استمع إلى الملخص
- يعبر السكان عن استيائهم من تراجع خدمات النظافة، حيث أصبحت الشوارع مهملة وتقلصت وتيرة جمع النفايات، مما يؤثر على الصحة العامة، خاصة في المناطق الريفية.
- يرى الخبراء أن الأزمة تعكس مشكلة بنيوية في إدارة الخدمات، ويدعون إلى إعادة هيكلة قطاع النظافة بتمكين البلديات وإشراك المجتمع المحلي لضمان استدامة الخدمات.
تواجه مدن وبلدات إدلب تدهوراً واضحاً في النظافة العامة، في مشهد يعكس فجوة متزايدة بين الوعود والواقع الخدمي اليومي، فالشوارع الرئيسية والفرعية تشهد تراكماً ملحوظاً للنفايات، بينما تحولت بعض الساحات والأراضي الفارغة إلى مكبات عشوائية، ما ينذر بمخاطر صحية وبيئية متفاقمة.
وتزداد الانتقادات مع فرض فواتير خدمات النظافة بتحميلها على فواتير الكهرباء في مدن إدلب وبلداتها، دون شفافية كافية حول آلية الاحتساب أو أوجه الصرف، في وقت تتولى فيه منظمة "كلين" مهام النظافة في عدد من المناطق. ورغم ذلك، يؤكد السكان أنهم لم يلمسوا تحسناً حقيقياً على الأرض، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول دور البلديات، وحدود مسؤولية المنظمات، ومن الجهة المعنية بضمان حق الأهالي في بيئة نظيفة تليق بمرحلة ما بعد التحرير.
وعبر أحمد الشايش، أحد سكان مدينة إدلب، عن استيائه من تراجع واقع النظافة في الأحياء السكنية، وقال إنّ الشوارع الفرعية باتت شبه غائبة عن خطط التنظيف الدورية، وتراكم القمامة لم يعد مجرد مظهر خدمي سيّئ، بل تحول إلى مصدر قلق صحي حقيقي، خاصة مع انتشار الروائح الكريهة والحشرات، وما يرافق ذلك من مخاوف على صحة الأطفال وكبار السن. ويشير إلى أن خدمات النظافة شهدت تراجعاً ملحوظاً مقارنة بفترات سابقة، إذ تقلصت وتيرة جمع النفايات، وتراجع عدد الآليات العاملة، وسط غياب خطط واضحة لإدارة هذا الملف الحيوي، ويتزامن ذلك مع شعور عام بأن إدلب باتت خارج أولويات الجهات المسؤولة، في ظل تركيز الجهود والموارد على مدن ومناطق أخرى شهدت نشاطاً خدمياً ملحوظاً بعد تحرير سورية من نظام الأسد، مقابل إهمال واضح للمنطقة التي كانت لسنوات ملاذاً لملايين المدنيين.
ويضيف الشايش لـ"العربي الجديد"، أنّ الأهالي يطالبون بدفع فواتير خدمات نظافة مرتبطة بخدمات أساسية أخرى، دون أن يلمسوا تحسناً فعلياً يوازي هذه التكاليف، ويرى أن المشكلة لا تكمن فقط في ضعف الإمكانات، بل في غياب المتابعة والرقابة، وأن استمرار هذا الواقع يكرس شعوراً لديه ولدى غيره من السكان بأن إدلب تترك خارج أولويات الجهات المسؤولة، رغم كونها من أكثر المناطق كثافة سكانية في شمال سورية.
أما فاطمة العبد الرحمن، وهي ربة منزل من مدينة الدانا شمال إدلب قالت إنّ الروائح الكريهة وانتشار الحشرات باتا جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية داخل الحي، وحاويات القمامة غالباً ما تكون ممتلئة لأيام متتالية، من دون أن تفرغ بانتظام، ما يدفع بعض السكان إلى رمي النفايات بالقرب منها أو في أماكن عشوائية، الأمر الذي يفاقم المشكلة بدل حلّها. وتتساءل العبد الرحمن عن جدوى الرسوم المفروضة على خدمات النظافة في ظل هذا الواقع المتردي، معتبرة أن تحميل الأهالي أعباء مالية إضافية دون تحسين ملموس في مستوى الخدمة يفاقم شعور الإحباط لديهم. مشيرة إلى أن العائلات، ولا سيّما الأمهات، هنّ الأكثر تضرّراً من هذا الوضع، لما له من انعكاسات مباشرة على صحة الأطفال ونظافة المنازل، في وقت تغيب فيه الحلول الجذرية والرقابة الحكومية الفعلية على الجهات المعنية.
من جانبه قال محمد المعروف شاب من سكان ريف إدلب إنّ واقع النظافة في المناطق الريفية "أسوأ بكثير مما هو عليه داخل المدينة، وآليات النظافة لا تصل إلى قريتنا إلّا نادراً، وقد تمر أسابيع من دون جمع النفايات، ما يترك السكان أمام خيارات محدودة للتخلص منها"، ويتابع "في كثير من الأحيان نضطر إلى حرق النفايات قرب المنازل أو في الأراضي الزراعية، رغم إدراكنا للأضرار الصحية والبيئية، لكنّنا لا نملك بديلاً آخر في ظل غياب أي حلول رسمية"، ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن" الدخان والروائح الخانقة أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية، ونلاحظ ازدياد حالات الحساسية والأمراض الصدرية، خاصة بين الأطفال وكبار السن، من دون أي استجابة جدية من الجهات المعنية"، معتبراً أن " استمرار هذا الواقع يعكس تهميشاً واضحاً للريف مقارنة بالمراكز الحضرية، رغم أن سكانه يدفعون الرسوم نفسها ولا يحصلون على الحد الأدنى من الخدمات".
وفي السياق، يرى مهندس البيئة أيمن الشيخ أن أزمة النظافة في إدلب ليست مجرد خلل خدمي عابر، بل تعكس مشكلة بنيوية في إدارة الملف الخدمي بعد التحرير، ويقول لـ"العربي الجديد"، إنّ توزيع المسؤوليات بين الجهات المحلية والمنظمات العاملة ما يزال غير واضح، ما أدى إلى تداخل الأدوار من جهة، وغياب المساءلة من جهة أخرى، الأمر الذي انعكس سلباً على استدامة خدمات النظافة، مشيراً إلى أن الاعتماد على المنظمات الإنسانية لتولي مهام أساسية، مثل جمع النفايات، يبقى حلاً مؤقتاً لا يمكن البناء عليه على المدى الطويل، في ظل غياب بلديات فاعلة تمتلك الصلاحيات والموارد اللازمة، ويعتبر أن تهميش دور البلديات أضعف قدرتها على التخطيط والمتابعة، وحول خدمات النظافة إلى استجابات جزئية لا تواكب الكثافة السكانية المتزايدة في إدلب.
ويؤكد الخبير البيئي أن ربط فواتير النظافة بخدمات أخرى كالكهرباء، من دون إعلان آليات واضحة للاحتساب أو أطر رقابية مستقلة، أسهم في تآكل ثقة السكان بالجهات المقدمة للخدمة، ويدعو في هذا الإطار إلى إعادة هيكلة قطاع النظافة كلياً، على أن يبدأ بتحديد مرجعيات واضحة للمساءلة، وتمكين البلديات كمؤسسات خدمية دائمة، إلى جانب إشراك المجتمع المحلي في الرقابة وتحديد الأولويات، بما يضمن حق الأهالي في بيئة صحية خالية من الأمراض والمناظر السامة.