المغرب والفيضانات.. خطر محدق يتكرر كل عام

16 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:18 (توقيت القدس)
مياه الأمطار تغمر شارعاً شمال المغرب، 5 مارس 2021 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهد المغرب تكرارًا للفيضانات المدمرة، مثل فيضانات آسفي وطنجة، مما يثير تساؤلات حول أسبابها وضرورة اتخاذ تدابير وقائية فعالة.
- يشدد الخبراء على أهمية الانتقال إلى استراتيجيات استباقية لمواجهة الفيضانات، مثل فرض قيود على البناء في المناطق الفيضانية، وتطوير بنية تحتية مرنة، وإنشاء أنظمة إنذار مبكر.
- تعكس فيضانات آسفي التحديات المناخية والبيئية، مما يبرز الحاجة إلى تحديث شبكات تصريف المياه وتعزيز المساحات الخضراء، والاستثمار في الوقاية والتخطيط المستدام لحماية السكان والبنية التحتية.

أعادت السيول الجارفة الذي ضربت إقليم آسفي غربي المغرب، أول من أمس الأحد، مخلفة خسائر بشرية ومادية جسيمة، إلى الأذهان ذكريات مؤلمة عاشتها البلاد خلال السنوات الأخيرة. كما فتحت النقاش حول أسباب تكرار مشاهد الفيضانات والسيول في مناطق عدة من البلاد. وعلى الرغم من كونها موسمية، إلا أن الفيضانات أصبحت تشكل، خلال السنوات الماضية، تهديدا متكررا في العديد من مناطق المملكة، حيث تتسبب في خسائر بشرية وتدمير المنازل والبنية التحتية، كما كان الأمر في إقليم طاطا جنوب البلاد خلال سبتمبر/ أيلول 2024، حين لقي 18 شخصا مصرعهم ودمرت المئات من البيوت والممتلكات.

ويبقى من أبرز حوادث الفيضانات في المغرب خلال السنوات الماضية، ما عاشته مدينة طنجة شمال البلاد في 8 فبراير/ شباط 2021 بعد مصرع 28 عاملا إثر تسرب مياه الأمطار إلى مصنع غير مرخص. وبين عامي 2012 و2019، لقي 89 شخصا حتفهم في سلسلة من الفيضانات التي ضربت مناطق تارودانت وأكادير وتطوان والمضيق ومنطقة كلميم وسيدي إفني وورزازات وسلا والرباط وزاكورة وطاطا والرشيدية، ودمرت أكثر من 200 منزل في تارودانت وحدها وأصيب 27 شخصا في الرشيدية. وفي عام 2010 وحده، لقي 42 مغربيا مصرعهم في فيضانات ضربت بوسكورة، والقصيبة، وتازة، وميدلت، وخنيفرة، وتيفلت، والحسيمة، ووزان، وبوزنيقة، وورزازات، وزاكورة، وسلا، والرباط، والدار البيضاء.

الصورة
شارع غمرته المياه بعد فيضانات اجتاحت المغرب، 7 سبتمبر 2024(Getty)
شارع غمرته المياه بعد فيضانات اجتاحت المغرب، 7 سبتمبر 2024(Getty)

يقول رئيس جمعية "بييزاج لحماية البيئة" الناشط في مجال قضايا البيئة والتنمية المستدامة، رشيد فاسح، إن المأساة تتجدد سنويا مع دخول موسم الأمطار القوية بالمغرب، موضحا: "من ضحايا كلميم مرورا بطاطا ومناطق أخرى لا يسع المجال لذكرها، إلى مشهد المياه التي تجتاح الطرق والمنشآت والدور السكنية والدواوير وانحراف الحافلات والسيارات وانهيار القناطر وارتفاع حصيلة الخسائر البشرية والمادية، نجد أنفسنا جميعا أمام سؤال مؤرق: لماذا تتكرر هذه الكوارث، ومتى ننجح في بناء جدار وقائي حقيقي يحمي مدننا ومواطنينا؟".

ويرى فاسح، في حديث مع "العربي الجديد"، أن التعامل مع الفيضانات في المغرب لم يعد محتملا أن يظل رهين المقاربة الطارئة القائمة على "الإنقاذ والإغاثة" بعد وقوع الكارثة، مؤكدا أنه حان الوقت للانتقال إلى مرحلة الاستباق، والوقاية القبلية الصارمة، والتكيف الفعال مع مناخ متغير، موضحا أن البناء في الوادي خط أحمر يجب التوقف عنده، معتبرا أن جذر الإشكالية يتمثل في ثلاثة تحديات متقاطعة، أولها وأخطرها: العمران في المناطق الفيضانية، فحينما تبنى المنازل والمنشآت على ضفاف الأودية، أو في مساراتها القديمة، فإننا نكون قد حولنا مسار المياه الطبيعي إلى منطقة صراع مفتوحة، إذ لا يمكن للمياه أن تختفي؛ إنها تسترد مسارها، ويكون الثمن هو أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

هل توجد خطط استباقية لمواجهة الفيضانات في المغرب؟

يضيف فاسح أن الحل الأول والأساسي يكمن في فرض هندسة التخطيط المستنير من خلال ضرورة تفعيل مخططات منع مخاطر الفيضانات (PPRI) وتطبيقها بشكل غير قابل للتفاوض، ومنع أي شكل من أشكال التعمير في المناطق المصنفة "مناطق خطر". هذا قرار صعب، لكنه ضروري لحماية الحياة، يؤكد الخبير البيئي المغربي، مشيرا إلى أن المنظومة الوقائية هي مقاربة شاملة متعددة الأوجه، وأن الوقاية لا تقتصر على منع البناء؛ بل هي منظومة متكاملة تستهدف الجاهزية على كافة المستويات: البنية التحتية والمنشآت الذكية، والإنذار المبكر والتواصل الفوري.

