بيع "الحشائش" في أسواق الجزائر... فرصة رزق رمضانية

19 مارس 2025   |  آخر تحديث: 07:27 (توقيت القدس)
بائع حشائش جزائري في رمضان (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد الأسواق الشعبية في الجزائر نشاطًا ملحوظًا خلال شهر رمضان، حيث يعمل الشباب في بيع الحشائش الضرورية للوجبات الرمضانية، مثل البقدونس والكزبرة، مستغلين قطع أراضٍ صغيرة للزراعة.

- تتراوح أسعار الحشائش بين ربع وثلث دولار، ويعتمد الباعة على تصغير الربطات لتناسب القدرة الشرائية للزبائن، مما يساعدهم على بيع كل الكميات المتوفرة.

- يشمل بيع الحشائش الشباب غير المتعلمين والخريجين العاطلين، حيث يمتد الطلب على الحشائش طوال العام، وتشتري المقاهي كميات كبيرة من النعناع لتحضير الشاي.

تشهد الأسواق الشعبية في الجزائر حركة كبيرة خلال شهر رمضان مقارنة مع باقي أشهر السنة، وتتنوع الفرص بالنسبة لبعض الشباب للعمل وتوفير مداخيل مالية، ولو بسيطة، تساعدهم على توفير حاجياتهم أو مساعدة عائلاتهم أو شراء ملابس العيد. وينتشر مع حلول شهر الصوم العديد من الشباب الذين يستغلونه في الكسب، وبعضهم يستثمرون إقبال العائلات على شراء الحشائش الضرورية في إعداد الوجبات الرمضانية في إيجاد فرصة عمل موسمية.

في سوق شعبي بوسط مدينة بوركيكة في محافظة تيبازة (80 كيلومتراً غرب العاصمة الجزائرية)، يبيع الفتى محمد (19 سنة) ما يعرف محلياً باسم "الحشائش"، والتي تستخدم في الطهي، وتضم البقدونس والكزبرة (تسمى في الجزائر السلق) وغيرها، ويقول إن علاقته ببيع الحشائش بدأت قبل فترة قصيرة، إذ استفاد من قطعة أرض زراعية يقوم والده بزراعتها، وفكر في أخذ مساحة صغيرة منها لزراعة الحشائش التي لا تتطلب الكثير من التعب، وتحتاج إلى قليل من الرعاية من قبيل سقيها وإزالة الأعشاب الضارة منها، وخلال فترة وجيزة تصبح قابلة لجزها، ثم تجهيزها على شكل ربطات يقوم يومياً بجلب كميات منها إلى السوق لبيعها، لكونها من بين الأكثر طلبا في شهر رمضان. 

ويتراوح سعر ربطة البقدونس أو الكزبرة بحسب الحجم والنوعية بين ما يعادل ربع دولار أميركي إلى ثلث، ويفكر غالبية الشباب الذين تخصصوا في بيعها بمنطق الربح والخسارة، ويأخذون بعين الاعتبار الظروف الاجتماعية وارتفاع الأسعار والقدرات الشرائية للزبائن. داخل السوق الشعبي، يتحول العمل في مجال بيع وشراء الحشائش إلى اقتصاد مصغر، ويتطلب أيضاً التفكير في ظل المنافسة الكبيرة نتيجة تعدد الباعة. يقول الشاب أكرم الذي يبيع هذه الحشائش في نفس السوق: "أقوم بتصغير الربطات لبيعها بسعر منخفض، وهذا يساعد الزبائن على اقتناء ما يلزمهم من الحشائش بسعر مناسب، ويساعدني في المقابل على بيع كل الربطات التي تكون بحوزتي، وقد وجدت أن تلك أفضل وسيلة لي وللناس".

بائع حشائش جزائري، 24 إبريل 2020 (بلال بنسالم/Getty)
يقبل الجزائريون على شراء الحشائش في رمضان، 24 إبريل 2020 (بلال بنسالم/Getty)

ولا يعد بيع الحشائش مهنة للشباب غير المتعلمين وحدهم، فبعض المتخرجين ممن لم يجدوا عملاً بعد يمتهنون بيعها. من بينهم منير كيش، والذي تخرج من الجامعة قبل نحو العام، ولم يوفق في الحصول على عمل، ويقول: "لم أجد بعد وظيفة تناسب شهادة تخرجي، وهي ليسانس فرنسية، وفكرت أن أعمل مؤقتاً في سوق الخضروات لعدة أساب، أولها قربه من البيت، ثم علاقتي الطيبة ببعض المزارعين في ريف مدينة حجوط (محافظة تيبازة)، والذين أذهب إليهم في الصباح الباكر، وأجدهم قد جهزوا لي ربطات البقدونس والدبشة والقصبر والنعناع، فأعود بها إلى السوق لبيعها بثمن يوفر لي مدخولاً مؤقتاً إلى حين إيجاد عمل".

ويضيف كيش: "بيع الحشائش لا يرتبط بشهر رمضان فقط، وإن كان يكثر عليها الطلب في الشهر الفضيل، لكنها تبقى مطلوبة في كل أيام السنة، إذ تستخدم في الطهي يومياً من قبل غالبية العائلات الجزائرية". ويستخدم البقدونس والكزبرة والدبشة بشكل خاص في مطبخ رمضان الجزائري كنكهات لشربة الإفطار، أو ما يعرف في بعض المناطق بـ"الحريرة"، وكذا في إعداد "البريك" وغيره من الأطباق التي تقدم في شهر الصيام على مائدة الإفطار، حيث تدخل أحياناً ضمن مكونات الطبق، أو تضاف عند الأكل كنكهات تضيف مذاقاً خاصاً بعد تقطيعها إلى قطع صغيرة.

كما تقبل المقاهي الشعبية على شراء كميات أكبر من النعناع في الشهر الفضيل لاستخدامه في إعداد الشاي، أو لتزيين كؤوس الشاي التي تقدم للزبائن خلال السهرات الرمضانية، بينما يقل بيع حشائش أخرى مثل السلق والسبانخ، كون العائلات الجزائرية لا تستخدمهما في الغالب خلال شهر رمضان، ولا يدخلان إلا قليلاً في تحضير الأطباق الموسمية.

في زمن سابق، لم يكن بيع الحشائش يجري على نطاق واسع، كون أغلبية العائلات الجزائرية، خاصة تلك التي تعيش في الريف أو في ضواحي المدن، كانت توفر حاجياتها من الحشائش ذاتياً، من دون أن تشتريها من الأسواق، إذ كانت العائلات تزرع هذه الحشائش النافعة ذات الاستخدام شبه اليومي في الحدائق الصغيرة التي تمتلكها، أو في المساحات الصغيرة في محيط البيت، وحتى في ردهاته، خصوصاً النعناع والبقدونس، وذلك ضمن أنشطة أخرى تشمل تربية الدواجن والأرانب، وكلها تستفيد منها العائلات في الطهي اليومي، لكن تغير الكثير من ذلك مع المتغيرات العمرانية والاجتماعية التي حدثت في المجتمع الجزائري، وتغير علاقة العائلات بالمحيط، وخروج المرأة إلى سوق العمل، ما يدفع كثيرين إلى الاعتماد على الشراء من الأسواق.