تحذير حقوقي من تجاهل القمع المنهجي في القمة الأوروبية المصرية الأولى

22 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 16:33 (توقيت القدس)
السيسي في لقاء على هامش القمة الأوروبية المصرية، بروكسل، 22 أكتوبر 2025 (إكس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- دعت منظمات حقوقية إلى الاعتراف بأهمية حقوق الإنسان في القمة الأوروبية المصرية لتحقيق الاستقرار والازدهار، وسط استمرار القمع في مصر رغم "الشراكة الاستراتيجية" الجديدة.
- رغم الإفراج عن الناشط علاء عبد الفتاح، يستمر القمع في مصر مع احتجاز المعارضين تعسفياً وجرائم الاختفاء القسري، مما يثير مخاوف حقوقية.
- طالبت المنظمات قادة الاتحاد الأوروبي بالضغط على مصر لإصلاحات تحمي حقوق الإنسان، وفتح المجال العام، رغم توقيع مذكرات تفاهم مالية لم تُترجم لاحترام الديمقراطية.

في وقت تُعقَد القمة الأوروبية المصرية الأولى من نوعها، التي تجمع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين

ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم الأربعاء في بروكسل، وجّهت مجموعة من المنظمات الحقوقية الدولية والمصرية نداءً مشتركاً إلى الزعماء الأوروبيين وكذلك إلى الرئيس المصري دعتهم فيه إلى الاعتراف بالمكانة المركزية لحقوق الإنسان لجهة تحقيق أهداف القمة المعلنة المتعلقة بـ"الاستقرار والازدهار المشتركَين" بين الجانبَين.

ويأتي هذا التحذير الحقوقي في ضوء استمرار سياسات القمع المنهجي وتنامي انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في مصر، على الرغم من الإعلان عن "الشراكة الاستراتيجية والشاملة الجديدة" بين الجانبَين في مارس/ آذار 2024. وأوضحت المنظمات، في بيانها المشترك، أنّ السلطات المصرية تواصل منذ ذلك الإعلان سياسات القمع المنهجي وعدم التسامح مع المعارضة السلمية، إلى جانب تنامي انتهاكات حقوق المصريين الاقتصادية والاجتماعية من دون أيّ تصحيح جدّي للمسار.

في هذا الإطار، قال نائب مدير قسم الاتحاد الأوروبي في منظمة "هيومن رايتس ووتش" كلاوديو فرانكافيلا: "لا ينبغي أن تتجاهل قيادات الاتحاد الأوروبي انتهاكات حقوق الإنسان المتواصلة بحقّ الشعب المصري تحت حكم السيسي"، مضيفاً أنّ "على أوروبا أن تستغلّ نفوذها لضمان إصلاحات حقيقية طال انتظارها، وأن تكون الحكومة المصرية مسؤولة أمام شعبها، ومُلزَمة باحترام حقوقه والوفاء بذلك".

وعلى الرغم من اتخاذ السلطات المصرية أخيراً إجراءات محدودة ذات طابع رمزي، مثل الإفراج عن الناشط المصري البريطاني علاء عبد الفتاح بعد ستّة أعوام من السجن الجائر بسبب نشاطه السلمي، وإحالة مشروع قانون الإجراءات الجنائية مرّة أخرى على البرلمان لمراجعة محدودة لم تسفر عن تعديلات تضمن توافقه مع المعايير الدولية، فإنّ هذه السلطات تواصل في الوقت نفسه احتجاز المعارضين تعسفاً، وإصدار أحكام قاسية بحقهم بعد محاكمات غير عادلة. ففي عام 2025 وحده، أحالت السلطات في مصر نحو ستّة آلاف شخص إلى المحاكمة بتهم تتعلّق بالإرهاب، علماً أنّ هذه الإحالات بمعظمها أتت على خلفية ممارسة حقوقهم الأساسية.

إلى جانب ذلك، تتواصل في مصر جرائم الاختفاء القسري والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون على يد قوات الأمن، وسط إفلات شبه تام من العقاب. وعبّرت المنظمات الحقوقية، في بيانها المشترك، عن مخاوف جدية بعد تقارير حقوقية تشير إلى مقابر جماعية في منطقة عسكرية في شمال سيناء، من دون أيّ تحقيق رسمي حتى الآن.

ولفتت المنظمات المذكورة إلى تصاعد ممارسات القمع العابر للحدود التي تنتهجها السلطات في مصر أخيراً، بما في ذلك قمع البعثات الدبلوماسية للمتظاهرين السلميين في عدد من دول الاتحاد الأوروبي. بالإضافة إلى ذلك، تواصل قوات الأمن المصرية، التي تستفيد من تمويل من الاتحاد الأوروبي، احتجاز لاجئين وطالبي لجوء تعسفاً، مع إعادتهم قسراً من حيث أتوا لمجرّد تعثّر أوضاعهم القانونية.

