تعليق نشاط الجمعيات... تضييق على المجتمع المدني في تونس

تونس

إيمان الحامدي

إيمان الحامدي
29 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 30 أكتوبر 2025 - 16:41 (توقيت القدس)
تعليق الجمعيات.. تصعيد حكومي يخنق صوت المجتمع المدني في تونس
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه منظمات المجتمع المدني في تونس ضغوطاً حكومية متزايدة، حيث تم تعليق نشاط جمعيتين بارزتين، مما أثار مخاوف من تكميم الأفواه والعودة إلى ممارسات سلطوية.
- السلطات تستند إلى مرسوم 2011 لتعليق نشاط "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، مما يُعتبر تصعيداً ضد الفضاء المدني ومحاولة لتقييد الأصوات المستقلة.
- تعليق نشاط "الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات" يُعتبر جزءاً من حملة لتقييد الفضاء المدني، وسط اتهامات للحكومة بمحاولة احتكار السلطة.

يتوجس الناشطون في المجتمع المدني بتونس من التدرج بقرارات تعليق نشاطات الجمعيات خوفاً من الوصول إلى التوقيف النهائي، ويعتبرون أن تصعيد الحكومة خطير ومحاولة لكم الأفواه والعودة إلى ممارسات سلطوية.

في غضون أيام وجيزة، اتخذت سلطات تونس قراراً بتعليق نشاط جمعيتين من أبرز الجمعيات المدنية الناشطة في البلاد، وهما "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" و"الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات"، وسط قلق عارم من تصاعد التضييق على الجمعيات الأهلية وهيئات المجتمع المدني، وصرف النقاش العام عن القضايا المعيشية.

يشهد الفضاء المدني في تونس أخيراً، موجة متصاعدة من التضييق والضغط على الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي نشطت في ميدان الحقوق والحريات منذ الثورة التونسية والاحتجاجات الشعبية بين عامَي 2010 و2011. وتستند السلطات في قرار تعليق نشاط الجمعيات أو حلها إلى فصول مرسوم صدر عام 2011، بحجة مخالفة تلك الجمعيات مبادئ النشاط الجمعياتي أو وجود تجاوزات في حساباتها المالية والجبائية.

يقول المتحدث باسم "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" رمضان بن عمر إن "المنتدى تلقى أول من أمس (الاثنين) قراراً قضائياً بتعليق نشاطه لمدة شهر، وذلك بعدما خضعت حساباته على امتداد أشهر للتدقيقات المالية والجبائية، وقدم ممثله القانوني منذ يوليو/ تموز الماضي كل الوثائق المطلوبة إلى الجهات المعنية والهيئات الرقابية، في إطار التزامه الثابت والصارم بكل الإجراءات القانونية والإدارية والمالية الجاري العمل بها".

ويؤكد بن عمر لـ"العربي الجديد"، أن "التضييق على عمل المنظمات المدنية يندرج في إطار مشروع شامل للسلطة لإلغاء الأجسام الوسيطة، وإنهاء فاعلية كل الكيانات المعارضة لها أو التي تخالفها الرأي"، ويعتبر أن "قرار وقف نشاط المنظمتين، والتصعيد ضد المنظمات المدنية، ليس سوى محاولة لإلهاء الرأي العام وتحويل انتباهه عن القضايا المهمة في البلاد، ولا سيما في ظل التحركات الشعبية ضد التلوث في ولاية قابس، حيث يساند المجتمع المدني بقوة الحراك البيئي في المنطقة".

ويُعد المنتدى التونسي الذي أُنشئ عام 2011 من أكثر المنظمات المدنية مساندة للحركات الاحتجاجية والحراك البيئي، كما يخصص قسماً كاملاً للعدالة البيئية، ويُصدر بشكل دوري عبر مرصده الاجتماعي بيانات مفصلة عن التحركات الاحتجاجية وحالات العنف والانتحار، إلى جانب رصد البيانات المتعلقة بالهجرة ودعم حقوق المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء. وتُعد بياناته المفتوحة من أهم مصادر المعلومات التي يُستند إليها.

يرى بن عمر أنه "كلما واجهت الحكومة ضغوطاً لا تستطيع حلها، مثل احتجاجات قابس أو احتجاجات طالبي الشغل ممّن طالت بطالتهم، تسعى لتشتيت الانتباه وإسكات الأصوات المستقلة والقوية"، مشيراً إلى أن "السلطة الحالية تحاول احتكار الفضاء العام، بعدما استهدفت سابقاً الأحزاب السياسية وقياداتها، وسجنت عشرات النشطاء في قضايا الهجرة".
وتتوجس المنظمات المدنية في تونس من تواصل حملات التصعيد ضدها، والتدرج بالقرارات من مرحلة تعليق نشاطها إلى تجميد عملها بالكامل.

