المشاريع الخدمية المتعثرة في العراق: خطر يومي يهدد سلامة المواطنين
استمع إلى الملخص
- تسببت هذه المشاريع في حوادث خطيرة، مثل سقوط أطفال في حفريات وانزلاق سيارات، دون استجابة جدية من الجهات المعنية لمطالب السكان بإكمال المشاريع أو تأمين مواقعها.
- يرى ناشطون أن تعطيل المشاريع يمثل انتهاكاً لحقوق المواطنين، مطالبين بإجراءات عاجلة لحصر المشاريع المتعثرة وتحديد المسؤوليات لضمان سلامة المواطنين.
تحوّلت مئات المشاريع الخدمية المتعثرة في العراق، التي كان من المفترض أن تسهم في تحسين البنى التحتية والتخفيف من معاناة المواطنين، إلى مصدر خطر يومي يهدد حياة الأهالي، في مشهد يعكس عمق أزمة الإدارة والرقابة، واستشراء الفساد في هذا القطاع الحيوي.
هذه المشاريع، التي جرى التعاقد عليها منذ سنوات مع شركات محلية وأجنبية، توقفت أو تعثرت لأسباب متعددة، من بينها شبهات فساد، أو التعاقد مع شركات وهمية، أو ضعف المتابعة الفنية والمالية. ونتيجة لذلك، بقيت مواقعها مفتوحة داخل الأحياء السكنية وعلى الطرق العامة، مخلفة حفريات ومظاهر خطرة، تسببت في تسجيل حوادث متكررة.
وتنتشر هذه المشاريع في عموم المحافظات العراقية، من بغداد وديالى وبابل الى النجف وذي قار ونينوى وغيرها، وتشمل مشاريع للمجاري، وحفريات لمد شبكات المياه، وتعبيد الشوارع، وإنشاء طرق وجسور خدمية. ورغم مرور سنوات على انطلاق العمل فيها، لا يزال العديد منها في مراحله الأولى، أو متوقفاً بشكل كامل، من دون توفير إجراءات السلامة أو نصب لوحات تحذيرية كافية، الأمر الذي ما جعلها سبباً مباشراً لحوادث شبه يومية تهدد سلامة المواطنين.
حوادث متكررة في العراق
وخلال السنوات الأخيرة، سُجّلت حوادث متعددة ارتبطت بهذه المشاريع، شملت سقوط أطفال في حفريات تابعة لمشاريع المجاري، وانزلاق سيارات داخل حفر عميقة في الطرق العامة، إضافة إلى حوادث مرورية نتجت عن تحويلات غير مدروسة أو طرق متضررة بسبب أعمال لم تكتمل. وفي بعض الحالات، أسفرت هذه الحوادث عن إصابات خطيرة ووفيات، لاسيما في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
وأمس الأحد، شهدت مدينة الموصل حادثاً جديداً يعكس خطورة هذا الملف، إذ سقطت سيارة في حفرة عميقة تعود لمشروع خدمي متعثر منذ عدة سنوات في حي الانتصار بالساحل الأيسر من المدينة، ما أسفر عن إصابة عدد من المواطنين وإلحاق أضرار مادية بالسيارة. وبحسب شهود عيان، تقع الحفرة في شارع حيوي داخل منطقة سكنية، من دون وجود حواجز أو إشارات تحذيرية واضحة، على الرغم من تكرار شكاوى السكان.
وفي هذا السياق، أكد مسؤول طبي في وزارة الصحة العراقية أن "المستشفيات في بغداد وغيرها تسجل بشكل مستمر إصابات ناجمة عن حوادث مرتبطة بالمشاريع الخدمية المتوقفة وغير المكتملة". وأوضح المسؤول في حديثه لـ"العربي الجديد"، مشترطاً عدم ذكر اسمه، أن "بعض هذه الإصابات تكون خطيرة، ولا سيما بين الأطفال وكبار السن، مشيراً إلى أن أرقام الحوادث مقلقة، لكنها لا تحظى بالاهتمام الكافي من الجهات المعنية، ولا تقابل بخطط وقائية حقيقية".
