استمع إلى الملخص
- الجدل حول تغيير الأسماء يعكس انقساماً بين مؤيدين يرونها خطوة نحو عدالة تاريخية، ومعارضين يخشون من طمس الهوية. اشتد الجدل بعد مقتل جورج فلويد في 2020، مما زاد الزخم لإعادة تسمية الشوارع.
- تمتد موجة المراجعة إلى مدن ألمانية أخرى مثل هامبورغ وميونخ، حيث تُعتبر لحظة وعي جماعي لإعادة التفكير في التاريخ والهوية، رغم استمرار الجدل حول الرموز التاريخية.
تشهد ألمانيا في السنوات الأخيرة موجة متسارعة من مراجعة رموزها الحضرية، في محاولة لمساءلة الماضي الاستعماري والعنصري، وتجديد الذاكرة الجماعية بما يعكس قيم التنوع والمساواة. ووسط هذا الحراك، برزت العاصمة برلين نموذجا بارزا في تغيير أسماء الشوارع المرتبطة بتاريخ مظلم أو شخصيات مثيرة للجدل بسبب ماضيها الاستعماري والعنصري.
بين مؤيد يرى في التغيير خطوة نحو عدالة تاريخية، ومعارض يتخوف من طمس الهوية أو إعادة كتابة التاريخ بتسرّع، يحتدم الجدل في وسائل الإعلام، والأوساط الأكاديمية، والمجالس المحلية. ومنذ سقوط جدار برلين 1989، غُيّرت أسماء شوارع كانت تُكرّم رموزاً نازية أو شيوعية، مثل هتلر ولينين، لتُستبدل بأسماء أقل جدلاً. لكن اليوم، توسعت المراجعة لتشمل حقبة الاستعمار الأوروبي، بما في ذلك تكريم القادة العسكريين والمستعمرين الألمان في أفريقيا. وفي هذا السياق، تأتي آخر حلقات هذا الجدل بإعادة تسمية شارع "مورين شتراسة" في قلب العاصمة برلين.
لا يزال الجدل مفتوحاً: هل الأفضل إزالة الرموز العنصرية بالكامل؟ أم الإبقاء عليها كـ"أشواك في الذاكرة" تُذكّر المجتمع بأخطائه؟
مورين شتراسة: من اسم مهين إلى تكريم فلسفي
بعد معركة ثقافية وقانونية استمرت لسنوات، تم رسمياً في 23 أغسطس/آب 2025 تغيير اسم الشارع الشهير "مورين شتراسة" إلى "أنطون فيلهلم آمو شتراسة"، تكريماً لأول فيلسوف أفريقي درس ودرّس في جامعات ألمانية مرموقة خلال القرن الثامن عشر.
الاسم السابق "مورين" يرتبط بكلمة "Mohr"، التي كانت تُستخدم تاريخياً للإشارة إلى الأشخاص السود، لكنها اكتسبت مع الزمن دلالات عنصرية مهينة. ولطالما طالب نشطاء من منظمات مثل "مبادرة السود في ألمانيا" و"حرروا برلين" بإزالته، واعتبروه رمزاً للتمييز المستمر في الفضاء العام. وجرى تنفيذ القرار في 23 أغسطس الماضي، بالتزامن مع اليوم العالمي لإحياء ذكرى تجارة الرقيق، حيث نُصبت اللافتات الجديدة خلال حفل رسمي وشعبي، كُتب عليها: "أول فيلسوف أفريقي في ألمانيا".
أنطون فيلهلم آمو شتراسه أول فيلسوف أفريقي درس ودرّس في جامعات ألمانية مرموقة خلال القرن الثامن عشر.
لكنْ هناك أيضاً معارضون لهذا التغيير، يرونه من منظور مختلف. فالمؤرخ أولريش فان دير هايدن اعتبر أن الاسم التاريخي لا يحمل نية عنصرية، مشيراً إلى أن "المور" كانوا في أغلبهم خدماً في بلاطات الأمراء الأوروبيين، وليسوا عبيداً بالمعنى القانوني. وأضاف: "لا تزال هناك دول تُدعى موريتانيا. فهل نُغيّر كل شيء؟". غير أن مؤرخين آخرين ونشطاء يرون أن هذا الطرح يُشرعن ماضياً استعمارياً اختزل الإنسان الأسود في صورة خادم أو زخرفة في لوحات بلاطات الملوك، دون الاعتراف بإنسانيته أو مكانته.
