بلديات غزة: المعدات الثقيلة والآليات استُهدفت ودُمرت

29 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 08:48 (توقيت القدس)
بقايا آليات بلدية جباليا، 22 إبريل 2025 (بشار طالب/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي تدمير البنية التحتية في قطاع غزة، مستهدفًا الآليات والمعدات الثقيلة، مما أدى إلى تدمير 164 آلية من أصل 210 تابعة لبلدية غزة، وأثر بشكل كبير على قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية.

- تعرضت بلدية جباليا لقصف أدى إلى تدمير تسع جرافات حديثة، مما زاد من تعقيد الوضع، واضطرت البلدية للاعتماد على عربات تجرها الحيوانات لجمع النفايات.

- الاحتلال يبرر استهدافه للآليات بمزاعم استخدامها لأغراض عسكرية، مما أدى إلى شل عمل البلديات وتفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع.

يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي تدمير مختلف سبل تسيير شؤون الحياة في قطاع غزة، ويكرر استهداف الآليات والمعدات الثقيلة كي يحرم البلديات من تقديم الخدمات الأساسية للفلسطينيين.

بلا أصوات هدير المحركات، وبهياكل حديدية متفحمة ومدمرة لمركبات كانت تشق الأمل في شوارع قطاع غزة، تتراص بقايا تسع جرافات داخل مستودع معدات ثقيلة يعود لبلدية جباليا، بعد تعرضها للقصف فجر الثلاثاء 22 إبريل/ نيسان، رغم أنها دخلت الخدمة خلال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ في 19 يناير/ كانون الثاني الماضي.
على مدار ساعات بعد القصف، ظلت النار تلتهم تلك الآليات، إذ منع جيش الاحتلال طواقم الدفاع المدني من إطفاء الحريق مهدداً بإعادة قصف المكان، ما جعلها تحترق أمام عيون الأهالي الذين استقبلوها بحفاوة كبيرة حين وصولها قبل نحو شهر، إذ كانت تمثل خيط أمل لإزالة ركام الحرب.
في الركن الغربي من كراج البلدية، يتصاعد دخان خافت من بقايا الإطارات المحترقة رغم مرور أيام على القصف، وأصبح الكراج الذي كان يعج بالحركة صامتاً، تتناثر بساحته أجزاء من المعدات الثقيلة التي تطايرت بفعل شدة الانفجار.
يتأمل الفلسطيني أحمد خلة، وهو صاحب محطة وقود تقع قبالة المستودع، بقايا الجرافات المدمرة، وقد كان شاهدًا على لحظة الاستهداف، كما جمعته صداقة مع السائقين المصريين على مدار نحو شهر من وجودهم في غزة، قبل أن يعودوا إلى مصر مع استئناف العدوان في 18 مارس/ آذار الماضي.
يقول خلة لـ "العربي الجديد": "قبيل القصف، وصلت إلينا اتصالات هاتفية من ضباط في جيش الاحتلال، طالبوا فيها سكان المنطقة ومدرسة الإيواء بالإخلاء الفوري من دون تحديد أي الأماكن سيستهدفون، واكتفوا بإبلاغنا بوجود نشاط عسكري للجيش، ما جعل المنطقة تعيش حالة من الفوضى، إذ لم يعرف الناس إلى أين يذهبون، وكثيرون قرروا البقاء في الشوارع. بعد دقائق بدأ القصف، ورأينا النار تشتعل في الكراج، وعندما وصلت طواقم الدفاع المدني، هددهم الاحتلال بقصف الكراج مجدداً، ما دفعهم إلى التراجع، وترك النار تقضي على الآليات التي طاولها القصف".

