تباين حول تقرير لجنة تقصي الحقائق بأحداث الساحل السوري

26 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 15:03 (توقيت القدس)
من آثار حرق الممتلكات في مدينة جبلة (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت مناطق الساحل السوري اشتباكات دامية في مارس/آذار الماضي، حيث هاجم مسلحون موالون للنظام السابق القوات الأمنية، مما أدى إلى سقوط قتلى واستعادة الحكومة السيطرة بعد عملية أمنية موسعة.
- أصدرت اللجنة الوطنية للتحقيق تقريرًا يوثق 1426 قتيلاً و563 متهمًا بالانتهاكات، مما أثار تباينًا في الآراء حول دقة الأرقام والمحتوى، مع دعوات لأرشفة التقرير كوثيقة قانونية.
- يشكك ناشطون في جدية المحاسبة ويطالبون بمتابعة قضائية، مع دعوات لعزل ومحاسبة قادة الجيش والأجهزة الأمنية المتورطين وتحقيق العدالة للضحايا.

تتفاوت آراء أهالي الساحل السوري في التقرير الذي أنجزته اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق حول الأحداث الدامية التي شهدتها المنطقة في مارس/آذار الماضي، والذي صدرت نتائجه يوم الثلاثاء الماضي، بين من يشككون بأرقامه ومحتواه، ومن يرى التقرير بداية لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
وشهدت مناطق الساحل السوري اشتباكات دامية استمرت عدة أيام، على خلفية هجمات شنها مسلحون موالون للنظام السابق على القوات الأمنية، أوقعت العديد من القتلى في صفوفهم، لكنها انتهت باستعادة قوات الحكومة السيطرة على المنطقة بعد عملية أمنية موسعة شاركت فيها "فصائل مسلحة غير منضبطة"، وتخللتها انتهاكات مختلفة، وجرائم قتل، فضلاً عن وقائع سلب وحرق ممتلكات.
وقال المتحدث باسم لجنة التحقيق، ياسر الفرحان، خلال مؤتمر صحافي، إن اللجنة توصلت إلى أسماء أشخاص متهمين بارتكاب انتهاكات في أحداث الساحل السوري، من بينهم 265 شخصاً من مجموعات خارجة عن القانون مرتبطين بـ"فلول نظام الأسد"، إضافة إلى 298 شخصاً من مجموعات يرتبط بعضهم بالفصائل العسكرية الداعمة للحكومة، ممن خالفوا الأوامر العسكرية، ويشتبه في ارتكابهم انتهاكات بحق المدنيين.
وأضاف الفرحان أن اللجنة تحققت من أسماء 1426 قتيلاً، من بينهم 90 امرأة، ومعظمهم مدنيون، وبعضهم عسكريون سابقون أجروا تسويات مع السلطات المختصة، مع ترجيح أن معظم جرائم القتل وقعت خارج المعارك العسكرية أو بعد انتهائها. كذلك رصدت لجنة التحقيق في تقريرها الانتهاكات التي جرت في فبراير/شباط الماضي بحق المدنيين في أثناء التصدي لمحاولة تمرد من قبل فلول نظام بشار الأسد. 


يقول الناشط في السلم الأهلي في اللاذقية، الطبيب زين مهنا، لـ"العربي الجديد"، إن "العمل الذي قامت به لجنة التحقيق جيد من حيث المبدأ، لكن الاعتراضات على عدد المشتبه في تنفيذهم الانتهاكات. كان واضحاً أن العدد أكبر بكثير من الرقم الذي أعلنته اللجنة من عناصر الفصائل التي كانت ترافق قوات وزارة الدفاع والأجهزة الأمنية. من سلبيات التقرير أيضاً، استخدام الموضوع كقضية سياسية من قبل السلطة، وطرحه في وقت كانت فيه الاشتباكات دائرة في السويداء".
ويوضح مهنا: "خرج التقرير بإيجابيات مهمة، أبرزها أنه وثق أرقام الضحايا، وأكدت اللجنة أنها أجرت مقابلات مع عوائل الضحايا، ومع شهود، وهذا كله إيجابي. المطلوب من الحكومة تحقيق العدالة للجميع، وأن يسيطر حكم القانون، والأمر لا ينطبق فقط على الساحل، بل يجب تحقيق العدالة للمفقودين والقتلى خلال 14 عاماً مضت، لأنه من دون تحقيق العدالة يمكن أن تتكرر هذه الانتهاكات".
من جانبها، تقول ميس فارس، وهي شقيقة أحد ضحايا أحداث الساحل لـ"العربي الجديد"، إن "لجنة الانتهاكات خرجت بتقرير يعد أسوأ من المجزرة ذاتها. اعترفت اللجنة بـ1426 قتيلاً، وبلغ عدد المجرمين 563، منهم 265 من فلول النظام السابق، ‏ورغم أن هذا العدد يتعارض مع عدد السيارات المحملة بكل أنواع السلاح والمدججة بالمقاتلين، إلا أن المؤتمر الذي عُرض على القنوات المحلية كشف عن تعارض آرائهم، وعن تصريحات متناقضة لا تمت إلى الواقع بصلة".