واعتبرت الشبكة الأورومتوسطية للحقوق في بيانها، يوم الاثنين، أن "قرار تعليق نشاط المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية يمثّل تصعيداً خطيراً في مسار التضييق على الفضاء المدني، واستهدافاً للمنظمات الحقوقية المستقلة العاملة في مجالات الدفاع عن العدالة الاجتماعية والبيئية والاقتصادية في تونس". وأضافت: "لطالما كان المنتدى فاعلاً أساسياً في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للمواطنين، وفي فضح السياسات التي تعمّق التهميش والفقر واللامساواة".

الصورة
يخشى البعض عودة الممارسات السلطوية، تونس، 15 أكتوبر 2025 (حسن مراد/ فرانس برس)
يخشى البعض عودة الممارسات السلطوية، تونس، 15 أكتوبر 2025 (حسن مراد/ فرانس برس)

بدورها، عبّرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عن تضامنها المطلق مع الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات التي أُبلغت أيضاً يوم الجمعة الماضي بتعليق نشاطها، ورأت في بيانها أن "القرار يأتي في إطار التضييق المتزايد على الفاعلين المدنيين والمدافعات والمدافعين عن الحقوق والحريات، وهو ما يهدد فضاء المجتمع المدني التونسي، ويعيد البلاد إلى ممارسات سلطوية تتنافى مع التزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان".

وتُعد "الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات" التي تنشط منذ 36 عاماً، من أبرز الجمعيات الحقوقية النسوية الناشطة في تونس وخارجها. وعقب تعليق نشاطها، أعلنت الجمعية وقف العمل بمراكزها المعنية بمساعدة النساء ضحايا العنف. ووفقاً لبياناتها الرسمية، تقدم الجمعية ما لا يقل عن 800 مساعدة سنوياً لنساء ضحايا العنف في مراكز الإنصات والتوجيه النفسي أو عبر المرافقة القانونية لتحصيل حقوقهنّ.
في هذا السياق، تقول المحامية والكاتبة العامة للجمعية هالة بن سالم إن "تعليق نشاط الجمعية استند إلى ما اعتبرته السلطات مخالفات لبعض فصول المرسوم عدد 88 المتعلق بالجمعيات"، مؤكدة أن "هذه المخالفات المزعومة جرى رفعها منذ أن تم توجيه تنبيه للجمعية في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، حيث قامت الجمعية برفع كل الملاحظات، وتقديم الوثائق والإثباتات اللازمة إلى رئاسة الحكومة، بما يؤكد احترامها الكامل للقانون". وأضافت بن سالم، في حديث لـ"العربي الجديد": "رغم ذلك، أقدمت السلطات على تعليق نشاط الجمعية، في خطوة تصعيدية غير مبرّرة، كما فعلت مع عدد من المنظمات والجمعيات المستقلة الأخرى، في محاولة واضحة لتقييد الفضاء المدني، وتكميم الأصوات الحرة".

وبحسب المحامية، كانت الجمعية من بين الأطراف المساهمة في صياغة مرسوم الجمعيات الذي يُجمَّد نشاطها بموجبه، علماً أن أنشطتها أو حساباتها لا تُعارض مبادئه وبنوده، مؤكدةً أن الجمعية لا تتلقى أي تمويل من الدولة. وتشرح بن سالم أن بنود المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المؤرخ في 24 سبتمبر/ أيلول 2011، تتعلق بتنظيم الجمعيات. إذ يتعين أن "تحترم الجمعيات في نظامها الأساسي، وفي نشاطها وتمويلها، مبادئ دولة القانون والديمقراطية والتعددية والشفافية والمساواة وحقوق الإنسان، كما ضُبطت بالاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف الجمهورية التونسية". وينصّ المرسوم على أن تقدم كل جمعية تستفيد من المال العمومي تقريراً سنوياً يشمل وصفاً مفصلاً لمصادر تمويلها ونفقاتها إلى دائرة المحاسبات.

ويتدرّج المرسوم في معاقبة الجمعيات المخالفة لبنوده من التنبيه إلى الحل، إذ يحدّد الكاتب العام للحكومة في مرحلة أولى المخالفة المرتكبة، وينبّه الجمعية بضرورة إزالتها خلال مدة لا تزيد عن ثلاثين يوماً، انطلاقاً من تاريخ تبليغ التنبيه. وفي المرحلة الثانية يُعلّق نشاط الجمعية بقرار من رئيس المحكمة الابتدائية في تونس، بمقتضى إذن على عريضة، يقدمه الكاتب العام للحكومة، ولمدة لا تزيد عن ثلاثين يوماً، ويمكن للجمعية الطعن بقرار التعليق وفق إجراءات القضاء الاستعجالي. ويتمّ حلّ الجمعية بحكم صادر عن المحكمة الابتدائية بتونس، بطلب من الكاتب العام للحكومة أو ممّن له مصلحة، وذلك في حال تمادي الجمعية بالمخالفة رغم التنبيه وتعليق نشاطها واستنفاد طرق الطعن بقرار التعليق.

