استمع إلى الملخص
- تعاني النساء من تمييز في سوق العمل بسبب سياسات إجازات الأمومة، مما يجعلهن يترددن في الزواج والإنجاب خوفاً من فقدان وظائفهن، مما يساهم في انخفاض معدلات المواليد.
- معدلات الخصوبة لا تزال منخفضة بسبب تأثير سياسة الطفل الواحد السابقة، مما يتطلب سياسات جديدة تتماشى مع متطلبات الحياة العصرية.
مع تراجع معدلات المواليد الجدد عاماً بعد آخر، تقدم السلطات الصينية المزيد من الحوافز للشباب بأمل حثهم على الزواج والإنجاب، لكن هذه الإجراءات قوبلت بموجة من الشكوك العامة والسخرية والنقاش
يجلب تمسّك السلطات الصينية بوقف انحدار التعداد السكاني نتائج عكسية وتحديات أخلاقية جديدة للمجتمع، ففي عدد من المقاطعات يحث مسؤولو طلاب الجامعات على التبرع بالحيوانات المنوية للمساعدة في تحفيز النمو السكاني، كما يوسّعون التأمين الطبي لتغطية علاجات العقم، بينها التلقيح الصناعي، ويجرى الإعلان عن مزيد من التعويضات للمتبرعين بالحيوانات المنوية.
واللافت أن العديد من الشبان الذين كانوا في السابق نتاج سياسة الطفل الواحد التي انتهجتها الصين لعدة عقود، يقاومون اليوم الحوافز الجديدة التي تقدمها الحكومة، ويفضلون الانغماس في مشاغل الحياة العملية بعيداً عن مؤسسة الزواج، خصوصاً أن الصين تعتبر من أغلى دول العالم على صعيد تكاليف تربية الطفل. وبالنسبة إلى هؤلاء الشباب لا تعالج الحوافز الحكومية المخاوف والأعباء التي يتحملونها فعلاً في دعم ذويهم المسنين، ودفع تكاليف تعليم أطفالهم الباهظة في حال قرروا الانجاب، إلى جانب نفقات السكن والرعاية الطبية.
وكانت السلطات الصينية فرضت سياسات تحديد النسل (السماح بطفل واحد فقط) في نهاية سبعينات القرن الماضي بالتزامن مع إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح. وحسب تقديرات رسمية، أدت هذه الإجراءات إلى منع ولادة نحو 400 مليون طفل خلال أربعة عقود. وبعدما تراجعت معدلات الولادة بشكل لافت، أوقفت الصين نهاية عام 2015 العمل بهذه السياسة وسمحت للأزواج بإنجاب طفلين. ومع استمرار عزوف الشباب عن الإنجاب سمحت عام 2021 بإنجاب ثلاثة أطفال.
يتحدث لينغ وي، الموظف في شركة هندسية بالعاصمة بكين والأب لطفل وحيد عمره ست سنوات، لـ"العربي الجديد"، عن أنه متحمس لإنجاب طفل ثانٍ، لكن الظروف المحيطة تجعل الأمر صعباً نظراً لارتفاع تكاليف المعيشة في العاصمة وصعوبة إعالة طفلين بالاعتماد على الأم فقط ومن دون الاستعانة بمربية، لأن الزوجة مطالبة أيضاً بالعمل من أجل المساهمة في تغطية المصاريف الشهرية، سواء إيجار المنزل أو رسوم الحضانة والدراسة وشراء الاحتياجات من طعام ولباس وأشياء أخرى. وأشار إلى أن الحوافز الحكومية لا تعتبر عاملاً كافياً لتبديد مخاوف الأزواج. وعلى سبيل المثال، في بعض المدن الكبرى تقدم السلطات مكافآت مادية لكل طفل جديد، لا تتجاوز قيمتها 1200 دولار، وقال إن هذا المبلغ لا يكفي لتغطية راتب المربية الشهري الذي يصل إلى نحو 1500 دولار.
وتوضح شين يان، وهي موظفة في مؤسسة تجارية بمدينة شينزن، لـ"العربي الجديد"، أنها لا تفكر في الزواج رغم أنها بلغت 32 عاماً، كي لا تخسر وظيفتها. وتقول: "معظم الشركات الصينية تفضل توظيف عازبات لأن السياسات الحكومية الجديدة تدفع أرباب العمل لتوفير إجازة أمومة طويلة مدفوعة الأجر للموظفات في حالات الحمل والولادة، وكذلك تقليص ساعات العمل لإتاحة الفرصة لهن من أجل متابعة أعمال الرعاية والتدبير المنزلي. أضافت: "الحكومة تسببت من دون أن تقصد بإثارة التمييز ضد النساء العاملات في المؤسسات والشركات، سواء كن عازبات أو متزوجات، وهذه السياسات خلقت اتجاهاً لدى أصحاب القرار نحو توظيف الذكور وتفضيلهم على الإناث تجنباً لتداعيات مسألة الحمل والولادة".
ويعلّق الباحث في المعهد الصيني للعلوم النفسية والاجتماعية، دا بينغ مو، بالقول لـ"العربي الجديد": "التدابير الحكومية الجديدة الخاصة بالحوافز المادية أو تسهيل بيئة العمل داخل الشركات للموظفين تبدو أكثر شمولاً مقارنة بالسنوات الماضية، لكنها لا تفي بمتطلبات الحياة العصرية، ولا تبدد مخاوف الشباب، لذا سيصعب رفع معدلات الخصوبة خلال فترة قياسية. هناك حاجة إلى وضع سياسات تواكب العصر وتعالج مخاوف الأزواج خاصة بما يتعلق بمسألة الرعاية الاجتماعية في ظل الأعباء المزدوجة الواقعة على عاتقهم، والمتمثلة في رعاية المسنين والأطفال".
ويشير دا بينغ إلى اعتبارات أخرى تبرر عزوف الأزواج عن الإنجاب، ويقول: "في ظل سياسة الطفل الواحد التي استمرت لعقود، ترسخت في أذهان الناس قناعات بأنه من الأفضل أن يكون لديك طفل واحد فقط، وأن عدداً أقل من الأطفال يعني ثروة أسرع، لكن عندما تراجعت معدلات المواليد إلى حدّ غير طبيعي، كان يصعب أن تغيّر السلطات هذه القناعات خلال زمن قصير، ويفسّر ذلك إصرار الشباب على عدم الاستجابة للحوافز الحكومية".
يُشار إلى أن عدد المواليد الجدد في الصين شهد انخفاضاً قياسياً عام 2020 بنسبة 15% مقارنة بالعام السابق، وهو بالتالي أقلّ بكثير من 14 مليوناً مقارنة بالمتوسط السنوي البالغ 16 مليوناً. ووفقاً لتقديرات حكومية يتوقّع أن ينخفض عدد سكان الصين إلى أقلّ من 800 مليون نسمة بحلول عام 2100، علماً أنّ عددهم اليوم يتخطّى ملياراً و400 مليون. كما يتوقع أن يصل عدد الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاماً إلى 300 مليون بحلول عام 2025، بينما حدد المكتب الوطني للإحصاء معدل المواليد الجدد المسجل عام 2021 بـ7.52 لكل ألف شخص، وهو الأدنى منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949.