دمر الاحتلال 164 آلية من مجمل آليات بلدية غزة البالغة 210

يقلب خلة في هاتفه المحمول، ويتنقل بين مقاطع فيديو التقطها للحظة استقبال الجرافات التي كانت تحمل الأعلام المصرية والقطرية، وتظهر فرحة الأهالي بوصولها إدراكاً لأهميتها الكبيرة في تهيئة الأرض وإزالة الركام، وصور لعملها في فتح الطرق، وأخرى لتناوله الطعام مع السائقين المصريين.
يتابع: "جمعتني بالسائقين صداقة، وكانوا يحدثونني عن مفاجأتهم بحجم الدمار الكبير، ورغم ذلك كانوا يعملون بجد من السابعة صباحاً إلى الرابعة عصراً، وكانوا لا يسمحون لأي سائق آخر بركوب الآليات، ما يدحض مزاعم الاحتلال باستخدام تلك الآليات لأغراض عسكرية. منذ مغادرة السائقين المصريين للقطاع، بقيت الجرافات داخل المستودع".
بدوره، يقول مدير العلاقات العامة في بلدية جباليا النزلة، سعدي دبور  لـ "العربي الجديد"، إن "تأثير تدمير الجرافات كبير، ولن تستطيع البلدية تقديم أي من الخدمات الأساسية بالصورة التي كانت تقدمها قبل الحرب. الجرافات التسع المدمرة وصلت عبر اللجنة القطرية المصرية خلال وقف إطلاق النار، ولم تكن كافية لإزالة الركام وفتح الشوارع، ودمرت معهم سيارة لسحب مياه الصرف الصحي، وسيارة مياه، فضلاً عن تضرر شاحنات أخرى داخل الكراج. خدمة إزالة الركام وفتح الطرقات ستتأثر بشكل كبير، وكذلك أعمال إصلاحات شبكات المياه".

9 آليات دمرت بالكامل في جباليا، 22 إبريل 2025 (بشار طالب/ فرانس برس)
9 آليات دمرت بالكامل في جباليا، 22 إبريل 2025 (بشار طالب/ فرانس برس)

يضيف دبور: "لم يكن هذا الاستهداف هو الأول لآليات البلدية، ففي شهر ديسمبر/ كانون الأول 2023، تضررت عشرات الآليات نتيجة استهدافها، وهذا يؤدي إلى انتشار النفايات، وعدم القدرة على إزالة الركام. المشهد أصبح معقداً، إذ لا تملك البلدية سوى أربع آليات، ما يجعلها تجمع النفايات من خلال عربات تجرها الحيوانات، والمواطن العادي يفتقر إلى خدمات البلديات، كالمياه، وجمع النفايات، وتنظيم الأسواق، وتصريف المياه العادمة، وهي خدمات أساسية للبقاء على قيد الحياة".
وتزامن استهداف كراج بلدية جباليا، مع استهداف جرافات تتبع مقاولين وشركات خاصة في مدينة غزة، من بينها ثلاث جرافات تتبع لمقاول، وأربع جرافات وست شاحنات لخلط الأسمنت مملوكة لمقاول آخر، إضافة إلى تدمير آليات تابعة لبلدية خانيونس.
ونادراً ما يقوم الاحتلال بتحذير الأهالي قبيل القصف، فمعظم المجازر وجرائم استهداف البيوت تتم من دون سابق إنذار، ومن هذا ما قام به الاحتلال خلال استهداف شركة للمعدات الثقيلة، ما خلف تدمير ثلاث جرافات، وأدى الاستهداف لاستشهاد زوجة حارس مستودع الشركة، وإصابة آخرين.
يقول مدير الشركة المقاول حسام عابد لـ "العربي الجديد": "كنا نائمين، واستيقظنا على خبر قصف مستودع الآليات، وقبل ذلك دمر الاحتلال لنا عدة آليات. هذه الآليات أخذناها معنا في رحلة النزوح، وبعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار عدنا بها إلى مدينة غزة، وبدأنا العمل حتى حدث هذا الاستهداف، ولن نستطيع العمل بدون معدات. نحن شركة خاصة، ونعمل مع المؤسسات الدولية، كالصليب الأحمر ومنظمة يونيسف، ونقدم خدمات متعلقة بالصرف الصحي، والمياه، أو انتشال الشهداء، وهذا الاستهداف فاجأننا لأن عملنا إنساني بحت، والاحتلال يعرف طبيعة عملنا، لكن واضح أن الهدف هو قتل كل مظاهر الحياة في غزة".

