- تجارب شخصية مثل مها حسن وغيداء حاتم وفؤاد المرسومي تظهر تأثير القانون السلبي على الأسر، حيث يواجه الأطفال اضطرابات نفسية بسبب الانتقال القسري، ويؤكد المختصون على ضرورة مراعاة مصلحة الأطفال في التشريعات.
- التعديلات قوبلت بالرفض من قوى سياسية ومنظمات مدنية، معتبرينها تفسيرات دينية غير متناسبة مع التنوع العراقي، وتعزز الطائفية، دون موقف سياسي أو برلماني لمعالجة الإشكاليات.
أفرز تطبيق "المدونة الجعفرية" بقانون الأحوال الشخصية نزاعات أسرية جديدة في العراق، خاصة ما يتعلق بحضانة أطفال الأزواج المنفصلين، الأمر الذي جدد المطالبات بإجراء تعديلات على القانون الذي أقره البرلمان العراقي في يناير/ كانون الثاني 2025.
وينص قانون الأحوال الشخصية على إمكانية تطبيقه بأثر رجعي على عقود الزواج والحضانة التي تمت قبل إقراره عبر تقديم طلب من أحد الطرفين لتطبيق أحكام القانون عليهما أو على أبنائهما القاصرين وفقاً للمذهب الشيعي الجعفري.
وشهدت العاصمة بغداد، السبت الماضي، وقفة احتجاجية جمعت أعضاء منظمات مدنية وناشطين حقوقيين إلى جانب عدد من العائلات المتضررة، وانضم إلى المحتجين عدد من رجال الدين الشيعة، والذين أكدوا أن إلغاء اختيار الطفل البقاء مع أحد الأبوين بعد الانفصال لا ينسجم مع الفقه الجعفري، ما أضفى بعداً جديداً على الجدل القائم.
ورفع المحتجون جملة مطالب أبرزها إلغاء تطبيق القانون بأثر رجعي، وإعادة العمل بالفقرة التي تمنح الطفل حق اختيار، مؤكدين أن استمرار العمل بالنصوص الحالية يهدد الاستقرار النفسي والاجتماعي لآلاف الأطفال، ويعيد إنتاج الخلافات العائلية.
تعيش مها حسن (36 سنة) في بغداد، وهي موظفة حكومية، وعاش أبناؤها معها لأكثر من عقد بعد طلاقها من والدهم، لكنهم باتوا مهددين بالانتقال قسراً إلى كفالة والدهم رغم انقطاع علاقته بهم طوال تلك السنوات. وتقول لـ"العربي الجديد"، إن "الأطفال يرفضون الانتقال إلى منزل والدهم، وابنتي تعاني حالة هلع كلما ذكر موضوع العيش مع أبيها وزوجته".
أما غيداء حاتم (40 سنة)، وهي معلمة، فتؤكد لـ"العربي الجديد"، أن "المشكلة لا تكمن في حق أي من الوالدين، بل في الانتقال المفاجئ للطفل من حياة مستقرة إلى واقع جديد لا يستطيع أن يتكيف معه. الطفل هو الضحية الأكبر للقانون، إذ يجد نفسه طرفاً في نزاع قضائي لا ذنب له فيه".
بدوره، يشير فؤاد المرسومي، وهو والد فتاة مطلقة، إلى أن "القانون تم إقراره وتطبيقه بأثر رجعي، ما أعادنا مجدداً إلى المحاكم بعد سنوات من انتهاء الخلاف"، موضحاً لـ"العربي الجديد": "أطفال ابنتي يعيشون حالة قلق مستمرة خشية صدور قرار قضائي يغير تفاصيل حياتهم، فالاستقرار الذي بنيناه على مدار سنوات انهار بمجرد إعادة تطبيق القانون".
ويرى المختص في الشأن المجتمعي فاضل الجميلي، أن أخطر ما أفرزته التعديلات ليس الجدل القانوني، وإنما آثاره الاجتماعية. ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن "الطفل يحتاج إلى الاستقرار، ولا يهمه الانتصار القانوني لأحد الأبوين. تكرار النزاعات القضائية وما ينتج عنها من انتقال الطفل بين بيئتين يولد اضطرابات نفسية وسلوكية قد تستمر لسنوات، والأسرة العراقية تمر أصلاً بتحولات اجتماعية واقتصادية كبيرة، وأي تشريع يمس العلاقات الأسرية ينبغي أن يراعي قبل كل شيء مصلحة الأطفال، لذا ينبغي فتح حوار مجتمعي وقانوني بشأن تلك الفقرات المثيرة للخلاف".
من جانبه، يؤكد رجل الدين الشيخ هاشم الموسوي، أن التجربة العملية أظهرت مشكلات اجتماعية نتجت عن القانون الجديد لم تكن منظورة في وقت إقراره، مبيناً لـ"العربي الجديد"، أن "عودة نزاعات الحضانة والخلافات التي تجددت بين الأزواج المنفصلين تشكل أزمات لها تأثير سلبي على الأسر، خصوصاً الأطفال".
ويشدد الموسوي على أن "أي تشريع يجب أن يقاس بمدى حفاظه على تماسك الأسرة ومصلحة الأطفال، لا بقدرته على حسم النزاع القانوني، إذ إن بناء الأسر أهم من فرض سلطة القانون، وهذا ما نصت عليه التعاليم الدينية، والحكمة التشريعية تقتضي مراجعة النصوص التي تفرز آثاراً سلبية على المجتمع. يتحمل مجلس النواب مسؤولية إعادة مراجعة فقرات القانون المثيرة للجدل، لا سيما ما يتعلق بالأثر الرجعي، وإلغاء حق التخيير، بما يضمن معالجة الإشكالات التي ظهرت أخيراً، ويقلص دائرة الخلافات الأسرية".
وفي حين تتطلب معالجة الإشكاليات الحالية تعديلاً تشريعياً، لم يصدر أي موقف سياسي أو برلماني في هذا الاتجاه، رغم تعدد الأزمات العائلية، وتصاعد السجال القانوني، وتحول بعض الخلافات القضائية إلى أزمات أسرية.
وقوبلت تعديلات قانون الأحوال الشخصية بالرفض من قبل قوى سياسية وفعاليات شعبية ومنظمات مجتمع مدني قبل إقراره، إذ أكد المعترضون أنه يضم فقرات تعتبر تفسيرات دينية لا تتناسب مع طبيعة سكان البلاد المتنوعة ثقافياً ودينياً ومذهبياً، كما يضمّ فقرات تعتبر متحيزة لصالح الرجال.
ومن بين الفقرات الجدلية إدخال الوقفَين السنّي والشيعي في قضايا الخلع والتفريق، وهو أمر يعدّه معارضو القانون ترسيخاً للطائفية في إدارة الدولة والقضاء، ومخالفة للدستور الذي ينصّ على مدنيّة الدولة العراقية. وتجاهلت التعديلات حالات رفض عقد الزواج وفقاً للمدارس الفقهية السنية أو الشيعية، وهي ظاهرة متزايدة في المجتمع العراقي الذي يشهد زيجات مختلطة من ديانات ومذاهب متعدّدة، بعد أن كان القانون يمنح الدولة العراقية ممثّلة بالقضاء المدني، عقد القران والتفريق وفقاً للقانون لا بحسب الطوائف أو الأديان.