تحقيقات رسمية لتفكيك عقود من الفساد في الجامعات السورية
استمع إلى الملخص
- تعاني الطالبة لبانة صالح من فساد في كلية الإعلام، حيث عُرض عليها شراء أسئلة الامتحان. بدأت لجان التحقيق في تفكيك شبكة الفساد التي تشمل كوادر تدريسية.
- يمتد الفساد إلى الجامعات السورية، حيث يواجه الطلاب ضغوطاً لدفع رشاوى للنجاح. استقال عميد المعهد العالي لبحوث الليزر في أغسطس 2020 بسبب الفساد والضغوط.
كشفت لجنة سورية لتسيير أعمال الهيئة التدريسية بكليات جامعة دمشق، عن وجود عدد من حالات الفساد، وكلّفت عدداً من الأكاديميين بمتابعة هذه الحالات، وتقصّي المعلومات وجمع الأدلة الخاصة بالشكاوى الواردة من المدرسين والإداريين والطلاب، والتحقيق مع الأشخاص الذين تشملهم الشكاوى، وتقديم تقارير في شأن التحقيقات.
وكلفت اللجنة الأكاديمي مؤيد زيدان بمتابعة تحقيقات الفساد في كليات الإعلام والحقوق والاقتصاد والعلوم السياسية، كما كلّفت نائب عميد كلية الطب للشؤون الإدارية، يوسف لطيفة، بمتابعة حالات الفساد في كلية الطب، والأكاديمي المعتصم بالله زيتون لمتابعة حالات الفساد في كلية الصيدلة.
تدرس الطالبة لبانة صالح في السنة الرابعة بكلية الإعلام، وعاشت تجربة فساد واضحة في إحدى المواد، وهي تتخوّف حالياً من حرمانها المصادقة على التخرّج، رغم أن جميع الطلاب كانوا شهوداً على الفساد في الكلية.
وتوضح صالح لـ"العربي الجديد": "واجهت مشكلة في مادة الأفلام الوثائقية، فالنجاح فيها صعب خلال دورة الامتحانات العادية، لذا أرجأت تقديم الامتحان إلى الدورة التكميلية. خلال هذه الفترة أبلغني رئيس أحد الأقسام أنه يمكنني الحصول على الأسئلة مقابل 500 ألف ليرة (50 دولاراً). كان العرض مغرياً، لكن شقيقي نصحني بعدم قبوله، ثم فوجئت بأن 10 طلاب دفعوا المبلغ وحصلوا على الأسئلة عشية الامتحان، وأخذ الدكتور حصة من الشخص الذي نسّق تسريب الأسئلة".
وتشير التقارير الواردة من الجامعة إلى أن لجان التحقيق بدأت عملها في تفكيك شبكة الفساد، ومن بين أفرادها كوادر تدريس، مع تلقي كثير من الشكاوى التي تتهم المدرسين والكوادر بتلقي رشاوى، واستغلال الطلاب، والتورط في عمليات تزوير لصالح أبناء مسؤولين في النظام السابق.
من بين عمليات الفساد التي رصدها "العربي الجديد"، نقل محمد وائل الحلقي، ابن رئيس حكومة النظام السابق، في عام 2012 من كلية الطب في حلب إلى الكلية ذاتها في جامعة دمشق، وأيضاً نقل ابنته نغم الحلقي من جامعة سورية خاصة إلى كلية الطب البشري بجامعة دمشق الحكومية، وذلك بإشراف رئيس الجامعة عامر مارديني، والذي عُيّن في وقت لاحق وزيراً للتعليم العالي في حكومة وائل الحلقي.
وفي الخصوص، يؤكد المدرس الجامعي أسامة عبد الهادي لـ"العربي الجديد"، أنه "لا يجوز نقل الطلاب من الجامعات الخاصة إلى الجامعات الحكومية، وفق نص اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات الصادرة في عام 2006، وما حصل هو انتهاك واضح للقانون، أما نقل الطالب من كلية في حلب إلى كلية في دمشق في ذات التخصص، فهو جائز قانوناً، لكن يترتب عليه مراعاة المواد الجامعية المقررة. الكثير من الوثائق سربت حول ملفات الفساد الجامعي بعد سقوط النظام، ومن بينها وثيقة خاصة بأبناء رئيس الحكومة وائل الحلقي، ووثائق لأبناء ضباط متنفذين في جيش نظام الأسد".
