المغرب: رهان على تخفيض العقوبات لتخفيف اكتظاظ السجون

20 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 03:15 (توقيت القدس)
في سجن قرب الرباط، 26 مايو 2021 (فاضل سنّا/فرانس برس)

يراهن المغرب على آلية التخفيض التلقائي للعقوبة لفائدة السجناء، بهدف تخفيف معدل الاكتظاظ في سجون المملكة، بعدما وصل إلى مستويات قياسية بتجاوز عدد الساكنة السجنية (السجناء) مائة ألف شخص. وفي السياق، أعلنت وزارة العدل المغربية، أخيراً، الإفراج عن 8947 سجيناً منذ بداية العام الجاري حتى 15 مارس/آذار الماضي، بفضل نظام التخفيض التلقائي للعقوبة، من دون الحاجة إلى عفو استثنائي، واستفادة أكثر من 88 ألف سجين عبر احتساب تخفيضات تراوحت بين يومين وخمسة أيام عن كلّ شهر، وهو ما ساهم في التخفيف من الاكتظاظ السجني، وتعزيز البُعد الإصلاحي للعقوبة، بحسب الوزارة.
وتُعتبر آلية التخفيض التلقائي للعقوبة لفائدة السجناء من أبرز التدابير التحفيزية التي أرساها قانون المسطرة الجنائية الجديد لفائدة السجناء، باعتبارها آلية جديدة تهدف إلى تشجيعهم على الانضباط والانخراط في برامج الإصلاح وإعادة الإدماج، وفق مقاربة تربط الاستفادة من التخفيض بتحسّن سلوك السجين داخل المؤسسة السجنية. وإلى جانب العقوبات البديلة، اعتمد المشرّع المغربي نظام التخفيض التلقائي للعقوبة، باعتباره آلية حديثة للتخفيف من الضغط على المؤسسات السجنية، وتشجيع السجناء على الانضباط وحسن السلوك داخل السجن.
وقد دخل هذا النظام، المنصوص عليه في المادة 1-632 وما يليها من قانون المسطرة الجنائية، حيّز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية، ليشكل أحد أبرز مستجدات السياسة الجنائية المغربية خلال عام 2026. ويحدّد القانون مدد التخفيض بخمسة أيام عن كلّ شهر بالنسبة للمحكوم عليهم بسنة أو أقل، وشهر عن كلّ سنة بالنسبة للمحكوم عليهم بأكثر من سنة، مع مضاعفة هذه المدد لفائدة الأحداث، تكريساً للنزعة الإنسانية في السياسة العقابية. كما يقوم النظام على مبدأ "التلقائية المضبوطة"، إذ يجري التخفيض بشكل آلي مع بقاء سلطة الرقابة والسحب لقاضي تطبيق العقوبات، في حال الإخلال بالضوابط القانونية أو السلوكية.
وتتولّى هذه العملية، بشكل تلقائي، لجنة مختصة داخل كل مؤسسة سجنية، تضمّ مدير المؤسسة السجنية، ورئيس المعقل، والمشرف الاجتماعي، ورئيس مكتب الضبط القضائي، وطبيب المؤسسة، وتعمل بتنسيقٍ مع قاضي تطبيق العقوبات ووكيل الملك، بهدف تتبّع شروط الاستفادة، وضمان حسن تطبيق المقتضيات القانونية المرتبطة بالتخفيض التلقائي.