مركبات الدفاع المدني مستهدفة أيضاً، 27 إبريل 2025 (عبد الرحيم الخطيب/الأناضول)
مركبات الدفاع المدني مستهدفة أيضاً، 27 إبريل 2025 (عبد الرحيم الخطيب/الأناضول)

ويؤدي تدمير المعدات الثقيلة بمدينة غزة، إلى شل عمل البلدية التي كانت تعتمد بدرجة أساسية على جرافات القطاع الخاص. يقول مدير التخطيط في بلدية غزة، المهندس ماهر سالم لـ "العربي الجديد"، إن "الاحتلال دمر 164 آلية تتبع لبلدية غزة، ما بين ثقيلة ومتوسطة، أي ما نسبته 80% من مجمل آليات البلدية البالغة 210 آليات، ولم يبق لدى البلدية أي جرافة، ومن الآليات المتبقية سيارات رفع بالقمامة وبعض الشاحنات، وآليات شفط مياه الصرف الصحي".
ويوضح: "تدمير الآليات أحدث تأثيراً مباشراً على عمل البلدية في تنظيف شبكات الصرف الصحي، وجمع وترحيل النفايات، وصيانة شبكات المياه، وفتح الطرق، وبالتالي تقف البلدية عاجزة عن فتح ما يزيد عن 800 كيلو متر من الشوارع المغلقة بشكل كلي أو جزئي، وما يزيد عن 250 ألف متر مكعب من النفايات الصلبة المتراكمة في الشوارع، وخصوصاً منطقة سوق فراس الشعبي، أو في محيط مراكز الإيواء في منطقة ملعب اليرموك. تدمير الآليات يؤثر على إصلاح أكثر من 115 ألف متر طولي من شبكات المياه، ونحو 175 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي، و63 بئراً للمياه الجوفية، و8 محطات لمعالجة المياه العادمة، خمس منها تعرضت لأضرار جزئية، فالآليات هي اليد التي تعمل بها البلديات، وتدميرها بمثابة بتر تلك اليد". 

قضايا وناس
التحديثات الحية

وبحسب مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، فإن "الاحتلال يستهدف بشكل ممنهج كافة مقومات الحياة، ويقصف مرافق البلديات، وقد ألحق ضرراً كبيراً بعمل البلديات من خلال تدمير العديد من الآليات والجرافات بأنواعها المختلفة، وتدمير المكاتب الإدارية، وخدمات البنية التحتية، ما أدى إلى توقف بعض الخدمات الأساسية".
ويضيف الثوابتة لـ "العربي الجديد": "الآليات المتبقية تعمل في ظروف شديدة الصعوبة، مع خسائر كبيرة في المعدات، وبالكاد تقدم الحد الأدنى من الخدمات للمواطنين، والعديد منها يعمل جزئياً نتيجة قلة الموارد ونقص الوقود. الاحتلال استهدف 70% من المعدات الثقيلة والآليات في القطاع، وأدى هذا التدمير إلى عجز كبير في القدرة على تقديم الخدمات الضرورية للسكان، وشمل التدمير استهداف المنشآت التي كانت تستخدم لتخزين هذه المعدات والآليات، ما فاقم الأزمة".
وحول مزاعم الاحتلال التي يبرر بها تدمير الآليات، يؤكد الثوابتة أن "كل ما يسوقه الاحتلال من تبريرات ومزاعم هي أكاذيب وروايات مضللة ليس لها أساس من الصحة الهدف منها تبرير جرائمه الوحشية ضد الشعب الفلسطيني، واتهام المقاومة باستخدام هذه الآليات كذب، فقد قام الاحتلال بقصف الآليات التي وصلت مؤخراً من مصر، فكيف تكون تلك الآليات مشاركة في عملية السابع من أكتوبر؟ تلك المزاعم مجرد محاولة فاشلة لتشويه الحقائق وتغطية الجرائم المرتكبة يومياً في قطاع غزة، بما في ذلك قتل الأطفال والنساء، واستهداف المدنيين بشكل عشوائي". 

المساهمون