وفي ما يخصّ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في مصر أخيراً، بيّنت المنظمات الحقوقية أنّه على الرغم من تلقّي الحكومة المصرية وعوداً بتمويلات تتجاوز 50 مليار دولار أميركي من المانحين الدوليين والمقرضين والمستثمرين في عامَي 2024 و2025، صُرف معظمها بالفعل، فإن الحكومة ما زالت ترفض إعطاء الأولوية للوفاء بالتزاماتها الدستورية بشأن الإنفاق على الخدمات العامة الأساسية كالصحة والتعليم. وبينما تتفاقم أعباء المعيشة على عشرات الملايين من سكان مصر تحت خط الفقر أو على مقربة منه، تواصل الحكومة تطبيق تدابير تقشفية، في ظلّ ضعف شبكات الحماية الاجتماعية في البلاد، الأمر الذي يترك ملايين الأشخاص من دون الدعم المطلوب.

في السياق نفسه، قال نائب مدير "معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط" تيموثي كالداس إنّه "رغم التحديات الهائلة التي تواجه مصر، فإنّ الوعي والقدرات الكامنة لدى الشعب المصري أكبر بكثير". أضاف: "إذا امتنعت السلطات في مصر عن القمع، واحترمت حق المواطنين في مناقشة احتياجاتهم وأوضاعهم بحرية ونقد، فإنّها قادرة تماماً على الوقوف على الحلول المطلوبة والمضيّ نحو مستقبل واعد يعالج عقوداً من الأزمات والفقر والهجرة القسرية".

ودعت المنظمات الحقوقية قادة الاتحاد الأوروبي إلى استغلال فرصة "الشراكة الاستراتيجية" مع مصر للدفع من أجل إصلاحات هيكلية ضرورية، من شأنها حماية واحترام وإعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية للشعب المصري. وتشمل هذه الإصلاحات التصدّي لانتهاكات حقوق الإنسان واسعة النطاق، وللفساد، وانعدام الشفافية، وغياب الرقابة المحلية على سياسات الحكومة، وهي عوامل تعوّق أيّ إصلاح اقتصادي حقيقي أو مساءلة فعّالة.

من جهتها، قالت مديرة "المنبر المصري لحقوق الإنسان" سمر الحسيني إنّ "مصر لا تحتمل الانتظار عامَين آخرَين، حتى القمة المقبلة، للبدء بالإصلاحات، على أمل تفادي دورة جديدة من الأزمات الاقتصادية والمالية، ومخاطر الاضطرابات الناجمة عن القمع المستمرّ والمعاناة". ورأت الحسيني كذلك أنّه "يجب على حلفاء مصر مطالبة السيسي بإفساح المجال لمناقشة سياسات الدولة، وفتح المجال العام من خلال رفع القيود المفروضة على الإعلام والمجتمع المدني وحرية التعبير والأحزاب السياسية، ووضع حدّ للاعتقالات التعسفية، وسرعة الإفراج عن السجناء السياسيين على أساس معايير حقوق الإنسان".

تجدر الإشارة إلى أنّ مصر وقّعت، في 29 يونيو/ حزيران 2024، مذكّرة تفاهم مع الاتحاد الأوروبي بشأن تقديم دعم مالي بقيمة مليار يورو (نحو مليار و159 مليون دولار)، على الرغم من فشل السلطات المصرية في اتخاذ "خطوات ملموسة وذات مصداقية نحو احترام الآليات الديمقراطية الفاعلة، بما في ذلك نظام برلماني متعدد الأحزاب، وسيادة القانون، وضمان احترام حقوق الإنسان"، وهي شروط كان الاتحاد الأوروبي قد حدّدها متطلبات أساسية لصرف قيمة الدعم. وعلى الرغم من ذلك، تلقّت مصر هذه الأموال في نهاية عام 2024. وفي يونيو 2025، وافق مجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي على عملية دعم مالي جديدة لمصر بقيمة أربعة مليارات يورو (نحو أربعة مليارات و634 مليون دولار)، تلتها مفاوضات بشأن مذكرة تفاهم جديدة، يُقال إنّها اكتملت في أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.

والمنظمات الموقعة على البيان الموجّه إلى القمة الأوروبية المصرية بالعاصمة البلجيكية هي مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ومؤسسة عنخ، ولجنة حماية الصحافيين، والمنبر المصري لحقوق الإنسان، والجبهة المصرية لحقوق الإنسان، وإيجيبت وايد لحقوق الإنسان، والشبكة الأورو-متوسطية لحقوق الإنسان، وهيومن رايتس ووتش، ومؤسسة دعم القانون والديمقراطية، ومنصة اللاجئين في مصر، ومعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط.

المساهمون