بائع البوظة... علامة فارقة تصنع البسمة في تركيا
استمع إلى الملخص
- تُعتبر ولاية كهرمان مرعش الوجهة الأصلية لصناعة البوظة في تركيا، حيث يتميز بائعوها بالالتزام باللباس التقليدي وتقديم نكهات متنوعة مثل "ماراش دوندورماسي".
- تطورت صناعة البوظة في تركيا لتصبح علامة تجارية مميزة، مع إدخال نكهات جديدة وعروض بهلوانية، مما ساهم في تعزيز السياحة وجذب الزوار عالميًا.
يردّد المصريّون عبارة "الرزق يحبّ الخفّية"، ويعبّر أهل الشام عن ذلك بمقولة "حربوق يحتال على رزقه"، لكنّ بائع البوظة التركي جمع المقولتين عمليّاً لا لفظيّاً، وأضفى عليهما خفّة دمٍ وروحاً مرحة، حتى بات عاملَ جذبٍ في أكبر شوارع إسطنبول وأهمها، وأكثرها استقطاباً للسيّاح.
لكن الحالة بتفاصيلها وبما تملكه من جذبٍ وترويج، سرعان ما تعمّمت، حتى صار البائعون المَرحون ينتشرون في أحياء إسطنبول الشهيرة ومختلف الولايات التركية. وأصبحت معارض التسوّق مساحة يُخصّص فيها جناح كامل لبائعي البوظة الذين يتبارون على جذب السيّاح والمواطنين وابتداع حركات خداعية تلقى استحسان الزبائن، حتى باتت ساحة أورتاكوي في إسطنبول تُعرف بساحة بائعي البوظة.
أما ولاية كهرمان مرعش (جنوبي تركيا)، المعروفة بكونها الوجهة الأساسية والأصلية في صناعة البوظة، فقد استعادت حقوقها بالترويج واستعراض بائعي البوظة، مضيفةً طابعاً خاصاً على المشهدية، من حيث التزام الباعة اللباس التقليدي وتنويع نكهات البوظة وطعمها، وفقاً لما يصفه بائع البوظة في حي الفاتح التاريخي في إسطنبول، محمد أرسلان، ويقول لـ"العربي الجديد": "أصل البوظة ماراش دوندورماسي (آيس كريم ماراش) التي تدخل فيها جذور زهرة الأوركيدا المطحونة، فضلاً عن نكهات الزهور والفواكه والألوان المختلفة".
لكن، يرى أرسلان أن بدعة المرح لدى بائعي البوظة لاستقطاب الزبائن تتجلّى في إسطنبول، وكل ما نراه في بقية الولايات يُعدّ "تقليداً"، إذ إن شارع الاستقلال بات يُعرف ببائعي البوظة المَرحين، وتمكّن هؤلاء من جذب الكثيرين في منطقة السلطان أحمد، وفي رفد القطاع السياحي التركي والعودة بالفائدة على المحال المجاورة، "تصوّر أنّ المحال باتت تملك عربات بوظة خلال فصل الصيف، ولو أنها في غير تخصّصها، وتبحث عن بائعٍ مرح بمواصفات شكلية ولفظية مميزة، لما تمثله هذه المهنة من عامل استقطاب للزبائن".
ولدى سؤالنا بائع البوظة خفيف الدم، عن أصل البوظة، وعما إن كانت تركيا هي التي ابتدعتها، وما إن كان الأتراك يتمسكون بأنهم بلد المنشأ للبوظة، تماماً كما يدافعون عن الكبّة والمحشي والشاورما والكباب، قال ضاحكاً: "قد لا نكون أول من ابتدعها، لكننا الأفضل"، مشيراً إلى بوظة "الدوكا" الموجودة منذ بداية الإمبراطورية العثمانية، وهي عبارة عن "سكر، نشاء وحليب ونكهات".
