تزوير الأرقام الوطنية يعطل أحكام القضاء في ليبيا

07 يناير 2026   |  آخر تحديث: 16:24 (توقيت القدس)
تكررت جرائم تزوير الوثائق الوطنية، طرابلس، سبتمبر 2024 (محمود تركية/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- كشفت النيابة العامة في ليبيا عن استخدام تزوير الأرقام الوطنية للتهرب من تنفيذ أحكام قضائية، بما في ذلك أحكام بالإعدام، مما يعكس الفساد في مؤسسات الدولة. تورط موظف في السجل المدني بمدينة هون في تزوير رقم وطني لمواطن مدان بجريمة قتل عمد، مما أدى إلى رفع دعوى جنائية ضده.

- التحقيقات أظهرت حالات متعددة من تزوير الأرقام الوطنية، حيث استُغلت بيانات أشخاص متوفين لمنح أرقام لأجانب. النيابة بدأت حملة ضد الموظفين المتورطين، وتم حبس عدد منهم في مدن مختلفة.

- المحامي إبراهيم الناجح أكد أن تزوير الأرقام الوطنية يقوض العدالة ويدعو لإعادة النظر في القيود المعدلة، محذراً من فقدان الثقة في النظام القضائي وتهديد الأمن الاجتماعي.

أكدت النيابة العامة في ليبيا، استخدام تزوير الأرقام الوطنية للتهرب من تنفيذ أحكام قضائية نهائية، من بينها أحكام بالإعدام، في واحد من أخطر أوجه جرائم التزوير، ما يؤشر إلى حجم الفوضى والفساد اللذين ينخران مؤسسات الدولة منذ أكثر من عقد.
وأكدت تحقيقات النيابة العامة تورط موظف بمكتب السجل المدني في مدينة هون (وسط جنوب) في تزوير رقم وطني لصالح مواطن مدان بارتكاب جريمة قتل عمد، وأوضحت أن المحكوم عليه فر في سنة 2011 من مؤسسة الإصلاح والتأهيل التي كان نزيلاً بها انتظاراً لتنفيذ الإعدام، مستغلاً حالة الانفلات الأمني التي شهدتها البلاد.
وتابعت النيابة في بيان، أن المدان تمكن خلال عام 2012، وبمساعدة موظف السجل المدني، من استخراج رقم وطني جديد حافظ فيه على اسمه واسم أبيه وجده، مع تغيير لقبه المثبت في الملف الجنائي، إلى جانب إنشاء ورقة عائلية مستقلة عن ورقة والده، في محاولة محسوبة لقطع الصلة بين هويته الجديدة والحكم القضائي الصادر بحقه. وأكدت النيابة أنها توصلت إلى دلائل جدية على ارتكاب جريمة التزوير، انتهت إلى رفع الدعوى الجنائية ضد الموظف المتورط، مع إصدار أوامر بالبحث عن المحكوم عليه، وضبطه تمهيداً لتنفيذ الحكم.
لم تكن هذه الواقعة الوحيدة التي ارتبط فيها ملف تزوير الأرقام الوطنية بقضايا جنائية، فخلال تحقيقات النيابة العامة تم الكشف عن اتفاق بين شخص أجنبي ومواطن ليبي على استغلال بيانات نجل الأخير المتوفى منذ عام 2001، في ظل عدم الإبلاغ رسمياً عن الوفاة، وأن الاتفاق تم في عام 2012، مقابل مبلغ مالي، ما مكن الأجنبي من استخدام اسم المتوفى وبيانات ورقته العائلية.
وفتحت النيابة العامة ملف تزوير الأرقام الوطنية في مطلع الشهر الماضي، حين أعلن المحامي العام أن عدد الأرقام الوطنية المشتبه في تزويرها يبلغ 34 ألف قيد، وعلى إثر ذلك شرعت النيابة في حملة واسعة استهدفت الموظفين المتورطين في جرائم التزوير.
في سبها، حُبس موظف بالسجل المدني بعد ضبطه متلبساً بحيازة مستندات رسمية مختومة استُخدمت في تزوير قيود عائلية، وشهدت العاصمة طرابلس حبس موظف بالسجل المدني وآخر بالشؤون المحلية في تاجوراء لتلاعبهما ببيانات 16 قيد عائلي مكنت 45 أجنبياً من الحصول على أرقام وطنية، وفي سرت، كشفت التحقيقات عن جريمة تزوير أتاحت حصول 93 أجنبياً و42 أجنبية على أرقام وطنية. وفي مصراتة، حبس موظف لتسهيله حصول 24 أجنبياً على الرقم الوطني، وحكم بالسجن ثلاث سنوات على موظف بمكتب المعمورة مكن أجنبياً من استخراج 13 رقماً وطنياً.

تزوير الوثائق الوطنية يهدد العدالة، طرابلس، أغسطس 2021 (ندى حارب/Getty)
تزوير الوثائق الوطنية يهدد العدالة، طرابلس، أغسطس 2021 (ندى حارب/Getty)

وفي مطلع الشهر الحالي، أعلنت النيابة العامة عن اكتشاف منح 225 أجنبياً من حاملي جنسية مالي أرقاماً وطنية في منطقتي هون وسوكنة، ضمن تحقيقات موسعة لا تزال مستمرة لكشف تداعيات العبث ببيانات المواطنة.
ويؤكد المحامي إبراهيم الناجح أن "خطورة هذه القضايا لا تتوقف عند حجم الأرقام ووقائع التزوير، ففي طبيعة الاستخدام الإجرامي للرقم الوطني ينكشف مستوى لا يقل خطورة، يتمثل في تحول بيانات الهوية إلى أداة لتعطيل تنفيذ الأحكام القضائية. واقعة تمكين محكوم عليه بالإعدام من إنشاء هوية قانونية جديدة تمثل جريمة مركبة تلغي الأثر التنفيذي لحكم قضائي نهائي، إضافة إلى تزوير مستند إداري، والجريمة هنا تتجاوز الاعتداء على بيانات الهوية إلى مستوى تقويض وظيفة العدالة".

الجريمة والعقاب
التحديثات الحية

ويشدد الناجح لـ"العربي الجديد"، على ضرورة إعادة النظر في آلاف القيود التي جرى تعديلها أو فصلها أو إعادة تسجيلها خلال السنوات الماضية، موضحاً أن "تغيير اللقب أو إنشاء ورقة عائلية مستقلة كفيل بقطع أي ربط آلي بين السجل الجنائي والرقم الوطني، ما يسمح لمجرمين بالاندماج في المجتمع، والتنقل، والعمل، والاستفادة من الخدمات العامة من دون أن ترصد خلفياتهم الجنائية".
ويرى أن ما كشفت عنه النيابة العامة "مرشح لأن يقود إلى اكتشاف حالات مماثلة، وربما تكون أخطر، لأن تزوير الأرقام الوطنية قد يكون غطاء لمطلوبين، ربما حتى في جرائم الإرهاب، فيتحرك المطلوب أمام أنظار الأجهزة الأمنية من دون أن تتعرف إليه. على المستوى الاجتماعي، فإن استمرار جريمة التزوير قد يترك آثاراً طويلة الأمد، وقد يؤدي إلى نسف ثقة المواطنين في جدوى اللجوء إلى القضاء، ويشعر معه الضحايا وذويهم بأن العدالة قابلة للالتفاف، ويمكن تصور القلق المجتمعي حين يصبح من الممكن أن يعيش الجاني بين الناس بهوية مزيفة، بل ويتمتع بحقوق المواطنة ومنافعها، في حين يحرم أصحاب الحقوق الحقيقيون من الإنصاف".