برد ليل السودان... نازحون ومشردون يعانون في خيام مهترئة

08 يناير 2026   |  آخر تحديث: 01:15 (توقيت القدس)
الحصول على بطانية مصدر للسعادة، الدابة، نوفمبر 2025 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعاني الأسر السودانية النازحة من ظروف قاسية بسبب البرد، حيث تفتقر إلى الأغطية والملابس الشتوية، وتعيش في خيام غير كافية، مما يزيد من انتشار الأمراض بين الأطفال وكبار السن.
- النزوح المستمر منذ 36 شهراً أدى إلى تدهور الأوضاع المعيشية، مع نقص في الغذاء والرعاية الطبية، وتفشي أمراض مثل الربو والإنفلونزا، بينما تظل الجهود الحكومية والمتطوعين غير كافية.
- في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى، يواجه النازحون نقص الأثاث والأغطية، ويستخدمون وسائل بدائية للتدفئة، مع تحديات في الحصول على الرعاية الصحية والمواد الغذائية.

تقاوم آلاف الأسر السودانية النازحة موجات البرد القارس، في ظل عدم توفر الأغطية والثياب الشتوية، وكون الخيام غير كافية لحمايتهم من برودة الطقس، خصوصاً خلال ساعات الليل.

تمر ليالٍ شتوية عصيبة على عشرات آلاف النازحين السودانيين الذين أجبرتهم المعارك العسكرية المستمرة منذ 36 شهراً على ترك منازلهم، والعيش في خيام مهترئة، أو في منازل آيلة للسقوط بفعل القصف الجوي والمدفعي، والطائرات المسيرة التي استخدمت بصورة غير مسبوقة في القصف، ولم تنج منها حتى مخيمات النزوح. ويحاول سكان المخيمات المؤقتة في الولاية الشمالية على الحدود مع مصر، وفي ولاية النيل الأبيض (وسط) وفي إقليمي كردفان ودارفور، مقاومة الشتاء بالمقومات المتاحة، والتي تشمل أكياس البلاستيك، وبعض الثياب والأغطية الرثة، مع ازدياد الحاجة إلى سدّ النقص الحاد في الغذاء ووسائل التدفئة، فضلاً عن انعدام الرعاية الطبية، ما يجعل أمراضاً ذات علاقة بالبرد تنتشر بكثافة وسط الأطفال والنساء وكبار السن، وهم الأكثر عرضةً لتبعات سوء التغذية، وبالتالي للأمراض.
ويؤكد مسؤول في حكومة ولاية شمال كردفان أن نحو 170 ألف نازح يعيشون في ظروف قاسية داخل الولاية في مخيمات بدائية. ويقول المسؤول الذي فضّل حجب هويته لـ"العربي الجديد": "ترك النازحون مناطقهم هرباً من انتهاكات قوات الدعم السريع، لكن الخيام البالية لا تقيهم البرد، والجهود الحكومية غير كافية لمعالجة النقص القائم في الاحتياجات اليومية". 

تتباين درجات الحرارة بحدّة في السودان بين الليل والنهار، ويقاوم آلاف النازحين برد الشتاء بالمتاح من الثياب والأغطية

