المواجل والفسقيات... قلاع تونس المائية لمواجهة الشحّ والجفاف

18 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 00:33 (توقيت القدس)
هندسة مائية توارثتها الأجيال في تونس، يونيو 2026 (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تواجه تونس تحديات كبيرة بسبب تدهور السدود والجفاف الناتج عن تغير المناخ، مما أعاد إحياء تقاليد المواجل والفسقيات لتجميع مياه الأمطار، وهي تقنيات اجتماعية وهندسية متوارثة تُستخدم لمواجهة نقص المياه.
- تلعب الفسقيات والمواجل دوراً حيوياً في تأمين المياه لآلاف العائلات، مثل فسقية الأغالبة بالقيروان، وتعتمد على نظام ترشيح طبيعي لضمان جودة المياه، رغم تراجع استخدامها بعد توسع شبكات المياه.
- يشدد الخبراء على ضرورة العودة لتقنيات حصاد مياه الأمطار كحل مستدام، ودمجها بتقنيات حديثة لضمان الأمن المائي، وسط انتقادات للصمت الرسمي تجاه أزمة العطش.

في وقتٍ تعاني فيه السدود التونسية من تدهور حادّ، وتشهد البلاد موجات جفاف ناجمة عن تغير المناخ، عادت المواجل والفسقيات إلى وجدان التونسيين، بوصفها تقليداً حيّاً حفر أساساته الأجداد وواجهوا به شحّ المياه.

تكتسب المواجل والفسقيات (مفردهما ماجل وفسقية)، وهي منشآت مائية لتجميع مياه الأمطار، قيمتها التاريخية في الوجدان التونسي، كونها تقليداً حيّاً تتوارثه الأجيال بأمانةٍ وحرصٍ على مدى عقودٍ طويلة، سعياً لمواجهة موجات الجفاف القاسية التي ميّزت مناخ أفريقيا قديماً، وتونس حديثاً. لم تكن هذه المنشآت مجرد حفر عشوائية لتجميع المياه، بل كانت عِلماً شعبيّاً راسخاً وتقنية اجتماعية تنتقل تفاصيلها الدقيقة من الآباء إلى الأبناء في مختلف ربوع البلاد، من قاطني الديار العربية في الحواضر التاريخية، مثل تونس العاصمة وسوسة وصفاقس، إلى حواضر الساحل وجزيرة جربة وقرى الجنوب.

وخلف الأبواب الخشبية العتيقة، تبدأ طقوسٌ من نوعٍ آخر كلما أعلنت السماء أولى زخات خريف كل سنة، طقوسٌ عمرها مئات السنين تُعرف بـ"تغسيل السطح"، أي سطح المنزل. هناك، لا يضيع غيث السماء في قنوات الصرف الصحي كما يحدث في الأحياء الحديثة المحيطة بالسور، بل يجد الغيث طريقه بدقة هندسية مذهلة نحو أحشاء الأرض، حيث المواجل المحفورة بعناية من أجل الصمود في وجه أعتى أزمات الجفاف التي تضرب البلاد منذ عقودٍ، وفي فتراتٍ مختلفة.

وفي وقتٍ تعاني فيه السدود التونسية الكبرى من تشققات طينية مخيفة، ومن تراجع مخزونها إلى مستويات قياسية نتيجة تغير المناخ، ساهمت العديد من الفسقيات الكبيرة في تأمين المياه لآلاف العائلات لفتراتٍ طويلة، على غرار فسقية الأغالبة في مدينة القيروان (وسط)، فضلاً عن مواجل الحواضر والديار.