تسعى سلطات المغرب إلى تخفيف عدد السجناء، القنيطرة، 31 أغسطس 2021 (فاضل سنّة/ فرانس برس)
مساعي لتقليص عدد السجناء، القنيطرة، 31 أغسطس 2021 (فاضل سنا/فرانس برس)

وعلى الرغم من تحسّن ظروف الإقامة والخدمات اللوجستية وبرامج التأهيل داخل السجون المغربية خلال السنوات الأخيرة، فإنّ الارتفاع القياسي في عدد السجناء يطرح تحديات على مسؤولي إدارة السجون في ما يخصّ تطبيق سياسة إعادة الدمج والحفاظ على كرامة السجين. 
ويثير الاكتظاظ أكثر من علامة استفهام حول الأسباب الكامنة وراءه، إذ بلغت نسبة الاكتظاظ بالمؤسسات السجنية على الصعيد الوطني خلال عام 2025 نحو 153%، مقابل 161% المسجلة نهاية عام 2024، في مؤشر على تراجع نسبي في الضغط داخل السجون المغربية، بحسب ما كشفت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج (حكومية) في مايو/أيار الماضي. وأوضحت المندوبية، ضمن تقرير أنشطتها لعام 2025، أنّ هذا الانخفاض يعود أساساً إلى تراجع عدد النزلاء بـ5689 نزيلاً، مع شبه استقرار في الطاقة الإيوائية للمؤسسات السجنية خلال الفترة نفسها.
ويقول رئيس المكتب التنفيذي للجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان (أهلية) محمد رشيد الشريعي، لـ"العربي الجديد"، إنّ آلية التخفيض التلقائي للعقوبة لفائدة السجناء تهدف إلى المساهمة في تخفيف الاكتظاظ داخل السجون، وتشجيع السجناء على حسن السلوك والانضباط، ودعم جهود إصلاح النزلاء وإعادة دمجهم في المجتمع، مع الحفاظ على الضوابط القانونية التي تحدّد الفئات المستفيدة. ويرى الشريعي أنّ المغرب دخل فعلياً في ورشة إصلاحية كبيرة عبر آلية التخفيض التلقائي للعقوبة، وأنّ اعتماد هذه الآلية ساهم في تقليص نسبة الاكتظاظ ببعض السجون بعدما كانت تفوق 140%. 
ويضيف: "هذه المقاربة الحقوقية تقلّل من الآثار السلبية للسجن المطوّل على النزيل وأسرته، وتساهم في ترشيد النفقات، من خلال تخفيض تكلفة الإيواء والإطعام والرعاية الصحية، فضلاً عن مساهمتها في إعادة الإدماج وإعطاء فرصة أسرع للعودة إلى المجتمع، مع تحفيز السلوك الحسن". 

قضايا وناس
التحديثات الحية

ويؤكد الشريعي أنّ "التخفيض التلقائي يُعدّ نقطة تحوّل في السياسة الجنائية، حيث انتقلنا من منطق إطالة مدة العقوبة إلى منطق فعالية العقوبة وإعادة الإدماج. كما أنّ الجانب الإيجابي من قرار التخفيض التلقائي للعقوبة كبيرٌ، ويهمّ مستوياتٍ عدّة". ويعتبر أنّ الإفراج الفوري عن قرابة 9 آلاف سجين ساهم في خفض نسبة الاكتظاظ، وتحسين ظروف الاحتجاز مع نقص عدد النزلاء، وتحسّن شروط النظافة والتغذية والولوج للرعاية الصحية والبرامج التأهيلية.

ويلفت الشريعي إلى أن المشرّع اعتمد مقاربة إصلاحية تقوم على منطق إعادة الإدماج، وتقويم السلوك، وليس الانتقام وتدمير المستقبل، موضحاً أن تقليص مدة المحكومية يجعل السجين أقلّ عرضة للآثار السلبية التي يخلّفها السجن على نفسيته، وكذلك على أسرته.
من ناحية أخرى، يرى الشريعي أنّ الآلية تساهم كذلك في تخفيف أعباء الدولة لجهة التكلفة اليومية الكبيرة للسجين الواحد، فضلاً عن تسريع عملية إعادة إدماج السجين، وتعزيز فرص عودته للمجتمع بشكل أفضل، عوض العودة إلى الجريمة، كما أنّها تحثّ على الانضباط والالتزام ببرامج التكوين، محوّلة السجون العقابية المكتظة إلى سجون للتأهيل والإدماج.