المغرب يحبط محاولة عبور جماعي جديدة نحو سبتة ويوقف 294 مهاجراً

15 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 20:39 (توقيت القدس)
مخاوف من عبور جماعي جديد نحو سبتة، 14 أغسطس 2026 (أدري ساليدو/Getty)

عزّزت إسبانيا والمغرب، اليوم السبت، التدابير الأمنية عند الحدود مع مدينة سبتة الخاضعة للسيادة الإسبانية، والتي تتمتع بحكم ذاتي، فيما أكدت السلطات المغربية إحباط محاولة عبور جماعي لمهاجرين غير نظاميين. وتحدثت هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية الإسبانية (آر تي في إيه) وغيرها من وسائل الإعلام في إسبانيا عن هدوء الأوضاع عند المعبر الحدودي في مدينة سبتة صباح اليوم في أعقاب الحادثة.

وبحسب مصدر أمني مغربي، السبت، تم توقيف 294 مهاجراً غير نظامي في مدينة الفنيدق وضواحيها، من بينهم 248 مهاجراً من دول أفريقيا جنوب الصحراء، بالإضافة إلى 46 شخصاً يحملون الجنسية المغربية. عقب محاولة عبور جماعي نحو مدينة سبتة. وبينما أكد المصدر ذاته أن هذه الحصيلة تظل مؤقتة وقابلة للارتفاع، في ظل استمرار العمليات الأمنية المكثفة التي تباشرها مختلف القوات العمومية والمصالح الأمنية بمحيط مدينة الفنيدق، بهدف التصدي لمحاولات الهجرة الجماعية ومنع أي تسلل نحو مدينة سبتة المحتلة، ما زال مئات المهاجرين غير النظاميين، معظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء، يرابطون في الجبال القريبة من مدينة سبتة يتحينون الفرصة للتسلل أو لاختراق جماعي لمدينة سبتة، وفق مصادر محلية تحدثت لـ"العربي الجديد".
وقال بيان لمحافظة الفنيدق، نقلاً عن مسؤول لم يسمّه، بحسب ما تنقل وكالة الأناضول، إنّ الانتشار المكثف للقوات الأمنية ساهم في منع أي عبور جماعي للمهاجرين غير النظاميين في محيط سبتة ومليلية، مؤكداً أن الوضع الأمني "طبيعي ومتحكم فيه". وأضاف أن عمليات الرصد المعلوماتي ستتواصل لضبط المتورطين في التحريض الرقمي على الهجرة الجماعية، بالتوازي مع استمرار العمليات الميدانية لمنع محاولات العبور غير النظامي وتوقيف المتورطين في تنظيمها. وأوضح أنّ السلطات عبأت موارد بشرية ومعدات لوجستية لمنع محاولات العبور الجماعي، بينها طائرات مسيرة للرصد عن بعد، وآليات للتدخل وشاحنات لضخ المياه بهدف منع الاحتكاك المباشر مع المهاجرين.

وتأتي محاولة العبور اليوم السبت في وقت قالت فيه وزارة الداخلية المغربية إنّها رصدت دعوات مجهولة المصدر عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى تنظيم محاولات عبور جماعي غير قانوني خلاله نحو سبتة ومليلية الخاضعتين للسيادة الإسبانية.

وتشدّد سلطات البلدين على ضرورة الحيلولة دون تكرار الأحداث التي وقعت في نهاية يوليو/ تموز الماضي، عندما اقتحم ما يصل إلى 80 ألف مهاجر غير نظامي مدينة سبتة، بحسب تقديرات مختلفة، فيما تشير معطيات أخرى إلى تدفق أكثر من 70 ألفاً خلال 24 ساعة. وكان وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا قد أكد، أخيراً، أنّه "حدث استثنائي لن يتكرّر مجدّداً".

وقبل أيام، أفادت وزارة الداخلية المغربية كذلك باعتقال مجموعة من الأشخاص يُشتبه في تحريضهم على محاولات جديدة للعبور بشكل غير قانوني من المغرب إلى مدينتَي سبتة ومليلية، كاشفةً عن دعوات جرى تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي من أجل عبور جماعي اليوم في 15 أغسطس/ آب الجاري. وفقا لـ"أسوشييتد برس" وأوضحت الوزارة أنّ السلطات اتّخذت كلّ الإجراءات اللازمة لمنع العبور غير القانوني واعتراض الأشخاص الذين يحاولون المشاركة.