الصورة
تقنيات تقليدية لحفظ المياه في تونس، يونيو 2026 (العربي الجديد)
تقنيات تقليدية لحفظ المياه في تونس، يونيو 2026 (العربي الجديد)

في قلب "الدار العربي" على غرار صفاقس وسوسة والمنستير، وفي بعض القرى والأرياف، اعتمد السكان، على مدى عقودٍ، تقنيات عديدة لحفظ مياه الأمطار لأشهرٍ عدّة، حتّى تُستَغلّ في الاستخدامات المنزلية والأعمال الزراعية وغيرها. وتوارثت العائلات تلك التقنيات جيلاً بعد جيل، نظراً لتكرّر فترات الجفاف التي شهدتها تونس، إضافةً إلى افتقار مناطق عديدة إلى شبكات توزيع المياه. 

يجلس مصطفى بن عاشور (74 عاماً) متّكئاً على حافة رخامية دائرية تتوسط الفناء، وهي الفتحة المؤدية إلى الماجل الأرضي لعائلته. يتذكر مصطفى الصيف الماضي بكثير من الأسى بسبب الانقطاع المتكرر لمياه الشرب. ويقول لـ"العربي الجديد": "عندما انقطعت مياه الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه لأيام كاملة في الأحياء العصرية، اضطرّ الأهالي إلى شراء الصهاريج، بينما لم نشعر بأيّ أزمة في دارنا. ماجلنا الذي حفر أجدادي أساساته يمتلئ كلّ شتاء. كما أن مياهه خفيفة ونظيفة، والسر في نظافة السطح ومادة الجير التي تعقمه طبيعياً".

يتحسر الحاج بن عاشور وهو ينظر إلى الأبنية الحديثة التي غزت المدينة، ويضيف: "من المؤسف أن الناس بنوا بيوتاً من الخرسانة الصماء في الأحياء الجديدة، ونسوا أن يضعوا فيها ماجلاً يحميهم من تقلبات الزمن. لقد استبدلوا الأمان الذاتي بتبعية مُطلقة لشبكة تنقطع مياهها باستمرار، وقد تجفّ في أيّ لحظة".

كان الناس سابقاً يحفرون الآبار في منازلهم في فسحة الدار، أو يبنون مواجل تُحفر في جوف الأرض، وتسبّط بالإسمنت، لتجميع مياه الأمطار من سطح الدار. والسر في هذه المنظومة لا يكمن فقط في حفر الأرض، بل في فكر هندسي متكامل، إذ إنّ الماجل التراثي يعتمد على نظام ترشيح وتصفية طبيعي يبدأ من السطح المائل الذي يُطلى سنوياً بالجير الحيّ لقتل الجراثيم، يليه نظام قنوات يوفر تصفية أولية عبر الحصى والفحم، قبل أن تستقر المياه في قاع الخزان المظلم والبارد، ما يمنع تكاثر الطحالب. وترتبط تلك المواجل بشبكة توزيع وحنفيات لتسهيل الحصول على المياه.

وحكاية تخزين المياه في تونس ليست وليدة العصور الحديثة، ولا القرون القريبة الماضية، بل إنّها امتداد لطريقة معمارية ضاربة في القِدم تعود إلى العهد القرطاجي، بحسب قول المتخصّص في التنمية والتصرف في الموارد المائية حسين الرحيلي، الذي يشير لـ"العربي الجديد" إلى أنّ "المتأمل في تاريخ قرطاج يُدرك أن أمن الإمبراطورية لم يرتكز فقط على أسطولها البحري، بل على سياسة مائية صارمة اعتبرت تخزين المياه واجباً وضرورة. فالحضارات القديمة التي مرّت على البلاد كانت تعي جيّداً طبيعة المناخ شبه الجاف الذي يسود المنطقة، حيث تحوّلت الحاجة إلى ابتكار، وصار شحّ المطر يُجابَه بترسانة من الخزانات الجوفية التي جعلت من الحواضر القديمة قلاعاً صامدة في وجه أعتى موجات الجفاف".

