تجدد معاناة النازحين شمال غربي سورية.. خيام تغرق والحلول غائبة

13 يناير 2026   |  آخر تحديث: 16:06 (توقيت القدس)
الامطار تضاعف معاناة النازحين في مخيمات شمال غرب سورية، 13 يناير 2026 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تتفاقم معاناة النازحين في مخيمات شمال غرب سورية مع كل منخفض جوي، حيث تتحول الأمطار إلى كارثة إنسانية تهدد حياة آلاف العائلات، مما يجبرهم على ترك مخيماتهم واللجوء إلى منازل الأقارب.

- يواجه النازحون في مخيمات مثل "البردقلي" و"الوحلة" ظروفاً قاسية مع غياب مقومات السلامة الأساسية، حيث تجرف السيول الأمتعة وتعرض الأطفال لأمراض تنفسية، وسط وعود مساعدات غير كافية.

- الأزمة في المخيمات نتيجة سنوات من الإهمال وغياب الرؤية المستدامة، مع تراجع التمويل الدولي، مما يستدعي إطلاق مشاريع سكنية وخطط إعادة إعمار لضمان حياة كريمة للنازحين.

تتجدد فصول المعاناة في مخيمات شمال غرب سورية مع كل منخفض جوي، حيث تحولت الهطولات المطرية الحالية إلى كارثة إنسانية إضافية تطارد آلاف العائلات النازحة. فلم تصمد الخيام المتهرئة أمام العواصف، بينما ابتلعت الأرض الموحلة ما تبقى من أمتعة النازحين، وقضى الأطفال لياليهم بين البرد والخوف. ووجدت عشرات العائلات نفسها مجبرة على ترك مخيماتها المغمورة بالمياه، واللجوء مؤقتاً إلى منازل أقارب أو معارف، في مشهد يعكس هشاشة الواقع الإنساني واستمرار الأزمة دون حلول جذرية، حتى بعد سقوط نظام بشار الأسد، الذي كان يُفترض أن يفتح باب الأمل أمام إنهاء معاناة طال أمدها.

في مخيم "البردقلي"، أحد المخيمات العشوائية شمال غربي سورية، حيث تتحول الأمطار الموسمية إلى تهديد مباشر للحياة، تروي رائدة الأحمد، النازحة من ريف إدلب الجنوبي، تفاصيل ليلة قاسية أعادت إليها مشاهد الفقد والتشرد، بعدما غمرت السيول خيمتها وجرفت ما تبقى من مقومات العيش، لتجد نفسها وأسرتها مجدداً أمام واقع النزوح المفتوح، بلا مأوى آمن أو أفق للحل.

الصورة
الامطار تضاعف معاناة النازحين في مخيمات شمال غرب سورية، 13 يناير 2026 (العربي الجديد)

تقول رائدة لـ"العربي الجديد"، إن ساعات قليلة من الهطولات المطرية كانت كفيلة بقلب حياتها رأساً على عقب، بعد أن عجزت الخيمة عن الصمود أمام اندفاع المياه. وتضيف: "دخلت السيول إلى الخيمة بسرعة كبيرة، ولم نتمكن من إنقاذ شيء؛ الفرش، والأغطية، وحتى ثياب أطفالي غرقت في الطين خلال دقائق. حاولنا رفع الأمتعة، لكن الأرض كانت قد تحولت إلى وحل، وكل ما نملكه تبلل وتلف". وتوضح أن الخوف لم يكن فقط على الأمتعة، بل على سلامة أطفالها في تلك الليلة الباردة، قائلة: "كان أطفالي يرتجفون من البرد والرعب، والمطر لم يتوقف. لم نعرف إلى أين نذهب، فبقينا خارج الخيمة نحاول حماية الصغار بأجسادنا، بينما المياه كانت ترتفع من حولنا".

وتشير رائدة إلى أنهم اضطروا، مع اشتداد الأمطار، إلى مغادرة المخيم واللجوء مؤقتاً إلى منزل شقيقتها، متابعة: "خرجنا تحت المطر في منتصف الليل نبحث عن مكان يحمينا.. لم نجد سوى بيت أختي، وهو صغير بالكاد يتسع لأهله، لكنه اليوم يضم عائلتين إضافيتين. ننام متلاصقين، بلا خصوصية، ولا نعرف إلى متى سنبقى هكذا". وتختم حديثها بحسرة: "منذ سنوات ونحن نعيش الخوف ذاته مع كل شتاء.. الوعود كثيرة، لكن الخيام ما زالت هي نفسها، والمساعدات قليلة حتى بعد سقوط النظام. لم يتغير شيء من واقعنا، وما زلنا ننتظر حلاً يخرجنا من هذه الحياة المؤقتة التي طالت أكثر مما نحتمل".