لكن تركيا، وللإنصاف وبحسب المشاهدات، اهتمّت بهذه الصناعة وبتعزيز أدوات الجذب والترويج لسيّاحها الذين تطمح إلى أن يصلوا إلى 65 مليوناً هذا العام، ما دفعها إلى تطوير صناعة البوظة وإدخال مزيدٍ من النكهات، حتى باتت البوظة علامة تركية تقدم خلال المناسبات الاجتماعية والتظاهرات السياسية، وتفرّدت تركيا ببعض النكهات مثل "ماراش" التي تصنعها من حليب الماعز.
ويؤكد العامل في قطاع السياحة، فيهري ايت لـ"العربي الجديد" أن تركيا لا تنافس على أصل البوظة وتاريخ نشأتها، ولا حتى على جودتها، بل تخصّصت بطرق تقديم البوظة إلى المارّة في الشوارع، إلى جانب الحلويات مثل البقلاوة والكنافة. ويكشف أن بائع البوظة الأشهر في تركيا محمد دينك، بات نجماً عالمياً من خلال رقصاته مع الزبائن وحركاته البهلوانية، وهو غير موجود في إسطنبول، بل في ولاية أنطاليا، وأصله من ولاية قيصري. ويضيف: "يقع كشكه في منطقة لارا كوندو في أنطاليا (جنوبي تركيا)، يزوره أكثر من ألفَي شخص يومياً، معظمهم سيّاح، كذلك بات لهذا البائع حضور عربي واسع بعد رقصاته مع سيّاح عرب وأجانب على وقع أغنية "والله شكلي حبّيتك".
وتحظى البوظة أو الآيس كريم بعشق الصغار والكبار خلال فصل الصيف، خصوصاً إن تنوّعت النكهات وتعدّدت المسميات، لكن تبقى تسميتها في تركيا "داندرمه"، لأن البوظة منتج آخر لزج بنكهة الليمون. ونال بائعو البوظة في تركيا من الشهرة ما يفوق المنتج ومكوّناته، بل تفرّدوا بطريقة البيع عبر العصا الطويلة التي يضربون بها الأجراس، ومن خلال الحِيل والخدع التي يمارسونها مع الزبائن المنتظرين، وما يرافقها من أجواء مرحٍ وضحك ومتعة.
ولم يعد محمد دينك الوحيد باستعراضه، وإن كان الأشهر خارج حدود تركيا، بل تخصص بهذه البدعة بائعون وأصحاب محال وعلامات تجارية في تركيا، باتت الأكثر شهرة على صعيد الصناعات الغذائية وجذب السيّاح، وربما عُدّ جنكيز تاش في شارع الاستقلال الأكثر جذباً ومرحاً في تركيا، وكذلك صار علي أسطا في منطقة كاديكوي الذي يقدم البوظة منذ 56 عاماً، الأكثر شهرة في إسطنبول، لما يحافظ عليه من تقاليد وطعم سانتا ماريا والبندق والفراولة والبطيخ.
ونال "ميني دودرما"، المحل الصغير في منطقة بيبك، شهرة واسعة تفوق ربما "يسار أوستا" المتخصص بالبوظة الخالية من أي مواد حافظة أو منكهات، بل يُعرف عنه منذ عام 1962، إنتاج البوظة الطبيعية من البرقوق الأحمر والكستناء والجزر والطحين والطماطم، ما جعله ربما العلامة الأكثر توسعاً، بعد افتتاح فروعه في كاديكوي، باغدات كاديسي، كوشو يولو، جيهانغير، ليفنت وبكركوي، تاركاً لمصانع البوظة الحديثة، كمثل قصة نجاح "مادو" جمهورها، بعد أن أدخلت إلى جانب البوظة الإفطار التركي، وتوسّعت في كل الولايات التركية من خلال 83 فرعاً، آخذةً من البوظة شعلةً لقصة نجاحٍ انطلقت في عام 1992 ووصلت اليوم إلى الأكثر رواجاً ومبيعاً.