وفي السياق، يؤكد على ضرورة إعادة تقييم البنية التحتية وتصميمها لتكون "مرنة" أمام الكوارث بما يعني صيانة الأودية وتنقيتها  وإزالة جميع العوائق والرواسب التي تعيق تدفق المياه، وبناء منشآت التحكم من خلال تطوير السدود الصغيرة وأحواض التجميع الموضعية حول المدن الكبرى، والتي تعمل بمثابة حواجز ومصد لتقليل سرعة السيول وتدفقها قبل دخولها المناطق المأهولة بالسكان. بالإضافة إلى تقوية المنشآت الطرقية: ضمان أن القناطر والمنشآت الفنية قادرة على استيعاب معدلات تدفق مائي أعلى من المعدلات الحالية.

الصورة
شارع متضرر بالفيضانات في آسفي، 15 ديسمبر 2025 (الأناضول)
شارع متضرر بالفيضانات في آسفي، 15 ديسمبر 2025 (الأناضول)

من جهة أخرى، يعتبر فاسح أن منظومة الإنقاذ الفعالة تبدأ قبل العاصفة بأيام. ويتطلب الأمر نظاما إنذاريا جويا مائيا متطورا، يتميز بدقة التوقع المكاني وآلية تواصل سريعة وموجهة، لافتا إلى أن برنامج التكيف مع التغيرات المناخية يجب أن يستهدف استغلال هذه السيول من خلال الاستثمار في تقنيات حصاد مياه الأمطار وإعادة شحن الفرشات المائية، بدلاً من تركها تضيع في البحر أو تتسبب في الدمار. هذا الدمج بين حماية المدن وتحقيق الأمن المائي يمثل قمة الاستراتيجية المستدامة. ويخلص فاسح إلى أن الوقاية من الفيضانات ليست مجرد مسألة تقنية أو مالية؛ إنها قرار سياسي وإداري حاسم، وأن الأمر يتطلب الشجاعة لفرض القانون على المخالفين في مجال التعمير، والإرادة لتمويل البرامج الوقائية على المدى الطويل بدلاً من التركيز على الترميم والإغاثة المؤقتة.

من جهته، يقول رئيس جمعية "المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ"، مصطفى بنرامل، إن فيضانات آسفي أعادت إلى الواجهة إشكالية الهشاشة المناخية بالمدن الساحلية المغربية، وما يرافقها من تحديات عمرانية واقتصادية واجتماعية، لافتا إلى أن التساقطات المطرية القوية، التي يُفترض أن تكون عامل خير، تحولت إلى مصدر قلق حقيقي للسكان والسلطات المحلية، بسبب حدّتها وتزامنها مع اختلالات بنيوية مزمنة.

ويوضح بنرامل، في تصريح لـ "العربي الجديد"، أن فيضانات آسفي تندرج ضمن السياق العام للتغيرات المناخية التي يشهدها المغرب، حيث أصبح التناوب بين فترات الجفاف الطويلة وتساقطات مطرية غزيرة وفي وقت وجيز سمة بارزة للمناخ. ويقول بنرامل إن هذا النمط غير المنتظم يؤدي إلى تشبع سريع للتربة وعجزها عن امتصاص المياه، ما يرفع من منسوب الجريان السطحي ويزيد من مخاطر الفيضانات، خاصة في المناطق الحضرية المنخفضة والقريبة من مجاري الأودية.

ويرى الخبير البيئي المغربي أنه لا يمكن فصل الأسباب المناخية عن العوامل البشرية، إذ يعاني عدد من أحياء المدن المغربية كآسفي من ضعف شبكات تصريف مياه الأمطار، وقدم البنية التحتية، إضافة إلى التوسع العمراني غير المنظم في مناطق معرضة للفيضانات. كما يساهم انسداد قنوات الصرف بسبب النفايات الصلبة والبلاستيكية في تفاقم الوضع، محولا الشوارع والأحياء إلى مجار مائية مؤقتة. وأشار بنرامل إلى أن فيضانات آسفي تكشف، مرة أخرى، الحاجة الملحة إلى اعتماد مقاربة استباقية في تدبير المخاطر المناخية، تقوم على تحديث شبكات تصريف المياه، واحترام معايير التهيئة الحضرية، وتعزيز المساحات الخضراء القادرة على امتصاص المياه. كما يظل رفع الوعي البيئي لدى المواطنين، ومحاربة التلوث، خاصة البلاستيكي، عنصرين أساسيين في الحد من حدة الفيضانات. ويتابع: "لم تعد الفيضانات مجرد حوادث عرضية، بل باتت مؤشرات واضحة على تأثير التغيرات المناخية وتراكم الاختلالات البنيوية. ومع تزايد حدة الظواهر المناخية المتطرفة، يصبح الاستثمار في الوقاية والتخطيط المستدام خيارا استراتيجيا لا غنى عنه لحماية السكان، وصون البنية التحتية، وضمان استقرار الاقتصاد المحلي، في إطار رؤية وطنية شاملة للتكيف مع التغيرات المناخية".

المساهمون