من جهته، يؤكد الناشط الحقوقي ورئيس "المرصد التونسي لحقوق الإنسان" مصطفى عبد الكبير أن أغلب الجمعيات الوطنية في تونس تنشط في الإطار القانوني وتلتزم به، معتبراً أن "التضييق عليها يخلق هوّة واسعة بينها وبين السلطة، وهو أمر سلبي"، ويقول لـ"العربي الجديد"، إن المنظمات المدنية في تونس كانت عبر التاريخ سنداً للحراك الاجتماعي، وشاركت بشكل فاعل في أغلب المحطات السياسية والاجتماعية في البلاد.

وعن ارتباط القرار بدعم الجمعيات للحراك البيئي ضد تلوث المجمع الكيميائي في ولاية قابس، جنوب شرقي البلاد، يلفت عبد الكبير إلى أن "الدور الأساسي للمجتمع المدني هو إسناد هذه الحركات المواطنية العادلة، وسبق أن ساند المجتمع المدني والاتحاد العام التونسي للشغل الحراك البيئي في ولاية قفصة، جنوب غربي البلاد، عام 2008. ويتابع: "رغم كل التضييقات الأمنية التي فرضها حينها نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، إلا أن المجتمع المدني اصطفّ إلى جانب الحراك الشعبي المطالب بمكافحة التلوث الناجم عن صناعة الفوسفات، وتحسين ظروف عيش المواطنين".

ويرى عبد الكبير أن ردم الهوة بين المجتمع المدني والسلطة القائمة مطلب عاجل من أجل تحسين المناخات الاجتماعية وإيجاد حلول للأزمات الاجتماعية، ولا سيما أزمة التلوث في قابس. ويضيف: "مَن يقود الحراك البيئي في قابس هم قيادات شبابية من المجتمع المدني سبق أن تدربت على العمل الجمعياتي والحقوق الأساسية بالعيش الكريم، ولا يجوز اتهام هؤلاء الشباب أو وصمهم".

الصورة
من احتجاج حقوقي سابق، تونس، 2 مايو 2024 (ياسين قايدي/ الأناضول)
من احتجاج حقوقي سابق، تونس، 2 مايو 2024 (ياسين قايدي/ الأناضول)

وفي الأشهر الأخيرة، هاجم الرئيس التونسي قيس سعيد منظمات المجتمع المدني بشكل متكرر، متّهماً إيّاها بتلقي تمويلات ضخمة من الخارج، والعمل بوصفها واجهات استخبارية لأطراف تسعى إلى التدخل في شؤون تونس. لكن منظمات المجتمع المدني تؤكد أن أنشطتها وتمويلاتها "قانونية" تخضع لرقابة مستمرة من الحكومة، وتعتبر أن هذه الخطوة تأتي بهدف إضعاف المجتمع المدني واحتكار السلطة. كما تشتكي منظمات بارزة، من بينها منظمة "أنا يقظ" التي تنشط في مكافحة الفساد، من قيود متزايدة تشمل تجميد حساباتها البنكية، بدعوى تلقي تمويلات خارجية.

ووفق مصادر إعلامية محلية، تجري السلطات التونسية تحقيقات في تمويلات بعض الجمعيات، ما قد يؤدي إلى حلّ بعضها أو تجميد أنشطتها، وجرى بالفعل حلّ 47 جمعية وتجميد أرصدة 36 أخرى، بناءً على تحقيقات في مصادر التمويل. مع العلم أن العدد الإجمالي للجمعيات المسجلة في السجل الوطني للجمعيات بلغ 25.238 جمعية، بحسب بيانات "مركز إفادة للجمعيات" المكلف برصد واقع النشاط الجمعياتي وجمع المعطيات والمعلومات والمنشورات المتعلقة بها وتوثيقها وإرساء بنك معلومات بهذا الشأن.

وتُظهر البيانات ذاتها لغاية 24 سبتمبر/ أيلول 2025، أن 5.108 جمعيات تنشط في ولاية تونس التي تحتكر العدد الأكبر من الجمعيات، كما تُعد الجمعيات الثقافية الأكثر عدداً بواقع 5.098 جمعية، بينما لا يتجاوز عدد الجمعيات الحقوقية 428 جمعية.

ذات صلة

الصورة
مسيرة حاشدة في تونس (العربي الجديد)

سياسة

جابت مسيرة شعبية حاشدة شوارع تونس العاصمة بمشاركة قوى سياسية ومدنية وشبابية لأول مرة منذ انطلاق الاحتجاجات المنددة بقمع الحريات والاستبداد
الصورة
الشابي خلال مسيرة تضامن مع معتقلين في تونس، 9 إبريل 2023 (فتحي بلعيد/ فرانس برس)

سياسة

أثار اعتقال رئيس جبهة الخلاص الوطني التونسية المعارضة أحمد نجيب الشابي (81 عاماً) من منزله عدة ردود في تونس وموجة تضامن واسعة وغير مسبوقة
الصورة
تظاهرة في تونس ضد الظلم وقمع الحريات 22 نوفمبر 2025 (العربي الجديد)

سياسة

احتشد مئات التونسيين، مساء اليوم السبت، في مسيرة موحدة تضم جميع المكونات والانتماءات والفاعلين والنشطاء ضد الظلم وقمع الحريات.