النزوح يهدد طلاب الجزيرة السورية بعد تحويل المدارس إلى مراكز إيواء
- يواجه الأهالي تحديات كبيرة مع انقطاع الطلاب عن الدراسة، حيث يلجأ البعض إلى المدارس الخاصة رغم تكاليفها المرتفعة، بينما تعمل هيئة التربية والتعليم على إيجاد بدائل مثل نقل مراكز الإيواء واعتماد نظام الدوام الجزئي.
- تتزايد المخاوف من ضياع جيل كامل بسبب استمرار تعطيل المدارس، وتعتمد إعادة فتحها على تأمين بدائل سكنية للنازحين وضمان الاستقرار الأمني، مع الحاجة لبرامج دعم نفسي واجتماعي للطلاب.
تعاني العملية التعليمية في الجزيرة السورية بمدن القامشلي والمالكية (ديريك) والقحطانية، شمال شرقي سورية، واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ سنوات، بعد تحويل عشرات المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين الذين توافدوا خلال الشهرين الماضيين من مناطق كانت تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، قبل انسحابها منها إثر تقدم قوات الحكومة السورية في مناطق من الرقة وريف حلب الشرقي.
هذا التحول الطارئ في وظيفة المدارس، من فضاءات للتعليم إلى مراكز إيواء، أدى إلى تعطيل شبه كامل للدوام في عدد كبير من المدارس، وترك آلاف الطلاب خارج مقاعد الدراسة، في وقت دخل فيه العام الدراسي 2025-2026 فصله الثاني، مع بقاء أقل من أربعة أشهر على نهايته المفترضة في أواخر مايو/أيار المقبل.
وتُعد منطقة الجزيرة (التي تضم محافظة الحسكة وأجزاء من دير الزور والرقة) من أكبر المناطق التعليمية في شمال شرقي سورية، إذ تضم نحو 1790 مدرسة، ويبلغ عدد طلابها نحو 242 ألفاً. إلا أن هذا الثقل التعليمي بات اليوم مهدداً، في ظل خروج عدد واسع من المدارس عن الخدمة نتيجة استخدامها مراكز لإيواء النازحين، إضافة إلى تضرر بعضها أو تراجع قدرتها التشغيلية بسبب الظروف الأمنية والنزوح. وبحسب تقديرات محلية، استقبلت مدينة القامشلي وريفها أكثر من 180 ألف نازح خلال الفترة الأخيرة، توزعوا على المدارس في الأحياء المختلفة، ما أدى إلى تعليق الدوام منذ أكثر من 25 يوماً في عدد كبير من المدارس الحكومية.
أطفال خارج المدارس في الجزيرة السورية
يقول عصام أمين، وهو والد أحد التلاميذ ومقيم في القامشلي، لـ"العربي الجديد": "منذ الأحداث الأخيرة التي حصلت في شمال وشرق سورية وانسحاب قسد من شرق نهر الفرات، توافد آلاف النازحين من الرقة والشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، إضافة إلى النزوح من الحسكة باتجاه القامشلي، انعكس الأمر سلباً على أطفالنا، فهم منقطعون عن المدارس منذ أكثر من 25 يوماً".
ويضيف: "انقطاع الطالب كل هذه الفترة مشكلة كبيرة"، مشيراً إلى أنه في ظل الأجواء الباردة يضطر الأطفال للبقاء في المنازل وتفريغ طاقاتهم في استخدام الهواتف المحمولة، مما يؤثر على مستوى تركيزهم. وأوضح أن بعض الأهالي اضطروا لإرسال أبنائهم إلى مدارس خاصة، "لكن أقساطها تتجاوز 300 دولار للطالب الواحد، وهو مبلغ لا يقدر عليه معظم الناس في ظل الوضع المعيشي الصعب".
بدائل قيد الدراسة
من جهتها، قالت الرئيسة المشتركة لهيئة التربية والتعليم في مقاطعة الجزيرة، كلستان إسماعيل، لـ"العربي الجديد"، إن إغلاق المدارس جاء "إجراء طارئاً واستثنائياً نتيجة موجات النزوح الكبيرة"، مؤكدة أن الهيئة تعمل بالتنسيق مع الجهات المعنية لإيجاد بدائل تتيح استئناف العملية التعليمية في أقرب وقت ممكن. وأوضحت أن هناك مقترحات قيد الدراسة، من بينها: نقل مراكز الإيواء إلى أبنية أخرى غير تعليمية. واعتماد نظام الدوام الجزئي في بعض المدارس التي يمكن فصل جزء منها لاستقبال الطلاب. وبحث إمكانية إطلاق برامج دعم تعليمي لتعويض الفاقد خلال فترة الانقطاع. وأكدت إسماعيل أن "استمرار تعطيل المدارس ليس خياراً مقبولاً، لكن الأولوية الإنسانية فرضت نفسها في ظل غياب مراكز إيواء كافية"، مشددة على أن الهيئة رفعت مناشدات إلى منظمات محلية ودولية لدعم قطاع التعليم وتأمين مستلزماته وإعادة تأهيل المدارس المتضررة.
مخاوف من ضياع جيل كامل
في 25 يناير/كانون الثاني الماضي، كان من المفترض أن يكون الطلاب قد انتظموا في الفصل الدراسي الثاني. غير أن شريحة واسعة منهم لم تتمكن من العودة إلى الدوام، سواء بسبب تحويل مدارسهم إلى مراكز إيواء، أو نتيجة النزوح وعدم الاستقرار الأمني. ويقول كاوار عيسى، من سكان القامشلي، لـ"العربي الجديد": "داوم الطلاب حتى نهاية الفصل الأول وقدموا امتحاناتهم قبل الهجمات الأخيرة، وكانت المناهج سارية من الصف الأول حتى الجامعة. أما اليوم، فبسبب النزوح وإيواء العائلات في المدارس، أُغلقت المدارس والجامعات إلى حين صدور قرار رسمي بعودة العائلات إلى مناطقها". ويتابع: "أنا كوني أباً أتحدث بحرقة عن مستقبل الأطفال. نخشى أن نحصل على جيل لا يتقن القراءة والكتابة إذا استمر الوضع على هذا النحو. الخلافات السياسية يجب أن تكون بعيدة عن مستقبل التعليم". وتعتمد إعادة فتح المدارس فعلياً على جملة من العوامل؛ في مقدمتها تأمين بدائل سكنية للنازحين، وضمان الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والخدمي في المناطق التي نزحوا منها بما يسمح بعودتهم الآمنة. كما يتطلب الأمر برامج دعم نفسي واجتماعي للطلاب الذين عاشوا تجارب النزوح والخوف.
وحتى الآن، تبدو الاستجابة الدولية محدودة، ولا توجد خطة شاملة معلنة تضمن إعادة تشغيل المدارس على نحو مستدام أو تعويض الفاقد التعليمي. ومع مرور الوقت، تتزايد المخاوف من ضياع عام دراسي كامل على آلاف الطلاب، وما يحمله ذلك من تبعات طويلة الأمد على المستوى التعليمي والاجتماعي. ففي مدن القامشلي والمالكية والقحطانية، لا تبدو الأزمة تعليمية فحسب، بل هي مرآة لتعقيدات المشهد الأمني والإنساني شمال شرق سورية. وبين أولوية إيواء النازحين وحق الأطفال في التعليم، يقف جيل كامل في منطقة رمادية، ينتظر قراراً يعيده إلى مقاعد الدراسة قبل أن يتحول التعطيل المؤقت إلى فجوة يصعب ردمها لاحقاً.