كارثة مكتملة الأركان في مخيم "الوحلة"

أما أحمد الشاليش، وهو أب لخمسة أطفال يقيم في مخيم "الوحلة"، فيصف المشهد بأنه "كارثة مكتملة الأركان"؛ إذ تحول المخيم فعلياً إلى مساحة غارقة بالمياه، دون أي مقومات للسلامة. ويوضح لـ"العربي الجديد" أن الطرقات اختفت بالكامل تحت الوحل، فيما تعطلت شبكات الصرف الصحي البدائية، ما زاد من المخاطر الصحية. ولفت إلى أن البرد كان قاسياً على أطفاله الذين أصيب بعضهم بأمراض تنفسية، "إذ إن غياب الوقود فاقم المعاناة، في وقت لم تشهد فيه المخيمات أي تدخل إسعافي فعلي". ويرى الشاليش أن الوعود التي تُقدّم للنازحين تتكرر مع كل أزمة، لكنها نادراً ما تُترجم إلى مساعدات حقيقية، وغالباً ما تقتصر -إن وصلت- على مواد رمزية لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات.

الصورة
الامطار تضاعف معاناة النازحين في مخيمات شمال غرب سورية، 13 يناير 2026 (العربي الجديد)

ويلفت الشاليش إلى شعور متزايد بالظلم، مطالباً بإجراءات لمحاسبة "الذين تورطوا خلال السنوات الماضية في نهب حديد أسقف المنازل المدمرة ومحتوياتها، وراكموا ثروات على حساب معاناة السكان". ويرى أن مصادرة هذه الأموال المنهوبة وتوجيهها لصالح المتضررين قد تشكل خطوة عملية، بدلاً من الاكتفاء بالمناشدات، مؤكداً أن النازحين "لم يعودوا يطالبون بوعود، بل بحلول ملموسة تعيد لهم جزءاً من حقوقهم المسلوبة".

من جهتها، تشير سارة العدل، وهي شابة نازحة تقيم في مخيم "إيبلا" العشوائي قرب الحدود، إلى أن المعاناة لم تتغير رغم التحولات السياسية. وتقول لـ"العربي الجديد": "كنا نظن أن سقوط النظام سيغير واقعنا، لكن الخيام ما زالت كما هي، والمخيمات تُترك لمصيرها كل شتاء. لا أحد يسأل ماذا نحتاج، ولا متى سنخرج من هذه الدوامة".

حصاد سنوات من الإهمال في مخيمات الشمال

من جانبه، يرى مفيد الحسن، المتطوع في إحدى المنظمات الإنسانية العاملة شمال غربي سورية، أن ما تشهده المخيمات اليوم هو حصيلة مباشرة لسنوات من الإهمال وغياب الرؤية المستدامة. ويوضح لـ"العربي الجديد" أن الاستجابات الإنسانية لا تزال محصورة في التدخلات الطارئة، دون معالجة الأسباب البنيوية، لافتاً إلى أن معظم المخيمات أقيمت عشوائياً بلا بنى تحتية قادرة على تصريف المياه. وشدد الحسن على أن تراجع التمويل الدولي مؤخراً فاقم الكارثة؛ إذ أدى توقف العديد من برامج الدعم إلى تقليص مساعدات المأوى والتدفئة، ما جعل آلاف العائلات مكشوفة أمام التقلبات الجوية، مشيراً إلى أن الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات باتت "واسعة إلى حد خطير".

وفي ما يتعلق بإمكانية عودة النازحين، يرى الحسن أن الحديث عن العودة "ما يزال سابقاً لأوانه" بالنسبة لغالبية العائلات؛ نظراً للدمار الواسع في البنى التحتية للمناطق الأصلية، وغياب الخدمات وفرص العمل. وأضاف أن استمرار معاناة النازحين حتى بعد سقوط النظام يكشف أن الأزمة السورية "ليست سياسية فحسب، بل هي أزمة تنموية وإنسانية عميقة"، مؤكداً أن الحل لا يكمن في الإغاثة المؤقتة، بل في "إطلاق مشاريع سكنية حقيقية وخطط إعادة إعمار تضمن للنازحين حياة كريمة وتضع حداً لسنوات التشرد".

المساهمون