استمع إلى الملخص
- تقرير دولي يحذر من نقص حاد في المياه بحلول عام 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية، حيث يعاني المغرب من فترات جفاف شديدة منذ بداية القرن العشرين، مع انخفاض حصة الفرد من المياه.
- يدعو الخبراء إلى تبني سياسات مائية غير تقليدية، مثل تحلية مياه البحر واستخدام المياه العادمة، وتفعيل المجلس الأعلى للماء والمناخ لضمان الأمن المائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
يرى خبراء أن المغرب انتقل من الإجهاد المائي إلى الأزمة الهيكلية البنيوية، حيث صار الجفاف في عامه الثامن قاعدة مناخية تستدعي حالة طوارئ مائية.
دخل المغرب العام الثامن من الجفاف المتواصل، بالتزامن مع ظروف مناخية قاسية وارتفاع مقلق في نسبة العجز المائي، ما ينذر بعواقب وخيمة وصعبة للغاية هذا العام على مستوى الأمن المائي الوطني. وفي السياق، أطلق وزير التجهيز والماء نزار بركة، الثلاثاء الماضي، تحذيراً في مجلس المستشارين (الغرفة الثانية من البرلمان المغربي بعد مجلس النواب)، بشأن دخول البلاد العام الثامن من الجفاف المتتالي في ظل بلوغ نسبة العجز المائي 58%، وتراجع نسبة ملء السدود من 40% في مايو/ أيار الماضي إلى 32% لغاية سبتمبر/ أيلول، وكذلك قلة الموارد المائية التي بلغت لغاية الشهر الماضي 160 مليون متر مكعب، إلى جانب التبخر الذي أثر على الاحتياطات المائية، وسبّب فقدان 650 مليون متر مكعب.
وفي السنوات الأخيرة، سُجّل تراجع مقلق في حصة الفرد من المياه، نتيجة تتابع سنوات الجفاف واستنزاف المياه الجوفية وارتفاع نسبة الملوحة، الأمر الذي أثر سلباً على النشاط الزراعي في المغرب. ويبلغ متوسط حصة الفرد من المياه في المغرب نحو 645 متراً مكعباً سنوياً، مقارنة بـ10 آلاف متر مكعب في الدول الغنية بالمياه. وقد ينخفض هذا الرقم إلى 500 متر مكعب بحلول عام 2050، ما يجعل البلاد في خانة "ندرة المياه الشديدة".
وكان تقرير دولي بعنوان "مناطق الجفاف العالمية (2023-2025)"، نشره المركز الأميركي للتخفيف من آثار الجفاف في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، قد كشف عن بيانات مثيرة للقلق بشأن الوضع المائي والمناخي في المغرب، وسلط الضوء على الوضع الحرج الذي تعانيه المملكة بسبب الجفاف، متوقعاً حصول نقص حاد في المياه بحلول عام 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية، مع انخفاض معدلات هطل الأمطار وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية.
وأوضح التقرير أن فترات الجفاف متأصلة في مناخ المغرب، كما سجل أن وتيرة حدوث تلك الفترات وشدتها زادت بشكل كبير منذ بداية القرن العشرين. ففي الفترة ما بين 2018 و2024، شهد المغرب أطول فترة جفاف متعددة السنوات، وجرى تصنيف عام 2022 باعتباره الأكثر جفافاً منذ ثلاثة عقود.
ويقول رئيس "جمعية بييزاج للبيئة والثقافة"، الخبير البيئي رشيد فسيح، لـ"العربي الجديد"، إن التحذير الصريح الذي أطلقه وزير التجهيز والماء، والذي نبّه إلى أن العام الحالي صعبٌ للغاية على مستوى الأمن المائي، هو تأكيد حكومي أن الأزمة المائية وصلت إلى مستوى حرج وخطير. ويوضح أن تحذيرات الوزير ليست مجرد تحذيرات روتينية، إنما إقرار بأن المغرب انتقل من مرحلة الإجهاد المائي إلى مرحلة الأزمة الهيكلية والبنيوية، لافتاً إلى أن الجفاف لم يعد استثناء موسمياً، بل أصبح قاعدة مناخية يجب التكيف معها بشكل جذري.
ويرى فسيح أن الوصول إلى العام الثامن من الجفاف، مقروناً بالتراجع السريع لحقينة (مخزون) السدود، يثبت أن الأزمة تتجاوز التقلبات الطبيعية، وتستدعي إعلان حالة طوارئ وطنية في تدبير الموارد المائية، خصوصاً بالمناطق الداخلية للمملكة. ويتابع: "على الرغم من التوجيهات الملكية والخطط الاستراتيجية، ما زالت المشاريع المائية الكبرى تُنفذ ببطء غير مقبول. لقد تأخرنا كثيراً في التعاطي بجدية مع التوقعات العلمية التي نبّهت إليها منذ نحو 15 عاماً، بصفتي خبيراً بيئياً، والتي كانت تشير إلى هذا الوضع منذ سنوات. حالياً نتدخل وفق "عقلية رجال الإطفاء"، أي بعد وقوع الكارثة".
ويشدد فسيح على أهمية تصحيح المسار الفلاحي، بحيث لا يمكن الاستمرار في استنزاف المخزون المائي لتمويل زراعات غير ذكية مناخياً، تستهلك كميات هائلة من المياه الجوفية والسطحية. ويدعو إلى وضع قيود صارمة ومراجعة فورية لنمط الاستهلاك المائي لأغراض فلاحية موجهة للتصدير على حساب الأمن المائي ومياه الشرب.
ويؤكد الضرورة القصوى لتفعيل المجلس الأعلى للماء والمناخ، معتبراً أن الغياب المستمر للمجلس رغم صدور المرسوم المتعلق به، هو تقصير إداري حقيقي، إذ إن تفعيل هذه الهيئة التوجيهية والاستشارية بات أمراً حاسماً لضمان تنسيق السياسات المائية ووضع استشراف مستقبلي موحّد للأزمة.
ويطالب الخبير البيئي بتسريع الحلول التكنولوجية ووتيرة إنجاز محطات تحلية مياه البحر، واستخدام المياه العادمة المعالجة في الري، وتعميم تقنيات الري الموضعي بشكل أسرع وأكثر فعالية. ويقول: "نحن أمام مفترق طرق حرج، وعلى الحكومة أن تتبنى سياسات غير تقليدية، تتّسم بالجرأة والواقعية، وتهدف إلى ضمان الأمن المائي أولاً، لأن أي تهاون في هذه المرحلة سيهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمملكة. ويختم فسيح بالقول: "الوقت ليس في صالحنا، وعلينا أن نتحرك بجدية تتناسب مع خطورة التحدي".