة إلى أن لديها الكثير من الخطط في هذا الاتجاه. ويقول وكيل الوزارة سامي شريف لـ "العربي الجديد" إن خطة وزارته تتمثل في رفع نسبة المقبولين في برامج التعليم عن بعد من 4 في المائة إلى 20 في المئة خلال السنوات القليلة المقبلة، وإنشاء وتأسيس جامعات جديدة على غرار جامعة السودان المفتوحة والجامعة العربية المفتوحة - فرع السودان، وبعض الأقسام الموجودة في عدد من الجامعات.  
ويشير شريف إلى أن أبرزالتحديات والمشاكل تتمثل في ضعف البنى التحتية التقنية كشبكات الاتصال وغلاء أسعار الخدمات المقدمة، موضحاً أن الوزارة والمؤسسات الحكومية تعترف بشهادات الخريجين من تلك الجامعات والأقسام المتخصصة في التعليم عن بعد.
إلّا أن الأستاذ في جامعة أفريقيا العالمية الحكومية، عبد الوهاب الطيب، يجزم بأنّ السودان غير مهيأ في الوقت الحالي لمواكبة التطورالعالمي لأسباب عدة، أهمها ضعف إمكانات الطلاب المادية، في ظل ارتفاع نسب الفقر في البلاد. ويشير إلى أن "الطالب في حاجة إلى توفير هاتف ذكي وحاسوب وتيار كهربائي وإنترنت سريع. من جهة أخرى، يتحدث عن انتشار الأمية التقنية في البلاد في ظل ضعف إمكانات المدارس والمعاهد والجامعات التي تفتقر إلى أبسط مقومات التعليم التقليدي، فكيف الحال بالتكنولوجيا؟".
يضيف الطيب لـ "العربي الجديد" أن شبكات الاتصالات ضعيفة جداً ولا تصل إلى بعض المناطق في السودان، خصوصاً الأرياف. ويرى أن المشكلة الكبرى تتعلق بالنظرة السلبية في المجتمع لخريجي التعليم عن بعد، ولا تشجع المؤسسات الحكومية على توظيفهم، إضافة إلى سوق العمل في الخليج العربي. ويرى أنه لا مجال للتوسع في هذا المجال إلا من خلال زيادة قدرات الجامعات، وتطوير شبكات الاتصال، وتقديم دعم مالي مباشر للطلاب، وتوفير البنية التحتية، والتدريب لجميع الأساتذة، وسن تشريعات من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لقوننة التعليم عن بعد والاعتراف به وبمؤسساته، ووضع مناهج ومقررات تتلاءم وطبيعته. 

من جهته، يشدد الأستاذ في جامعة النيلين الحكومية فتح الرحمن الأمين، لـ "العربي الجديد"، على أهمية تدريب العاملين في قطاع التعليم عن بعد، والاهتمام بجودته، ونشر الوعي حول أهميته وضرورة تطويره بالنسبة للمجتمع والدولة، والحرص على الرقابة من خلال إدارات الجامعات ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي. ويؤكد أن نجاح مشاريع التعليم عن بعد يساهم إلى حد كبير في نشر الوعي المجتمعي والحدّ من نسبة البطالة وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية. 

المساهمون