وتتباين درجات الحرارة بشكل حادّ بين فترات الليل والنهار، وتنخفض في المناطق الشمالية وشمال دارفور في بعض الأوقات إلى أقل من عشر درجات مئوية، لتواجه العائلات التي خسرت منازلها صعوبات بالغة في مقاومة البرد الذي ينهك أجسادهم الهزيلة، ويؤدي إلى إصابات بأمراض مثل الربو والإنفلونزا التي باتت تتفشّى بصورة أوضح بين الأطفال وكبار السن.
نزحت السودانية فاطمة عثمان من الفاشر إلى طويلة في ولاية شمال دارفور، وتقول إن فصل الشتاء الذي يستمر حتى نهاية مارس/ آذار المقبل يمثّل أكبر تحدٍّ لأسرتها المكونة من سبعة أفراد، وإن معظمهم يعانون من سوء التغذية والأمراض الناتجة عن سوء التغذية. وتوضح لـ"العربي الجديد": "وصلنا إلى طويلة من دون أي ممتلكات، ولا أموال نشتري بها احتياجاتنا، ونعيش حالياً في خيمة مصنوعة من مواد محلية، وليس لدينا ما نفترشه للنوم، ما يجعلنا نعاني ليلاً من شدة البرد، ما يتسبب في حدوث التهابات رئوية لا نجد لها علاجاً، وهذا يخلق معاناة أخرى تُضاف إلى معاناتنا مع النزوح".
بدوره، يشكو السبعيني آدم هارون، وهو أيضاً نازح إلى طويلة، من مفاقمة البرد معاناته مع مرض السكري الذي أصيب به قبل سنوات، كما يجد صعوبات جمّة في الحصول على الرعاية الصحية بمخيمات النزوح التي تفتقر إلى مختلف الخدمات، ولا تتوفر فيها الرعاية الطبية أو الطعام. ويقول لـ"العربي الجديد": "كنت أتلقّى علاج السكري بانتظام، لكن منذ بدء الحرب أصبح الدواء غير متوفر، ونادراً ما تتوفّر لي الجرعة في وقتها المناسب، ومع ازدياد البرد أصبحت لا أقوى على الحركة، وعندما أصاب بجروح بسيطة يعمّقها البرد، ولا تندمل بسهولة لأنني أنام في العراء، وأتغطّى بخرقة صغيرة لا تكفي جسدي كله".

نازحات في طابور للحصول على أغطية، القضارف، 30 ديسمبر 2025 (فرانس برس)
نازحات في طابور للحصول على أغطية، القضارف، 30 ديسمبر 2025 (فرانس برس)

ورغم أن درجات الحرارة تبلغ نحو 30 درجة مئوية خلال النهار، لكنها تنخفض أثناء الليل كثيراً، ويصبح البرد قارساً لدرجة أن أجساد النازحين الجوعى لا تقوى على تحمله. تقول فدوى أزرق، التي تعيش في أحد مخيمات طويلة، لـ"العربي الجديد": "تعيش مئات الأُسر النازحة ظروفاً قاسية بسبب انخفاض درجات الحرارة ليلاً، وعدم توفر الأغطية ووسائل التدفئة، ونقص الطعام المناسبة لمثل الظروف. الكثير من الأسر تلفّ أطفالها بأكياس البلاستيك، وبعضهم يحفرون داخل الأرض أماكن للنوم بحثاً عن الدفء في ظل غياب الأغطية".
وتقول السودانية التي قُتل زوجها أثناء حصار الفاشر: "يقاوم الناس البرد بأجسادهم الهزيلة، ولا نملك البطانيات ولا الفرشات المناسبة، وحتى الملابس غير متوفرة، والجهود التي يقوم بها المتطوعون الذين يوزعون البطانيات على النازحين محدودة للغاية، ولا تكفي حتى نصف المحتاجين، أما المنظمات المحلية فهي تركز على توفير الطعام، لكنها أيضاً لا تستطيع سدّ حاجة آلاف الجوعى في طويلة، والكثير من النازحين يعانون من أمراض سوء التغذية".
ولا تنحصر المعاناة في من يعيشون في المخيمات والقرى النائية خارج المُدن، فآلاف النازحين داخل العاصمة الخرطوم يواجهون ظروفاً قاسية بسبب البقاء في منازل خالية من الأثاث، وتنعدم في غالبيتها الأغطية اللازمة لمقاومة البرد.

تتحرك ببطانيتها داخل مخيم النزوح، شمال دارفور، نوفمبر 2025 (الأناضول)
تتحرك ببطانيتها داخل مخيم النزوح، شمال دارفور، نوفمبر 2025 (الأناضول)