إجراءات محدودة رغم التحذيرات

وفي الأسابيع التي سبقت تدفق المهاجرين غير النظاميين إلى مدينة سبتة في يوليو/ تموز الماضي، حذّر عاملون في مراقبة الحدود الحكومة الإسبانية المركزية من وصول أعداد متزايدة من الأشخاص بحراً، مدفوعين بما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وأضافوا أنهم كانوا يخشون حدوث تصعيد. وقالوا إنّ الحكومة الإسبانية لم تستجب لهذه التحذيرات ولم تتّخذ سوى إجراءات محدودة.

وجاء في حكم قضائي إسباني نُشر في 29 يونيو/ حزيران أنّه لا يمكن إعادة المهاجرين فوراً عند محاولتهم دخول سبتة إلا إذا اجتازوا حاجزاً مادياً، موضحاً أنّ من يصلون إلى المدينة سباحة لا ينطبق عليهم ذلك. وشجّعت الأنباء المتعلقة بهذا الحكم ومقاطع الفيديو التي أظهرت مهاجرين ينجحون في دخول سبتة أعداداً متزايدة على خوض التجربة.

وألقت الحكومة الإسبانية باللّوم في التدفق الذي وقع يومَي 29 و30 يوليو وشهد سقوط قتلى على شبكاتٍ إجرامية نشرت معلوماتٍ مضلّلة بشأن الحكم. ولكنّ تحذيرات علنية وأخرى داخلية أصدرتها نقابتان تمثلان العاملين على الحدود تبرز أنّ السلطات الإسبانية تلقّت قبل أسابيع تحذيرات من احتمال تصاعد أعداد الوافدين إلى المدينة، وجرى حثّها على التحرك بسرعة.

وتقول السلطات الإسبانية إنّ 80 شخصاً لقوا حتفهم خلال التدفق، فيما أعلنت السلطات المغربية انتشال 14 جثة في أراضيها، ما يرفع عدد الوفيات المؤكدة إلى 94، معظمها غرقاً. وتقول جماعات حقوقية إنّ هناك مزيداً من المفقودين، وقد يكون العدد الفعلي للقتلى أعلى من ذلك.

وردّاً على تعليقات مفادها أن إسبانيا لم تتحرك في الوقت المناسب، قال متحدث باسم وزارة الداخلية الإسبانية إنّ السلطات درست خيارات عدّة بعد صدور الحكم القضائي قبل أن تضع حاجزاً عائماً في البحر في الأول من أغسطس/ آب الجاري. وأضاف في بيان مكتوب لوكالة رويترز: "أتاح هذا العمل التقييمي والتحليلي المسبق وضع الحاجز العائم خلال 48 ساعة فقط من اتخاذ قرار تركيبه، وذلك عقب التدفق الجماعي للمهاجرين في 30 يوليو".

جندية إسبانية ومهاجرون مراهقون في سبتة، 10 أغسطس 2026 (Getty)
لجوء واغتراب
التحديثات الحية

ثغرة قانونية تستدعي بروتوكولات واضحة

وقد راجعت "رويترز" ستّ حالات من البيانات المكتوبة والرسائل الموجّهة إلى ممثل الحكومة الوطنية في سبتة وقائد شرطة المدينة من النقابتين الإسبانيتين اللتين تمثلان أفراد الحدود، تطالبان فيها بتوجيهات وإجراءات من الحكومة بعد صدور قرار المحكمة. وأفادت نقابة الحرس المدني، في بيانٍ نشرته في 10 يوليو، بأنّ "الحكم فتح ثغرة قانونية لا يمكن سدّها إلا ببروتوكولات محددة بوضوح". وأضافت: "إلى أن يتم تركيب حاجز مادي في البحر، فإنّ الكرة في ملعب أولئك الذين يتعيّن عليهم تقديم تعليمات واضحة للعاملين على الحدود كلّ ليلة".

وبعد ذلك بثلاثة أيام، حذّرت نقابة الشرطة عبر "إكس" حيث قالت: "تحلّل العصابات الإجرامية كلّ تغيير معياري وقانوني وتعدل مساراتها وأساليبها عندما تلاحظ أنّ إجراءات الإعادة صارت أبطأ أو أكثر تعقيداً". ودعت إلى تعزيز عدد أفراد الشرطة ووضع سياسة هجرة "متّسقة وفعالة" لتجنّب استغلال الحكم.

