- يشير الخبراء إلى أن كثرة المواد لا تعني زيادة المعرفة، بل قد تؤدي إلى تشتت التلاميذ وإرهاقهم، مما يدفع الأسر للدروس الخصوصية. يوصون باستراتيجية تعليمية تراعي قدرات التلاميذ لتجنب الحشو المعرفي.
- يقترح المختصون تقليص المواد والتركيز على الأساسيات، مع تعزيز الأنشطة الترفيهية والرياضية، وتهيئة المؤسسات التعليمية لتلبية احتياجات التلاميذ وتحفيز المعلمين.
عاد ما يزيد على 12 مليون تلميذ جزائري إلى المدارس قبل شهرين، وسط وعود بتخفيف المحفظة المدرسية المثقلة بالكتب والكراريس، لكن لاتزال المواد الدراسية المفروضة تُشكّل عبئاً كبيراً على التلاميذ، إذ يبلغ عدد المواد في السنة الرابعة الابتدائية مثلاً 12 مادة.
ويثير هذا العدد الكبير من المواد الدراسية جدلاً واسعاً في قطاع التعليم الجزائري، كما يزيد من قلق أولياء التلاميذ، والذي يرى كثيرون منهم أنه لا يتناسب مع سنّ التلاميذ، ولا يراعي قدراتهم النفسية والعقلية، فضلاً عن الأعباء الإضافية التي يُلقيها على كاهل الأسر.
وفي بداية الموسم الدراسي الحالي، قررت وزارة التربية الجزائرية حذف مادتي الجغرافيا والتربية المدنية من المقرر الدراسي للصف الثالث الابتدائي، فضلاً عن إعادة هيكلة المواقيت لتدعيم حصص اللغة العربية بـ15 دقيقة إضافية، لتصبح سبع ساعات وثلاثين دقيقة أسبوعياً.
ولا تعني كثرة عدد المواد الدراسية بالضرورة وفرة معرفية، بل قد تؤدي إلى تشتت جهود التلاميذ بين مواد عديدة، وقد لا يتمكنون من استيعابها. تقول إيناس القريوي، وهي أم لثلاثة تلاميذ أحدهم في الصف الرابع الابتدائي وآخر في الصف الثاني المتوسط: "كثرة المواد الدراسية لم تعد ترهق أبناءنا فقط، بل تؤدي أيضاً إلى مزيد من الحشو المعرفي الذي يُثقل يومهم الدراسي، كما تضاعف كثرة المواد العبء على الوالدين باعتبارهما المسؤولين عن متابعة تعلّم أبنائهما، وغالباً ما يدفع هذا الأسر إلى اللجوء للدروس الخصوصية بحثاً عن دعم إضافي، ما يزيد من الإرهاق المادي".
ومع استعراض نوعية المواد التي يدرسها تلاميذ المرحلة الابتدائية، يتضح أن المسألة تبدو عملية تجريب لمدى الفعالية والجدوى، من دون أن يكون لها أثر فعلي على قدرات استيعاب التلميذ، خاصة في الصفوف الأولى، ما يعزز الحاجة إلى استراتيجية حكومية جديدة.
وتقول الأستاذة في جامعة الجزائر، كريمة بلعابد لـ"العربي الجديد"، إنّ "سنّ التلميذ الصغير تجعل قدراته محدودة على تحمل الحشو المعرفي الزائد، أو استيعاب مجالات معرفية متعددة، فالتلميذ في هذه المرحلة العمرية يبدأ تشكيل معرفته عن العالم خارج نطاق أسرته، متنقلاً من المنزل إلى الشارع، فالحي، ما يتطلّب جُهداً عقلياً ونفسياً وجسدياً كبيراً".
ويؤكد مختصون في علم النّفس التربوي أن التلاميذ لا يمكن تحويلهم إلى وعاء يجري تعبئته بالمعلومات بطريقة الحشو، وأنه في السنّ المبكرة يكون التلميذ في طور بناء الملَكات، واكتساب المهارات، ولا يحتاج إلى التّكدس المعرفي، بينما كثرة المواد الدراسيّة تحمل في طياتها آثاراً سلبية على صحة التلميذ، إذ تشتُّت ذهنه وتنهكه، وتجعل المدرسة مكانا مرفُوضاً، ويفرض هذا المبادرة باجراء مراجعة للنظام التعليمي، وجعله يعتمد على استراتيجيات واضحة تضع في الحُسبان تحديث المناهج والطرق التعليمية في ظلّ التطور التكنولوجي الذي يُهدّد المدرسة عموماً، ويفرغها من محتوى وجودها.
ويقترح مختصون تقليص المواد التعليمية، خاصة بالنسبة للسنوات الدراسية الأولى، والاقتصار على المواد الأساسية، كاللغة العربية، ومادة الأخلاق المستخلصة، والحساب، ومادة اجتماعية، في مقابل التركيز على تنمية مهارات المتعلِّم، مع إعادة النظر في عملية الامتحانات، والتركيز على التقويم التكويني، أي مكافأة التلاميذ على معارفهم، وتحريرهم من عقدة الامتحان وسلم النقاط، على أن يخصص باقي الوقت لتنمية المهارات الجسدية والسلوكيات، وفسحة كبرى للعب، لتمكين الطفل من معرفة الفضاء الجديد، وبناء علاقات مع الآخرين، واكتشاف مواهبه، خاصة في ظل تطور استعمال الوسائط التكنولوجية.
ويقدر الباحث الجزائري في قضايا التنشئة، حاج مهدي، أن هناك تطلعاً لتحفيز التلاميذ على الانضمام إلى النوادي الترفيهية والرياضية وأنشطة المسرح والرسم والموسيقى، مضيفاً لـ"العربي الجديد": "ينبغي أن تنسجم تلك الأنشطة مع المعطيات التي فرضتها الثورة التكنولوجية، إضافة إلى أهمية تهيئة المؤسسة التربوية كي تحقق حاجيات المتعلّم، فضلاً عن تحفيز المعلّمين لتحسين الأداء، لجعل العملية التربوية متكاملة، أخذاً بعين الاعتبار أن المعلم لم يعد المصدر الوحيد للمعلومات التي يحصل عليها التلميذ في ظل تعدد مصادر المعلومات والوسائل والوسائط التكنولوجية، خاصة وأن التلاميذ ليسوا في منآى عن هذه الوسائط التي لا علاقة لها في الأغلب بواقعهم المعاش".