النسج التقليدي... تونسيون يحافظون على إرث الأجداد والجدات
استمع إلى الملخص
- يتميز النسج التقليدي باستخدام الصوف والقطن المصبوغ بمواد طبيعية، وتُستخدم الأقمشة في صناعة الملابس التقليدية والأغطية، مع تميز كل جهة بنقوشها وألوانها الخاصة.
- تواجه الحرفة خطر الاندثار بسبب المنتجات الصناعية الأرخص، وتسعى وزارة الثقافة للحفاظ عليها من خلال دورات تدريبية ودمجها في الموضة المعاصرة.
في قرى الداخل التونسي، ما زالت نساء قليلات يحكن القماش وينسجن المفارش والسجاد بالطريقة التي علّمتهن إيّاها الجدّات، وقد تستغرق القطعة الواحدة أكثر من شهرين حتى تكتمل. وهنّ يجلسن أمام "السداية" الخشبية التي تهتزّ خيوطها تحت أياديهن، ينسجن الصوف والقطن، ليصنعن أقمشة ومفارش تحمل ذكريات الماضي وذاكرة البيوت القديمة.
ويعتمد نسج الزرابي والأقمشة والمفارش في أغلب الجهات التونسية على الصوف، وفي السابق، كان لا يكاد يخلو أي منزل من آلة النسيج التقليدية "النول" أو "السداية"، والتي كانت تعدّ من المستلزمات المنزلية الأساسية، ويمر تصنيع الخيوط الصوفية والقطنية والحريرية بعدة مراحل، تستخدم فيها أدوات وتقنيات تقليدية على غرار المغزل.
تنساب أصابع التونسية منجية غربي بخفة لتُمرّر الخيوط التي تتقاطع على طول المنسج، فتتحول شيئاً فشيئاً إلى قماش موشح بزخارف مختلفة، كأنّها تُحيي ذاكرة النساء اللواتي سبقنها في ممارسة تلك الحرفة، إذ يتكون القماش أمامها سطراً بعد سطر، وعندما تكتمل القطعة، لا تكون مجرّد قماش أو سجاد، بل إرثاًَ حفظته عن سابقيها بكلّ تفاصيله.
وتقول إنّها تعلّمت النسج على "السداية" منذ كانت في العاشرة من عمرها، وظلت على مدى سنوات تصنع الأغطية والمفارش، إضافة إلى بعض أنواع الأقمشة الصوفية. تضيف لـ"العربي الجديد": "كنّا في السابق نغزل الصوف بأنفسنا للحصول على الخيوط، ثم صبغها، وكانت تلك المرحلة تستغرق أشهراً للحصول على الكمية الكافية من الخيوط لاستعمالها في النسيج. بتنا اليوم نشتري جميع أنواع الخيوط التي تتوفر بجميع الألوان، خاصة تلك التي تصنع من الصوف، لكن ارتفاع أسعارها أدى إلى ارتفاع أسعار ما ننتجه بأيدينا، لا سيما أنّ القطعة الواحدة قد تتطلب شهراً من العمل المتواصل بمعدل عشر ساعات يومياً أو أكثر".
رغم ذلك، ما زال العديد من الحرفيين يحرسون ما تبقّى من الماضي، فكلّ قطعة قماش تخرج من بين أيديهم ليست مُجرّد منتَج، بل شهادة حيّة على تراث حافل بإبداع متوارث، إذ يقوم النسج التقليدي على تحويل الصوف أو القطن إلى خيوط مختلفة السماكة، ليجري فيما بعد صباغتها بالطرق التقليدية، باستعمال مواد طبيعية على غرار قشور الرمان وأنواع من الأزهار، إضافة إلى أوراق الأشجار والشاي الأحمر، لتتحول الخيوط بعد ذلك إلى أقمشة تُستعمل في صناعة الملابس التقليدية، مثل السفساري، والجبة، والبرنس، والملحفة، إضافة إلى الأغطية والسجاد والكليم والمرقوم.
وتتميّز كلّ جهة في تونس بنقوشها وألوانها الخاصة، إذ تختص القيروان في الوسط بصناعة الزربية اليدوية ذات الألوان الدافئة، فيما تتميز محافظات الكاف وسليانة وجندوبة وباجة في الشمال بالمرقوم، وأغلب المُدن الساحلية بصناعة السفساري، وهو لباس كانت تلتحف به المرأة في السابق، وبات يستعمل اليوم في احتفالات الزفاف.
ولطالما ارتبط النسج التقليدي في تونس بالنساء، وكانت "السداية" تحتلّ زاوية في كلّ بيت، وتتجمع حولها الجدّات والأمهات، يتبادلن أسرار الحرفة لساعات طويلة، ويتشاركن في نسج قطعة واحدة لإنجازها في أسرع وقت، وبالرغم من القيمة التاريخية والجمالية لهذا التراث اليدوي، فإن الحرفة تواجه خطر الاندثار، بسبب المنتجات الصناعية التي تباع بأسعار أقل كثيراً من تلك التي تصنع يدوياً.
ولا تُمثّل المنسوجات التقليدية مُجرّد منتجات عادية لدى الحرفيين، فهي موروث اجتماعي، وجزء من جهاز العروس الذي تحمله من منزل والدها إلى بيت زوجها، إذ تختار أجود الأنواع من السوق، وتُقبل عادة على شراء تلك التي نسجت بالطرق التقليدية.
ويُشير كريم بن جمعة، وهو أحد المختصين في صناعة المنتجات التقليدية في سوق الرباط، بمحافظة المنستير، إلى أنّ "المنسوجات التقليدية كانت تنتشر في أغلب المدن العتيقة، التي كانت تضم أسواقها محال متخصصة، وكان الحرفيون يعدون بالعشرات، وينتجون جميع أنواع المفارش والزرابي والأقمشة بطريقة تقليدية على النول، لكن اليوم بات هؤلاء الحرفيون يعدون على أصابع اليد، على الرغم من الإقبال الذي تشهده هذه المنتجات التي حافظت على تميّزها، رغم انتشار منتجات المصانع، فأغلب المنتجات اليدوية تنسج بالطريقة التقليدية نفسها، وذات الزخارف والألوان القديمة التي لا تستطيع الآلات إنتاجها".
ويُضيف بن جمعة: "أغلب الحرفيين اليوم هم من كبار السنّ، إذ لا يقبل الشباب على تعلّم النسج على النول، رغم ما توفره الحرفة من مصدر رزق مهم، خصوصاً أنّ السياح الأجانب يقبلون على الصناعات اليدوية ويفضلونها عن تلك الصناعية، وبدأ الديوان الوطني للصناعات التقليدية في تنظيم دورات تدريب لمن يرغب في تعلّم النسج على النول أو السداية".
ويتابع: "بعض المصممين الشباب باتوا يدمجون النسيج التقليدي في الموضة المعاصرة، سواء الرجالية أو النسائية، ولا سيما الزخارف البربرية والأمازيغية القديمة، كما باتت وزارة الثقافة تحرص في المعارض التراثية على وجود نساء يقمن بالنسج على السداية، أو رجال ينسجون على النول بطريقة يدوية، للتعريف بتراث لا يجب أن يندثر، والحال أنّ ما يُنتج بطرق تقليدية ما زال يلقى رواجاً".