الملاريا وحمى الضنك يهددان حياة الآلاف في السودان
استمع إلى الملخص
- سجلت وزارة الصحة آلاف الإصابات بحمى الضنك، مع تضرر ولاية الخرطوم بشكل كبير، وارتفاع أسعار الأدوية والمحاليل الوريدية، مما أدى إلى تعطيل الدراسة في بعض المناطق.
- تواجه المستشفيات نقصًا حادًا في الأدوية والكوادر، وتكافح وزارة الصحة الأمراض عبر تجفيف البرك ورش المبيدات، رغم التحديات المستمرة بسبب الأمطار ونقص الموارد.
تفشت الملاريا وحمى الضنك في مناطق واسعة بالسودان خلال الأسابيع الماضية، ما أدى إلى نفاد الأدوية، وتجاوز المستشفيات الطاقة السريرية، ما يفاقم تدهور أوضاع المرضى، ويخلف وفيات.
يشهد السودان تفشياً لعدد من الأمراض الخطرة، من بينها الملاريا وحمى الضنك والكوليرا، والتهاب الكبد الوبائي والتيفوئيد، في حين تشير التقارير الحكومية إلى استمرار عودة آلاف اللاجئين والنازحين إلى المُدن والقرى في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني، مع فرار آلاف آخرين من مناطق القتال في إقليمي كردفان ودارفور.
ويضطر الأطباء في بعض المناطق، بما فيها العاصمة الخرطوم، إلى تنويم المرضى في المنازل، نتيجة عدم توفر أسرة خالية في المستشفيات، كما تضاعف سعر حقن الملاريا والمحاليل الوريدية التي تستخدم لخفض حرارة أجسام المرضى عدة مرات، نتيجة تزايد أعداد الإصابات.
وبدأ انتشار حمى الضنك في السودان خلال عام 2021، لكن الأعداد تزايدت في ولايات الشمال والوسط في الآونة الأخيرة، وسجلت وزارة الصحة الاتحادية في الأسبوعين الأولين من سبتمبر/أيلول، 2910 إصابات، في حين تعاني كل الولايات تقريباً من عدوى الملاريا.
وقالت الوزارة في تقرير نشره مركز عمليات الطوارئ الاتحادي، إن حمى الضنك القاتلة استشرت في خمس ولايات، وكانت أكبر أعداد الإصابات في ولاية الخرطوم بنسبة 74%، تليها ولايات الجزيرة والنيل الأبيض (وسط) وكسلا (شرق) والنيل الأزرق الواقعة على الحدود الإثيوبية على الترتيب.
تسجيل 13,692 إصابات بحمى الضنك في ولاية الخرطوم منذ يناير/ كانون الثاني الماضي، وارتفعت أسعار المحاليل الوريدية من 3000 إلى 25 ألف جنيه سوداني
وكشفت وزارة الصحة المحلية بولاية الخرطوم، والتي تتكون من سبع محليات، عن إصابة 13,692 مواطناً بحمى الضنك منذ يناير/ كانون الثاني الماضي، وحتى 23 سبتمبر، وفصلت بأن محلية كرري سجلت 7245 إصابة، تليها محلية جبل أولياء بـ1702 إصابة، فمحلية أم درمان بـ1676، ومحلية شرق النيل بـ1241، ومحلية بحري بـ1019 إصابة، أما محلية الخرطوم فسجلت 809 إصابات، بينما لم تشر إلى أرقام محلية أمبدة، وهى الأعلى كثافة سكانية في الولاية.
من محلية شرق النيل بولاية الخرطوم، يقول محمد عادل آدم، لـ"العربي الجديد"، إن "ستة من أفراد أسرته مصابون بحمى الضنك، في حين ارتفعت أسعار المحاليل الوردية المستخدمة للعلاج من ثلاثة آلاف جنيه سوداني إلى 25 ألفاً (نحو 10 دولارات) منذ تزايد الإصابات في الولاية. تشهد منطقتنا تزايداً خطيراً في الإصابات بحمى الضنك والملاريا، مع نقص حاد في الأدوية، وقلة المستشفيات العاملة".