وفي رسالة موجهة إلى قائد شرطة سبتة بتاريخ 23 يوليو الماضي، وقد اطّلعت عليها "رويترز" كذلك، أشارت النقابة إلى أن "البنية التحتية التقليدية للشرطة لم تصمم للتعامل مع الوصول المستمر عبر البحر، مع ما يترتب عن ذلك من تداعيات مباشرة على الموظفين"، ودعت إلى إنشاء مركز استقبال موقت. ولم ترد وزارة الداخلية الإسبانية، المسؤولة عن الشرطة، على طلب للتعليق، بينما عرض مندوب الحكومة تحديد موعد بعد أسابيع، وفقاً لمتحدثين باسم نقابتَي الحرس المدني والشرطة. وقال متحدث باسم المندوب إلى سبتة إنّه لا توجد صلة بين ارتفاع أعداد الوافدين قبل 29 و30 يوليو والعبور الجماعي الذي تلا ذلك. وأضاف أن المندوب لم يتمكن من حضور الاجتماعات التي طلبت النقابتان عقدها، ولكنّه على اتصال مستمر بالشرطة والحرس المدني. ورفض المتحدثون باسم الشرطة والحرس المدني تأكيد طبيعة المناقشات مع المندوب. وقالت نقابة الشرطة إنّه لم تصدر تعليمات جديدة في أيّ اجتماعات ربما عُقدت.

عامل الجذب قوي جداً

ويُعدّ المغرب واحداً من بلدانٍ عدّة في شمال أفريقيا يقدّم لها الاتحاد الأوروبي أموالاً للمساعدة في مراقبة حدودها. وقد تلقّت الرباط 152 مليون يورو (176 مليون دولار أميركي) في عام 2023. ويقول المغرب إنّه ينفق نحو 500 مليون يورو سنوياً على مراقبة الحدود في الشمال، ويكثف عمليات التفتيش الحدودية عند رصد دعوات إلى العبور الجماعي على وسائل التواصل الاجتماعي، وفقاً لمحللين. ورغم أنّ موظفي الحدود الإسبان والمغاربة رصدوا مزيداً من محاولات العبور منذ منتصف يوليو، فإنّ الإجراءات الأكثر صرامة في المغرب، مثل التفتيش في محطات الحافلات والقطارات، لم تبدأ إلا قبل يوم أو يومين من العبور الجماعي.

وأفادت تقارير إعلامية وشهادات منظمات غير حكومية وشاهد من "رويترز" بأنّ المغرب لم يرسل تعزيزات كبيرة إلا عندما بلغت موجة الوافدين عشرات الآلاف في 29 يوليو المنصرم. وفي المغرب، قال مسؤول حكومي كبير للوكالة إنّهم سألوا نظراءهم الإسبان بعد صدور الحكم عمّا إذا كان ذلك سيؤدي إلى مشاكل. ولم يكشفوا عن ردّ إسبانيا. وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أن التعامل مع العواقب وقع على عاتق إسبانيا. وقال المسؤول الحكومي المغربي الكبير للصحافيين في الثالث من أغسطس الجاري إنّ زيادة أعداد قوات الأمن لم تكن لتحقق شيئاً، مشيراً إلى أنّ عامل الجذب قوي جدّاً.

جهود الاتحاد الأوروبي لردع المهاجرين

ويثير تدفق المهاجرين على الحدود وموقف مدريد والرباط في الأسابيع التي سبقته تساؤلات بشأن اعتماد أوروبا على دول أخرى في مراقبة حدودها. ومع ذلك، أشادت إسبانيا والمغرب بتعاونهما، وأعلن الاتحاد الأوروبي استعداده لتقديم مزيد من الدعم المالي. وأشارت المفوضية الأوروبية في بيان إلى مواصلة العمل مع إسبانيا والمغرب لتعزيز أمن الحدود، وقالت إنّ البلدين يجريان تحقيقاً في أحداث الشهر الماضي على الحدود. غير أنّ المسؤولين المغاربة شدّدوا على ضرورة بذل أوروبا جهوداً أكبر لردع المهاجرين في المقام الأول.

واتّخذت الحكومة الإسبانية نهجاً مختلفاً في ملف الهجرة عن العديد من الدول الأخرى، إذ دعت إلى اتّباع نهج أكثر إنسانية، وأقدمت على تسجيل المهاجرين غير النظاميين لتمكينهم من العمل ودعم اقتصادها سريع النمو. وتساءل وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، في مقابلة مع وكالة "إي.إف.إي" الإسبانية للأنباء الأسبوع الماضي، قائلاً: "إذا كانت إسبانيا تعلن استعدادها لاستقبال جميع المهاجرين، فلماذا نجبر الناس على تسلق الأسوار وإلقاء أنفسهم في البحر؟... فلنفتح الحدود... إذا كنتم ستستقبلونهم، فلماذا نمنعهم؟".