نزحت السودانية أميمة أحمد (57 سنة) من كردفان إلى العاصمة، وهي تسكن حالياً في أحد المنازل المهجورة بمدينة أم درمان، بينما الظروف التي تعيش فيها أسرتها قاسية بسبب البرد وانعدام الأغطية الضرورية. وتقول السيدة التي تعيل أربعة أشخاص لـ"العربي الجديد": "نزحنا بأقل الممتلكات التي حملناها على رؤوسنا لعدم توفر وسائل النقل، وفي أم درمان التي تعرّضت منازلها للسرقة والقصف بالأسلحة الثقيلة، وجدنا منزلاً خالياً من أي أثاث، ما جعلنا نتقاسم الأغطية البسيطة المتوفرة، كما أن الثياب المتوفرة صيفية، ولا تحجب عنا البرد". وتتابع: "يضاعف النقص الحاد في المواد الغذائية معاناتنا، ولا توجد أي جهة تقدم لنا المساعدات المتعلقة بفصل الشتاء، وفي بعض الليالي نسهر حتى الصباح بسبب الجوع والبرد، ونضطر إلى النوم متجاورين حتى نتمكن من الحصول على بعض التدفئة من تلاصق أجسادنا".
تعرض منزل عائلة السودانية رقية الصافي للإزالة من قبل سلطات الأراضي في مدينة بحري، بحجة أنه مقام في منطقة عشوائية، وهي تعيش حالياً في خيمة نصبتها على أنقاض المنزل مع أطفالها الثلاثة، وتقول لـ"العربي الجديد": "الليل قاسٍ جداً، وأطفالي أعمارهم أقل من 12 سنة، ولا أملك سوى لفّهم بالثياب المتاحة حتى أجنبهم البرد القارس. وضعنا كان سيئاً قبل إزالة منزلنا، لكن بعد أن فقدناه باتت أوضاعنا كارثية، فالمبنى المشيّد من المواد المحلية كان يخفف علينا البرد، وبعد إزالته وجدنا أنفسنا في العراء تحت رحمة العواصف وبرودة الطقس". وتكمل أنّ "معظم الأهالي تضرروا من استمرار الحرب، وليست لدينا مصادر دخل، ولا إمكانات مالية لشراء الأغطية وملابس الشتاء، ولا توجد أي جهة تقدم لنا المساعدة، باستثناء مبادرات فردية ينفذها بعض الناشطين، لكن جهدهم لا يكفي، فأعداد المحتاجين كبيرة، والدعم قليل للغاية".
ومع اشتداد حركة النزوح من إقليم كردفان الذي تحوّل إلى خط مواجهة عسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وجد النازحون الذين فروا من القرى والمُدن أنفسهم يعيشون في خيام لا تقيهم البرد، بالتزامن مع النقص الحاد في المواد الغذائية.

يقول النازح أحمد إبراهيم الذي يعيش حالياً في خيمة بمدينة الأُبيِّض لـ"العربي الجديد" إنّ "الأوضاع لا تُحتمل، ولا يمكن أن نبقى في هذه الكارثة طويلاً. نزحنا على عجل هرباً من منازلنا التي تعرضت للقصف، ولم نحمل معنا أي أمتعة أو أغطية، وعندما وصلنا إلى الأُبيِّض لجأنا إلى تشييد الخيام، لكن لا توجد مستلزمات كافية لمعيشة أفراد الأسر. أسرتي مكونة من ستة أشخاص، والأجواء متقلبة بين ارتفاع درجة الحرارة نهاراً وانخفاضها الشديد ليلاً، ما يتسبب في تفشي الأمراض، مع صعوبة الحصول على الرعاية الطبية اللازمة. معاناة الناس مع البرد في الخيام لا تقل عن معاناة النزوح نفسها بعد تركهم لمنازلهم وفقدانهم ممتلكاتهم ومصادر دخلهم التي كانوا يعتمدون عليها في معيشتهم".
ومنذ بداية فصل الشتاء في نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي يعيش ملايين النازحين في مئات المخيمات العشوائية وغيرهم من المشردين في الطرقات ومراكز الإيواء المؤقتة ظروفاً قاسية مع البرد القارس. يقول الناشط التطوعي في أم درمان علي جباي، لـ"العربي الجديد"، إن "هناك أسراً نازحة تنام في العراء، وهناك مشردون من كبار السن والأطفال ينامون في الطرق العامة من دون أغطية لعدم وجود جمعيات أو منظمات إنسانية توزع عليهم البطانيات، وجهودنا محدودة للغاية في مقابل حاجة الناس الكبيرة، لكننا نحاول تخفيف معاناتهم مع البرد والتشرد والنزوح".

المساهمون