وكشفت غرفة طوارئ بحري (تطوعية) عن انتشار واسع لحمى الضنك والملاريا بأحياء محلية بحري، وأكدت في تقرير نشرته في 14 سبتمبر الماضي، أن عدد الإصابات بالملاريا بلغ 2137 إصابة موزعة على أحياء المحلية، ومن بينها حي الشعبية 893 إصابة، وحي الدناقلة 318 إصابة، وحي حلة خوجلي 350 إصابة، وحي كوبر 250 إصابة، وحي الثمانيات 125 إصابة، بينما عدد الإصابات بحمى الضنك التي جرى تسجيلها تتجاوز 750 إصابة، و1177 إصابة بالتيفوئيد.
وفي مدينة أم درمان، الضلع الثالث للعاصمة الخرطوم، امتنعت المستشفيات عن استقبال مرضى حمى الضنك والملاريا بعد أن امتلأت أسرتها، واضطر الأطباء لتنويم المرضى في منازلهم. ويقول على حمد لـ"العربي الجديد": "ثلاثة عشر فرداً من أسرتي مصابون بحمى الضنك، وهم ينامون في المنازل لأن مستشفى النو القريب يرفض استقبال المرضى لعدم وجود أسرة خالية".
ومن أم درمان، يصف الطريفي حامد انتشار الملاريا والضنك بأنه غير مسبوق، ويقول لـ"العربي الجديد": "يكاد يكون الجميع مصابين بالملاريا وحمى الضنك، ولا يمكن أن تدخل بيتاً ولا تجد فيه مريضاً، والجهات المسؤولة عن صحة المواطن كأنها تفاجأت بالحميات التي تأتي دائماً في فصل الخريف، وتنتشر بسبب ركود المياه في برك داخل الأحياء. أجهضت زوجتي للمرة الثانية بسبب الحمى، وقد تعرضت للإجهاض في العام الماضي، وأيضاً أجهضت في العاشر من سبتمبر، وفي الحالتين كان تقرير الطبيب أن السبب هو حمى الضنك".
وفي آخر تقرير لمركز عمليات الطوارئ الاتحادي، والذي ينشر أسبوعياً، أكد أن "عدد الإصابات بالملاريا في بعض الولايات تعدى عتبة الوباء، بينما ما زال في ولايات أخرى في مرحلة التنبيه". ولجأت ولاية الجزيرة (وسط) إلى تعطيل الدراسة بالمدارس الثانوية لمدة خمسة عشر يوماً بسبب تفشي الحميات، ونشرت وزارة التربية والتعليم بالولاية، في 18 سبتمبر، بياناً أعلنت فيه تعطيل الدراسة في الفترة من 21 سبتمبر حتى 4 أكتوبر/تشرين الأول.
من مدينة ود مدني بولاية الجزيرة، يقول عبد المنعم إبراهيم لـ"العربي الجديد": "عدد الإصابات بالملاريا وحمى الضنك أصبح يفوق المتوقع، وكل أسرة في المدينة يوجد بها أكثر من فرد مصاب. يعود التفشي الكبير إلى مياه الأمطار التي غمرت المنطقة، ولم يجر تصريفها، ولأكثر من عامين لم تُزل الحشائش التي نمت في مجاري مياه الأمطار وبرك المياه الراكدة وفي مشروع الجزيرة الزراعي القريب من المدينة، ما تسبب في نمو الحشائش، وخلق بيئة مناسبة لتوالد البعوض الناقل للأمراض، ما تسبب في تزايد تفشي الملاريا والضنك".
بدوره، يقول طبيب من مستشفى ود مدني، فضل عدم ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد": "أعداد المترددين من المصابين بالملاريا وحمى الضنك يتجاوز 370 مريضاً في اليوم الواحد، واضطرت المستشفى لعدم حجز المرضى بسبب ضيق سعتها السريرية".