"قنابل موقوتة"
في المقابل، يؤكد سكان أنهم تقدّموا بعشرات الشكاوى إلى الدوائر البلدية والجهات التنفيذية في العراق، مطالبين بإكمال المشاريع أو إزالة مخلفاتها وتأمين مواقعها، غير أن تلك المطالب لم تلقَ استجابة جدية. ووصف أحد سكان بغداد، يدعى أبو محمد الخزرجي، هذه المشاريع بأنها "قنابل موقوتة"، مؤكداً لـ"العربي الجديد"، أن "الأهالي باتوا يخشون خروج أطفالهم للعب قرب المنازل بسبب الحفريات المكشوفة".
ويرى ناشطون في مجال حقوق الإنسان، أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحق المواطنين في بيئة آمنة. ويوضح الناشط عبد المجيد الزهيري، لـ"العربي الجديد"، أن "تعطيل المشاريع الخدمية لا يقتصر أثره على تردي الخدمات، بل يتعداه إلى تهديد مباشر للأرواح". وأكد أن "غياب المحاسبة عن أسباب التعثر، إلى جانب عدم الإعلان بشفافية عن مصير الأموال التي صُرفت على هذه المشاريع، شجع على تكرار الظاهرة في مختلف المحافظات".
كما انتقد الناشط، "ضعف التنسيق بين الوزارات والدوائر المحلية، وغياب خطط الطوارئ لتأمين مواقع المشاريع المتوقفة"، معتبرا أن "ترك الحفريات من دون أسيجة أو إشارات تحذيرية يعد إهمالا جسيما". وطالب بـ"اجراءات عاجلة، تبدأ بحصر شامل للمشاريع المتعثرة، وتحديد المسؤوليات القانونية، وصولا إلى إلزام الشركات المتعاقدة بإكمال الأعمال أو سحبها منها وإحالتها إلى القضاء". وشدد على "ضرورة الحرص على حياة المواطن وأمنه، لا أن يترك عرضة للمخاطر بسبب عقود المشاريع الفاسدة التي تسببت بشلل في مناطقهم أولا، ثم باتت خطرا يهدد حياتهم".
أما الباحثة في الشأن المجتمعي، ماجدة الشمري، فقد أكدت أن تلك المشاريع الخدمية المتعثرة، لم تكتف بالفشل في تقديم الخدمات، بل أسهمت في شل حركة الأهالي وتعطيل حياتهم في مناطق واسعة من المدن". وبينت لـ"العربي الجديد"، أن "الحفريات المتروكة منذ سنوات حولت شوارع العراق إلى مساحات مفتوحة لتجمع مياه الأمطار والمياه الآسنة، ما فاقم الأضرار الصحية والبيئية، وأثر بشكل مباشر على تنقل المواطنين وأعمالهم، فضلا عن تهديد سلامتهم".
واعتبرت أن "غياب الحلول يعكس استخفافا بحياة المواطنين"، محذرة من أن "استمرار الوضع يكرس معاناة طويلة الأمد، ويحول الأحياء السكنية إلى مناطق غير صالحة للعيش، في ظل غياب مساءلة الجهات المتسببة بهذا الإهمال".
يشار إلى أن استمرار تعثر هذه المشاريع من دون جدول زمني واضح أو خطوات حكومية جادة لإنهائها، جعل مواقعها المفتوحة أحد أبرز مظاهر الخلل البنيوي في إدارة الملف الخدمي في العراق. وفي ظل هذا الواقع، يدفع المواطنون كلفة الإهمال من أمنهم وسلامة أبنائهم، في وقت تتزايد الحاجة إلى معالجات عاجلة، وتأمين مواقع تلك المشاريع فورا، على أقل تقدير، للحد من تكرار الحوادث.