برد الشتاء يضاعف معاناة فقراء أفغانستان ويحرمهم لقمة العيش
استمع إلى الملخص
- يعاني المواطنون من نقص وسائل التدفئة وفقدان فرص العمل، مما زاد من معاناة الأسر، ودعا البعض إلى تضافر الجهود لدعم الفقراء، خاصة في المناطق الريفية.
- تسببت الثلوج في إغلاق طرق حيوية، مما صعّب وصول المواد الغذائية ورفع أسعارها، ورغم جهود الحكومة، لا يزال الوضع مأساوياً مع استمرار التحديات.
شهدت مناطق واسعةً من أفغانستان هذا العام موجةً من البرد القارس غير المسبوق منذ نحو عقدين، ناجمة عن تساقط كثيف للثلوج وهطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن وفاة أكثر من 16 شخصاً خلال شهر يناير/ كانون الثاني الماضي. وفي مقابل ذلك، جرى إنقاذ عشرات آخرين بفضل تدخلات محلية قادتها قبائل تارةً، إلى جانب جهود الجهات الرسمية تارةً أخرى.
وحظيت قصص عشرات المواطنين الذين حاصرتهم الثلوج في مديرية شهر بزرك النائية في ولاية بدخشان باهتمام واسع، بعدما تمكّنت قوات وزارة الدفاع من إجلائهم عبر المروحيات. وقد لاقت العملية تفاعلاً كبيراً من رواد وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب وسائل الإعلام بشكل عام. كذلك أثارت قضيّة طفل حاصرته الثلوج في ولاية هرات قرب الحدود الإيرانية، وأصيبت يداه وقدماه بمضاعفات نتيجة البرد، قلقاً بالغاً في أوساط المواطنين، لتُعيد إلى الواجهة حجم معاناة السكان من جراء الثلوج الكثيفة والبرد الشديد.
لا تمثّل تلك القصص سوى غيض من فيض المعاناة التي يعيشها المواطن الأفغاني هذه الأيام، في ظل برد قارس، واستمرار تساقط الثلوج، يقابله شحّ في وسائل التدفئة. ولا تقتصر المعاناة على قسوة الطقس فحسب، بل تمتدّ إلى فقدان لقمة العيش، إذ يجد كثير من الأفغان أنفسهم محرومين من العمل بسبب الثلوج والبرد الشديد، ولا سيما أن شريحةً واسعةً منهم تعتمد على العمل اليومي لكسب الرزق، ما يجعل توقف العمل يعني حرمانهم المباشر من مورد عيشهم الأساسي.
وفي هذا السياق، يقول أحد العمال المياومين في مدينة تشاريكار، مركز ولاية بروان شمال أفغانستان، ويدعى نصيب الله ضمير، لـ"العربي الجديد": "بدأنا نكره الحياة. البرد قارس جدّاً، وكل شيء تحوّل إلى ثلج. الثلوج تتساقط باستمرار، ونحن بحاجة إلى التدفئة، لكنها غير متوفرة، ولا نملك وسيلةً لتدفئة غرف الأطفال وحمايتهم من هذا البرد". يضيف: "صرنا نحرق الملابس البالية من أجل تدفئة الغرف، ونطبخ عليها في الوقت نفسه. وفوق كل هذه المصائب، جاءت مصيبة الحرمان من العمل. كنت أخرج صباحاً للعمل في إحدى البقالات، لكن صاحبها طلب مني منذ أسبوعين التوقف عن الحضور، بسبب انعدام الزبائن جراء البرد الشديد، وهكذا حُرمت من العمل، وبقيت أسرتي من دون لقمة العيش".
وينتقد ضمير بشدّة ما يصفه بتقاعس الأثرياء من البلاد، قائلاً إنهم لا يحرّكون ساكناً لمواجهة المشاكل اليومية التي يعانيها الفقراء، ولا يبادرون بالمساعدة إلا عند وقوع كارثة إنسانية. ويضيف: "نعيش اليوم وقتاً عصيباً فقدنا فيه الأمل، رغم أننا ما زلنا على قيد الحياة، ولا أحد يمدّ لنا يد العون. أما إذا وقعت حوادث وسقط عدد كبير من الأرواح، حينها يتحرك الجميع فقط".
ويوجّه ضمير نداءً مباشراً لهم: "عليكم أن تهبّوا من الآن، وأن تساعدوا فقراء بلادكم قبل فوات الأوان. الناس في أصعب أحوالهم". كذلك يشير إلى أن أوضاع السكان في المناطق الريفية أشد قسوةً مقارنةً بالمدن، حيث توجد فئة كبيرة من المواطنين بأمسّ الحاجة إلى الدعم. ويختم بالقول إن الاعتماد على الجهات الرسمية وحدها لا يكفي، نظراً إلى محدودية وسائلها، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلّب تضافر جهود الجميع، ولا سيما خلال هذه الأشهر العصيبة.
من جهته، يشرح الناشط الأفغاني بلال أحمد سالنغي، أحد سكان منطقة سالنك شمال أفغانستان، لـ"العربي الجديد"، أوضاع المواطنين بعد زيارات ميدانية شملت مناطق مختلفة في الشمال، مؤكداً أن الوضع "مأساوي للغاية"، وأن حدته تتصاعد مع استمرار تساقط الثلوج.
ويشير سالنغي إلى أن سماكة الثلوج في مناطق سالنك تجاوزت 70 سنتيمتراً، ما أدى إلى إغلاق طرق، وتسبب في انهيارات ثلجية احتجزت سكاناً ومسافرين وسط الثلوج. ويبيّن الناشط أهم المشكلات التي تواجه السكان نتيجة الظروف المناخية القاسية والثلوج، وفي مقدمتها انقطاع الكهرباء، والبرد القارس، وانتشار الأمراض، وإغلاق طرق الذهاب والإياب، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى المواد الأساسية اللازمة للحياة. كما تسببت كثافة الثلوج في إغلاق الطرق وتضرر عدد كبير من المنازل.
وبسبب غزارة تساقط الثلوج والعواصف، أُغلق طريق سالنك لأيام، وهو طريق حيوي وأساسي يربط العاصمة كابول بالولايات الشمالية. وقد أدّى ذلك إلى مشاكل عديدة، من بينها صعوبة وصول المواد الغذائية إلى السكان وارتفاع أسعارها، فضلاً عن تعذّر إيصالها. كذلك واجهت المركبات المكلفة بنقل المساعدات إلى الفقراء تحديات كبيرة بسبب كثافة الثلوج وإغلاق الطريق، ما زاد من معاناة الأهالي.
من جانبها، أعلنت الحكومة الأفغانية أنها تبذل قصارى جهدها لتقديم الدعم اللازم للمواطنين، مشيرةً إلى أن فرقاً تابعةً لمختلف الإدارات المعنية منتشرة في ربوع البلاد، وتبذل جهوداً لإعادة فتح جميع الطرق المغلقة في أسرع وقت ممكن، وإيصال المساعدات الضرورية إلى المناطق المتضررة جراء الثلوج الأخيرة. وأكدت أن أعمال الإغاثة والتنظيف ما زالت متواصلةً.