ولا يختلف الواقع في ولاية كسلا (شرق) عن بقية الولايات، إذ ارتفع عدد الإصابات إلى مستويات قياسية، ويقول التوم مبارك لـ"العربي الجديد": "تسعة من أفراد أسرتي مصابون بالملاريا وحمى الضنك، ويتلقون العلاج في مركز صحي خاص بعد نفاد الأدوية من صيدلية المستشفى الحكومي. زاد سعر المحلول الوريدي الذي يستخدم لخفض حرارة الجسم إلى تسعة آلاف جنيه، ونادراً ما يتوفر".
ومن ولاية سنار التي تتميز بهطول أعلى معدلات الأمطار بالسودان، يقول طبيب بمستشفى سنجة عاصمة الولاية لـ"العربي الجديد": "التردد اليومي على المستشفى من قبل مرضى الملاريا يتراوح بين 40 و55 مصاباً يومياً، وفي بعض المناطق يرتفع العدد إلى أكثر من 60 إصابة. لا يمكن الحد من المرض في ظل استمرار هطول الأمطار، وزيادة نمو الحشائش، وتزامن ذلك مع النقص الشديد في الأدوية والكوادر الطبية".
ووجهت الجهات الصحية معامل الفحص إلى تشخيص أي حالة ملاريا على أنها مصابة بحمى الضنك كذلك، ويقول محمد السر، وهو فني معمل بولاية النيل الأبيض لـ"العربي الجديد": "وزارة الصحة أصدرت توجيهات غير مكتوبة لجميع معامل الفحص بأن يجري تشخيص الحالات المرضية بأنها ملاريا وضنك معاً، وأصبح الأطباء يمنحون المرضى دواء الملاريا ومحاليل البندول الوريدية التي تستخدم في علاج حمى الضنك. لا توجد في كثير من الولايات أجهزة لفحص حمى الضنك، ولذا يلجأ الأطباء إلى خيار منح المرضى العلاج".
وفي إقليم دارفور الذي يعتبر مسرحاً للعمليات العسكرية النشطة، تنتشر الملاريا في المُدن والأرياف. بينما تقول وزيرة الصحة بحكومة شمال دارفور، خديجة موسى، لـ"العربي الجديد": "تنتشر الملاريا داخل مدينة الفاشر المحاصرة فقط، ولم تسجل أي حالات بحمى الضنك، لكن لدينا شح كبير في أدوية الملاريا، ويحصل عليها المرضى بمشقة".
في حين تضاعف الملاريا معاناة سكان ولاية جنوب دارفور، التي تشهد تفشياً خطيراً لإصابات الكوليرا، والذي بلغ عدد المصابين به حتى 27 سبتمبر، أكثر من 5507 إصابات، توفي منهم 264. ويقول الطبيب أحمد إسحاق لـ"العربي الجديد": "تنتشر الملاريا بين المواطنين، ورغم خطورة الأمر ينصب الاهتمام حالياً على مكافحة الكوليرا التي تحصد الأرواح يومياً. نتوقع ارتفاع الإصابات بالملاريا في الأيام القادمة، رغم سعى وزارة الصحة المحلية إلى الحد منها بتوزيع الناموسيات على السكان في محليات الولاية المختلفة".
وتخضع ولاية جنوب دارفور لسيطرة قوات الدعم السريع، ويحصل المرضى على علاج الملاريا من السوق السوداء بأسعار باهظة، في حين تقوم بعض المنظمات الإنسانية بتوزيع الأدوية بالمجان على المستشفيات، لكن في المناطق النائية، يضطر المرضى إلى شراء الدواء من الصيدليات، وقد تضاعفت الأسعار عدة مرات.
وتعتمد وزارة الصحة الاتحادية تجفيف البرك المليئة بمياه الأمطار، ورش المنازل بالمبيدات الحشرية كطريقة للقضاء على الملاريا والضنك، وأفادت الوزارة، السبت الماضي، بأنها دربت 7800 مفتش منزلي لتفتيش أماكن توالد البعوض داخل المنازل، مع إمكانية تغطية 936 ألف منزل بولاية الخرطوم أسبوعياً.