تأثير جورج فلويد: من أميركا إلى أوروبا
تزايد الزخم لإعادة التسمية بعد مقتل الأميركي من أصول أفريقية جورج فلويد في مايو/أيار 2020، حين امتدت الاحتجاجات ضد العنصرية إلى مدن أوروبية، ومنها برلين، حيث غطى متظاهرون لافتة "مورين شتراسة" بلافتة بديلة كتبوا عليها "George Floyd Straße"، في إشارة رمزية للتضامن. وامتدت تلك ً الموجة من الوعي التاريخي إلى دول مجاورة أيضا، مثل بلجيكا وهولندا وفرنسا وبريطانيا والدول الإسكندنافية، لاحقاً، صدّقت محكمة برلين الإدارية العليا في برلين-براندنبورغ على قرار التغيير، رغم اعتراضات أكثر من 1000 من السكان المحليين ورفع نحو 200 دعوى قضائية. المحكمة رفضت تلك الطعون، معتبرة أن الاسم القديم "يضر بسمعة المدينة"، وخاصة في عاصمة تسعى لأن تكون نموذجاً للتعددية والتعايش.
أسماء على قائمة المراجعة
موجة المراجعة تمتد اليوم لتشمل الرموز الاستعمارية والعنصرية. ومورين شتراسة ليست سوى حالة من حالات عديدة بدأت تتغير؛ إذ في منطقة ويدينغ شمال برلين، تم تغيير أسماء شوارع كانت تُكرّم مستعمرين مثل لودريتز، كارل بيترز، وناختيغال، لتحمل الآن أسماء شخصيات أفريقية مناهضة للاستعمار مثل: كورنيليوس فريدريكس، ومانغا بيل، وماجي-ماجي، وآنا مونغوندا.
وفي هامبورغ، يطالب نشطاء بإزالة تماثيل لأوتو فون بسمارك، أول مستشار ألماني، بسبب دوره في عسكرة الدولة وقيادتها نحو الاستعمار. كما أن بلدية ميونخ تُراجع أكثر من 370 اسم شارع يُعتقد أن لها صلة بالتمييز أو النازية، بما فيها أسماء ريتشارد فاغنر وريتشارد شتراوس.
كذلك الأمر في مونستر حيث تجرى مراجعات، وقد تم فعليا في عام 2012 تغيير اسم شارع Castelleweg، الذي كان يُكرّم الكاتب النازي فريدريش كاستيله، إلى "Thomas-Mann-Weg" تكريماً للأديب الكبير توماس مان، أحد رموز المقاومة الثقافية ضد الفاشية.
رسالة جديدة من قلب العاصمة برلين
وخلال حفل رسمي في برلين بمناسبة تغيير اسم شارع مورين، قالت توبا بوزكورت، النائبة عن حزب الخضر: "أخيراً، اختفى هذا المصطلح العنصري من مشهد المدينة. نحن نرسل اليوم إشارة واضحة للكرامة والاحترام والتنوع". في المقابل، وصف حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الخطوة بأنها "هدية سياسية من الخضر لليسار"، وعبّر عن استيائه من "ضعف مشاركة السكان" في القرار.
مع ذلك، لا يزال الجدل مفتوحاً: هل الأفضل إزالة الرموز العنصرية بالكامل؟ أم الإبقاء عليها كـ"أشواك في الذاكرة" تُذكّر المجتمع بأخطائه؟ إجمالا، ما من شك أن إعادة تسمية "مورين شتراسة" ليست مجرد تغيير في لافتة شارع، بل لحظة وعي جماعي وسابقة في إعادة التفكير في التاريخ والهوية. فبرلين، المدينة التي كانت مسرحاً لتحولات كبرى في القرن العشرين، تقول اليوم بلغة شوارعها: لا مكان للعنصرية... ولا لمصطلحات تُقلّل من إنسانية الآخرين.