غير أنّ العديد من الناس تخلّوا عن عادة حفر الفسقيات والمواجل في مناطق عدّة، بعد تمدّد شبكات توزيع المياه التي شملت كلّ المدن والقرى، وحتى بعض الأرياف. ولم يكن يتوقع أغلبهم أن يؤثر تغير المناخ والجفاف على استمرارية توافر المياه، ولا سيّما في فصل الصيف. لا تختلف الحكاية كثيراً في القيروان، عاصمة الأغالبة، حيث تقف الفسقيات الشهيرة شاهداً تاريخياً على هندسة لم تكن تترك قطرة مياه تذهب سدى. تقطن منية الطرابلسي (48 عاماً) على مقربة من المعلم الأثري، وتختزل ربّة المنزل المفارقة بمرارة، وتقول لـ"العربي الجديد": "نشأنا وفي جوارنا فسقية الأغالبة التي كنا نراها معلماً سياحياً نلتقط بجانبه الصور، لكنّنا لم نفهم قيمتها الحيوية إلا في الوقت الراهن. الأجداد لم يبنوا زينة أو ترفاً، بل بنوا خزانات استراتيجية لمدينةٍ كاملة في وقت الأزمات. فيما نشتري اليوم مياه الشرب في قاروراتٍ بلاستيكية، والشمس تحرق مزروعاتنا، بينما مياه الأمطار الشحيحة تضيع في مجاري الصرف الصحي. لقد أُصبنا بالعمى التنموي لأنّنا لم نتوقع أن تشهد تونس جفافاً مماثلاً لما شهدته خلال السنوات الأخيرة".

وتؤكّد المهندسة المعمارية والناشطة البيئية غفران بن أحمد أنّ "التخطيط العمراني الحديث في تونس ارتكب جريمة موصوفة بحقّ الأمن المائي عندما اعتبر المواجل والفسقيات معماراً بائداً يرتبط بالفقر أو الماضي. واندفعنا نحو الحداثة الخرسانية السطحية، واعتمدنا كلياً على شبكات مركزية وسدود مهدّدة اليوم بالتوحل التام والجفاف. لقد حوّلنا مدننا إلى مساحات عازلة تطرد المياه بدل أن تمتصها وتخزّنها لسنوات الجفاف". وتُضيف غفران: "لم يعد الأمر ترفاً تراثياً، إذ إنّنا بحاجة فورية إلى ثورة تشريعية وجرأة سياسية تفرض إدراج منظومات حصاد مياه الأمطار في مجلة العمران ورخص البناء الجديدة لكلّ المباني والمؤسسات العمومية، تماماً كما كان يفعل أجدادنا كشرط أساسي للحياة والاستقرار".

الصورة
يعاني التونسيون أزمة عطش، يونيو 2026 (العربي الجديد)
يعاني التونسيون أزمة عطش، يونيو 2026 (العربي الجديد)

وتؤكد الأرقام الحالية أن تونس دخلت مرحلة الشح المائي الهيكلي، ما يعني أن الحلول الترقيعية، مثل قطع المياه الدوري ليلاً، لم تعد تُجدي نفعاً. في المقابل، يؤكد متخصّصون في البيئة وتغير المناخ أنّ حصاد مياه أسطح المباني والمنازل في تونس الكبرى والمدن الساحلية بإمكانه توفير ملايين الأمتار المكعبة سنوياً، ما يُخفّف الضغط على السدود، ويُقلّل من فيضانات الطرقات أثناء العواصف الخريفية. ويرى خبراء بيئيون أن عودة تونس إلى المواجل والفسقيات عبر دمجها بتقنيات ضخ وتصفية حديثة، ليست تقهقراً إلى الخلف، بل هي أقصى درجات الحداثة البيئية المرتبطة بمجابهة تغير المناخ.

وفي 14 يوليو/تموز الجاري، أدان قسم العدالة البيئية والمناخية في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ما وصفه بـ"الصمت والتقاعس في التعامل مع أزمة العطش التي تتكرر سنوياً من دون حلول جذرية"، مطالباً بالتدخل العاجل لضمان التزويد المنتظم بالمياه الصالحة للشرب.