بيسان شعبان.. الناجية الوحيدة من مجزرة عائلتها في غزة
استمع إلى الملخص
- واجهت بيسان تحديات صحية كبيرة، حيث كانت على وشك فقدان قدمها اليسرى، لكن الأطباء تمكنوا من إنقاذها بعد وقف إطلاق النار.
- تعيش بيسان الآن بين منزلي عمتيها، وتواصل دراستها بنجاح، مستمدة قوتها من ذكرى عائلتها الراحلة.
لم تكن بيسان شعبان تتخيل أن لحظةً واحدة، في الثانية فجراً، ستغير مجرى حياتها، بعد أن قتلت الصواريخ الإسرائيلية كل أفراد عائلتها لتتركها وحيدة في هذا العالم بلا أب أو أمّ أو إخوة أو سند، ما بات يشعرها بالخوف والحزن الدائمين. في تلك الساعة الثقيلة، بينما كان الجميع في منزلهم بمنطقة السدرة شرقي مدينة غزة يغطون في نوم عميق، اخترق صاروخ إسرائيلي ضخم العمارة المكونة من سبعة طوابق دون أي تحذير، ليمزق سكون الليل ويحوله إلى صراخ ودمار وموت.
سقط الصاروخ عمودياً كالسهم، شقّ الطوابق واحداً تلو الآخر، قبل أن ينفجر بكل قوته في الطابق الأرضي حيث كانت تسكن عائلة بيسان وبعض النازحين من الأقارب، خمس وعشرون روحاً كانت أزهقت في لحظة واحدة. بيسان ابنة التاسعة عشرة لم تستفق على صوت الانفجار، بل على صمت خانق وتجمع غبار يخنق صدرها، وجسدها العالق تحت قطع الإسمنت الثقيلة، والدماء التي كانت تتدفق من ساقها اليسرى بغزارة.
بيسان شعبان.. نجاة بأعجوبة
تقول بيسان شعبان إنها مرت بلحظات أشبه بالجحيم، كانت تلك الدقائق التي مرت عليها كسنوات ثقيلة تسمع فقط لنبضات قلبها المتسارعة رعباً وألماً وصوت الدم وهو يغادر جسدها، بينما تحولت أجساد من حولها إلى أشلاء متناثرة، والبيت الآمن إلى لهيب وركام. استشهد في القصف والدها سائد ووالدتها غادة، وشقيقاتها رزان (21 عاماً)، ولوران (19 عاماً)، ورنا (7 أعوام)، وأشقاؤها وسيم (16 عاماً)، وكريم (15 عاماً)، ويامن (11 عاماً)، وسبقتهم جميعاً شقيقتها الكبيرة مرام (23 عاماً) التي استشهدت بفعل سوء التغذية في منتصف رمضان الماضي، كما استشهدت في المجزرة خالاتها وأطفالهن الذين كانوا قد نزحوا إليهم بحثاً عن مكان آمن.
عندما وصل الطاقم الطبي إلى الموقع بعد ساعات من البحث وسط الركام، عثروا على جسد بيسان تحتضن دبدوبها الكبير الذي أنقذها من الموت، وكان حاجزاً بينها وبين جدار سقط عليها، كانت بلا حركة، مغطاة بالغبار والدماء، وساقها اليسرى ممزقة بجرح غائر ينزف بلا توقف، اعتقد المسعفون أنها فارقت الحياة.
وُضعت بيسان بين الشهداء، وقاموا بتكفينها، تقول بيسان شعبان: "كنت مدركة أنهم يقومون بتكفيني، لكنني لم أكن قادرة على الحركة والتعبير بفعل هول المشهد تارة، ورغبتي بالالتحاق بباقي أفراد أسرتي تارة أخرى، إلى أن لاحظ الأطباء ارتجافي، فقاموا على الفور بنقلي لتلقي العلاج داخل غرفة العناية المركزة بعد تنقل كثير بين المستشفيات والمراكز الطبية العاجزة عن تقديم الخدمات".
وتتابع بيسان التي لم تتوقف دموعها الحارة للحظة، "كنت حينها قد نزفت كثيراً، ولم يكن داخل المستشفى وحدات دم، وتطلب علاجي الخروج من قطاع غزة، إلا أن توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الثاني ساهم في دخول وحدات الدم إلى المحافظات الشمالية التي لم نغادرها، وواصلت تلقي العلاج إلى أن تعافى جسدي، لكن جراح روحي ما زالت غائرة".
وتوضح بيسان أنها حين انتقلت إلى المستشفى كانت على وشك الغيبوبة، فكمية الدم التي فقدتها كانت هائلة، والأطباء أبلغوا الطاقم أن بقاء قدمها اليسرى شبه مستحيل، ويجب بترها، بفعل الإصابة البالغة وانعدام الإمكانيات جراء الحصار الإسرائيلي المطبق على الأدوية والمستهلكات الطبية منذ بدء حرب الإبادة، لكن الهدنة الثانية في تلك الأيام مكّنت الطواقم من ضخ الدم في جسدها، واستطاع الجراحون ترميم القدم وإنقاذها من البتر في اللحظات الأخيرة.
روح تمشي بين الأطلال
لا تزال بيسان تعيش بقدم متألمة، تمشي ببطء، وتتعلم من جديد كيف تتوازن، لكن التوازن الأصعب هو الداخلي، توازن الروح التي فقدت كل شيء في لحظة، وحين تسألها ماذا تتذكر من تلك الليلة، تقول بصوت خافت: "كنت أتمنى لو مت معهم، لكن ربنا كتبلي أعيش علشان أحكي عنهم".
وتسببت الأحداث الصعبة التي تعرضت لها بيسان بتعطلها عن الدراسة، ما دفع بعض الأقارب إلى نصحها بالتقديم للحصول على شهادة الثانوية العامة، لترد عليهم قائلة "كنت أود تقديم الاختبارات لإسعاد أمي وأبي لكنهما غادرا هذه الحياة"، ليخبروها بأن نجاحها سيفرحهم في قبورهم، وهو ما كان حافزاً لتقدمها للاختبارات، والحصول على معدل 83% بعد عامين من الانقطاع.
وتعيش بيسان بين منزلي عمتيها مها وأم محمد، وتتلقى العلاج والمتابعة الطبية، وتعتمد عليهما في توفير الطعام، بعد أن فقدت الأهل والمأوى ومصدر الدخل، وتقول بعد لحظة صمت تخللها بكاء ودموع "أنا الناجية الوحيدة، لكنني أحمل أرواحهم معي".