ولا يقتصر الفساد على جامعة دمشق، بل يمتد إلى جميع الجامعات السورية. يقول محمد نور الأحمد، وهو أحد طلاب جامعة الفرات في محافظة الحسكة، لـ"العربي الجديد"، إن "الوضع في الجامعة لا يختلف عن الحال في بقية جامعات سورية على صعيد استشراء الفساد، والذي تزايد بشكل كبير بعد عام 2011، ومن ذلك بيع العديد من الأساتذة الأسئلة بأرقام باهظة عبر وكلاء وسماسرة وموظفين في قسم الامتحانات، وقد كان بعضهم يتعمد ترسيب أي طالب لا يدفع، كما أن العديد من الطلاب توقف تخرجهم على مادة أو مادتين لهذا السبب، ما أجبرهم على البحث عن وسيط أو سمسار للتواصل مع الدكتور، وهذا ما حصل معي في السنة الأخيرة بكلية الحقوق، إذ لم أنجح إلا بعد أن دفعت لسمسار تواصل مع دكتور المادة".
وتقول الطالبة في كلية طب الأسنان بجامعة حمص، ناديا محسن، لـ"العربي الجديد": "المطلوب من الحكومة الحالية كثير، ولا يمكن أن يقتصر على تغيير اسم الجامعة، بل إنهاء تفكير حزب البعث لدى الكوادر التدريسية. نعاني في موضوع العلامات، وحين نسأل المشرفين يردون علينا اسألوا دكتور المادة، والذي يقول لنا إنه غير معني بالموضوع، ولا يجري تقدير جهود الطلاب الذين يواجهون الكثير من الظروف والمتاعب خلال الفصل الدراسي، في حين لا تبذل الكوادر التدريسية أي جهد. يقلل الدكاترة علاماتنا في شكل مقصود تنفيذاً لعرف تكسير العلامات الذي نريد أن ننهيه".
ويخبر الطالب في كلية الهندسة بجامعة حمص، خضر العلي، "العربي الجديد" أن "الكثير من الطلاب مجبرون على دفع رشاوى للنجاح، وقد دفعت نحو 70 دولاراً للنجاح في مادة كان يتوقف تخرجي عليها خلال دراستي هندسة التحكم الآلي. يتعمّد مدرسون ترسيب الطلاب كي ينفد صبرهم، ولا يجدون إلا الرضوخ لمطالب الدكتور، وطبعاً الشكوى على الدكتور تهدر حياتي الجامعية كلها".
بدوره، يوضح الطالب عباس محمد إبراهيم، وهو منقطع عن كلية الرياضيات في جامعة حمص، لـ"العربي الجديد"، أن "الظروف أجبرتني على دفع مبلغ يعادل 100 دولار أميركي للخلاص من مادة الثقافة، فمدرس المادة معروف بأنه يتلقى الرشوة لقاء نجاح الطلاب. كنت أسعى للحصول على العلامة الكاملة في المادة كوني دفعت مبلغاً مالياً كبيراً، لكني حصلت فقط على 63 درجة من أصل 100".
وفي أغسطس/ آب 2020، نشر عميد المعهد العالي لبحوث الليزر في جامعة دمشق، يوسف سلمان، نص استقالته من منصبه بسبب الفساد والضغوط التي تعرض لها، وكتب في نص استقالته الذي نشره على موقع "فيسبوك"، أنه اضطر إلى ذلك بعدما تعرّض لضغوط من جهات إدارية ولجان الرقابة الوصائية من أجل الموافقة على إعطاء مرتبة الشرف لطلاب لا يستحقونها، وتغطية أساتذة تورطوا في سرقات وهدرٍ للمال العام.