خسر الكثير من أهالي الساحل السوري ممتلكاتهم (العربي الجديد)
خسر الكثير من أهالي الساحل السوري ممتلكاتهم (العربي الجديد)

تضيف فارس: "هل سنرى 33 مشنقة معلقة على باب مدينة جبلة للذين اعتبرتهم اللجنة مجرمين من فصائلها المسلحة؟ والمتهمين بالقتل العمد واستباحة الأعراض وحرق الأملاك وسرقة السيارات، والذين شاركوا صوتاً وصورة في القتل والإجرام؟ نعلم أنه لا عدالة في سورية، ‏ولن يصدر حكم بحق أي مجرم علناً، ولن يحاسب أي شخص بشكل صريح. كل ما أطلبه أرشفة هذا التقرير بكونه وثيقة قانونية رسمية للاستناد إليها مستقبلاً في المحاكمات، كي يكون دليلاً على مرتكبي المجزرة الثانية في الساحل، وهي المجزرة الأخلاقية والقانونية للتستر على المجرمين على حساب الدم السوري".
ولم تكشف لجنة التحقيق في أحداث الساحل عن أسماء أي من المشتبه فيهم، وقالت إنها وثقت الأسماء في جداول ملحقة بالتقرير، وستحال مع النتائج على القضاء، كذلك تكتمت على أسماء بعض الشهود الذين يخشون من كشف أسمائهم.
من اللاذقية، يرى المحامي يوسف محمود، أن التقرير يمكن اعتباره بداية لاعتراف الحكومة بالانتهاكات، وأن معالجة ما جرى ممكنة بشرط أن تُتابَع نتائج عمل اللجنة قضائياً، وتُجرى محاسبة لقيادات الجيش والأجهزة الأمنية التي ارتكبت انتهاكات، وعدم طيّ الصفحة من دون إعلام السوريين بنتائج متابعة القضاء.
ويضيف محمود لـ"العربي الجديد": "اعتاد السوريون تشكيل لجان تحقيق شكلية لأهداف سياسية، ومن الطبيعي التشكيك بالأرقام، وبجدية المحاسبة، لكن الاستفادة من نتائج عمل اللجنة هو الذي سيحكم فيما إذا كانت الحكومة جادة في محاسبة مرتكبي الانتهاكات، أو أنها مجرد محاولة لاحتواء غضب الشارع والضغوط الخارجية".
وينتقد المحامي السوري عدم كشف لجنة التحقيق عن أسماء من هاجموا قوات الأمن في الساحل، وكذا تحديد الفصائل التي ينتمي إليها الأشخاص الذين ارتكبوا انتهاكات بحق المدنيين، ويؤكد أن "هناك ضرورة لعزل ومحاسبة قادة الجيش الذين فشلوا في حماية المدنيين، أو تواطأوا في عمليات القتل والانتهاكات. على النائب العام اعتقال جميع من وردت أسماؤهم في التقرير، سواء من المدنيين، أو الفلول، أو الفصائل الموالية للحكومة".

وكان من المنتظر أن تقدم لجنة التحقيق التي شكلها الرئيس السوري أحمد الشرع، تقريرها النهائي قبل التاسع من يوليو/تموز، بعد أربعة أشهر من التحقيقات ومقابلة الشهود ومعاينة الأماكن، لكن الشرع مدد عمل اللجنة ثلاثة أشهر إضافية في 10 إبريل/نيسان الماضي، بعد أن قال أعضاؤها إن مدة شهر واحد غير كافية لإنجاز العمل.
بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على أحداث الساحل الدموية، تقول فاطمة حيدر (38 سنة)، وهي من سكان ريف جبلة، إنها لا تثق بأي تقرير صادر عن الحكومة. وتوضح: "فقدت زوجي في الأحداث، ولجنة التحقيق يجب أن تكون دولية، فالحكومة طرف في ارتكاب الانتهاكات، ومن غير المعقول أن يكون من ارتكب انتهاكات هو المحقق والقاضي".
وتضيف حيدر: "قبل تحقيق العدالة، نريد شهادات وفاة للقتلى الذين سقطوا حتى نستطيع متابعة المعاملات، ونريد التعويض عن أملاكنا التي نهبت وأحرقت. مجازر الساحل يمكن أن تتكرر في أي وقت، وهذا ما رأيناه أخيراً في السويداء، لأنه لا يوجد إرادة صادقة للمحاسبة أو التغيير".

المساهمون