"المدارس الصيفية"... برنامج مواجهة الهدر الدراسي في المغرب

13 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 01:09 (توقيت القدس)
في إحدى مدارس "الفرصة الثانية"، تيفلت، 22 مايو 2025 (عصام زروق/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تواجه وزارة التربية الوطنية في المغرب تحدي الهدر المدرسي، حيث يغادر 280 ألف تلميذ سنوياً، خاصة في الأرياف بسبب بُعد المدارس والفقر. أطلقت الوزارة برنامج "المدارس الصيفية" لدعم التلاميذ المهددين بالانقطاع.

- تشمل الجهود برامج مثل "إعداديات الريادة" و"مدارس الفرصة الثانية"، التي تقدم دعماً بيداغوجياً وتدريباً مهنياً، مع خلايا للتتبع النفسي، بهدف تقليص الهدر بنسبة الثلث بحلول 2025.

- يرى الخبراء أن معالجة الهدر المدرسي تتطلب سياسة شاملة تشمل الرصد المبكر والدعم الاجتماعي والنفسي، مع إشراك الأسر والمجتمع المدني وتقييم نتائج البرامج لضمان الأثر الفعلي.

تُعوّل وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في المغرب على برنامج "المدارس الصيفية" لمواجهة الهدر المدرسي (التسرب المدرسي) الذي يُعتبر تحدياً كبيراً يواجه البلاد من جراء مغادرة نحو 280 ألف تلميذ وتلميذة للمؤسسات التعليمية سنوياً، من بينهم 160 ألف تلميذ في المستوى الإعدادي.
ويُعدّ الانقطاع عن التعليم في المغرب من أبرز أوجه الاختلال الذي تعانيه المنظومة التعليمية، بحسب ما تفيد تقارير رسمية، في حين ترتفع نسبة التسرب المدرسي، خصوصاً في الأرياف، بسبب بُعد المدارس وارتفاع نسبة الفقر. وتفيد المؤشرات المرتبطة بالموسم الدراسي 2025 ـ 2026 بأنّ ستّ أكاديميات للتربية والتكوين (التدريب والتأهيل) من أصل 12 أكاديمية تتوزع في مناطق عدّة، تُسجّل أرقاماً مقلقة في عدد ونسب التلاميذ غير المسجّلين في مؤسساتهم الإعدادية على الصعيد الوطني، ولا سيّما على مستوى إعداديات الريادة التي تحتضن مشروعاً تراهن عليه الحكومة ضمن رؤيتها الإصلاحية 2022 ـ 2026، ويشمل نحو 16 ألف تلميذ عبر عددٍ من الأكاديميات.
وكانت النسخة الأولى من برنامج "المدارس الصيفية" قد أُطلقت العام الماضي بشكل تجريبي، حتى صار اليوم يشكّل برنامجاً تربوياً يُنظَّم خلال فترة العطلة الصيفية، ويستهدف التلاميذ والتلميذات الذين يعانون تعثراً في التعليم أو أولئك المهدّدين بالانقطاع عن الدراسة. ويتضمّن البرنامج الذي يُنظَّم في خلال يوليو/تموز الجاري، حصصاً للدعم والتأهيل في مادّتَي الرياضيات واللغة الفرنسية، إلى جانب أنشطة للتوعية والتوجيه، تشمل المسرح والرسم والرياضة والروبوتيك، بما يسهم في تنمية الكفاءات وتعزيز الثقة بالنفس. كما يستفيد جزء من المشاركين والمشاركات من المخيمات الصيفية، وذلك في إطار شراكة تجمع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الشباب، والجامعة الوطنية للتخييم.
وهذا العام، يستفيد من البرنامج 38 ألف تلميذ وتلميذة من المدرسة الصيفية، و7 آلاف تلميذ وتلميذة من المخيمات الصيفية، في خطوة تعكس "حرص الوزارة على مواكبة المتعلمات والمتعلمين، والارتقاء بفرص نجاحهم، والحد من الانقطاع عن الدراسة".
وكان التقرير السنوي الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، قبل أسابيع، قد كشف أنّ نحو 280 ألف تلميذ وتلميذة في المغرب غادروا مقاعد الدراسة العام الماضي، ما يهدد مستقبل جيل كامل، ويعطّل مسار التنمية الاجتماعية والاقتصادية للمملكة. وأوضح التقرير الذي أُعدّ بالتعاون مع وزارة التربية الوطنية في المغرب، أنّ ظاهرة الهدر المدرسي لا تقتصر على الفئات الفقيرة فقط، بل تطاول الفئات المتوسطة أيضاً. وأشار إلى أنّ "العوامل المؤدية إلى الهدر تتعدد بين ضغوط اقتصادية وقيود ثقافية واجتماعية وأسباب تتعلق بجودة البيئة التعليمية نفسها، ما يشير إلى حجم الأزمة التعليمية التي يواجهها النظام التربوي في المغرب". وأفاد التقرير بأنّ "الفتيات يشكلن الفئة الأكثر عرضة للهدر المدرسي، خصوصاً في المناطق الريفية والتجمعات الحضرية الهامشية، حيث تجعل معوّقات عدّة استمرارهنّ في الدراسة، أملاً بعيد المنال".

جلسة توعية للعودة إلى مقاعد الدراسة، تيفلت، 22 مايو 2025 (عصام زروق/فرانس برس)
جلسة توعية للعودة إلى مقاعد الدراسة، تيفلت، 22 مايو 2025 (عصام زروق/فرانس برس)

وفي إبريل/نيسان 2025، كشفت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي خطة لتقليص الهدر المدرسي بنسبة الثلث من خلال استهداف نحو 80 ألف تلميذ مهدّدين بالانقطاع عن التعليم الإعدادي، وتوجيههم إلى مسارات بديلة، مثل "مدارس الفرصة الثانية"، حيث يتلقون تدريباً مهنياً يؤهلهم للاندماج في سوق العمل، أو العودة إلى متابعة دراستهم. وأطلقت الوزارة عدداً من البرامج، أبرزها مشروع "إعداديات الريادة" الذي يركز على توفير الدعم البيداغوجي، وتنظيم أنشطة موازية في مجالات الموسيقى والرياضة والمسرح، بهدف تعزيز ارتباط التلاميذ بالمؤسسات التعليمية، كما استحدثت خلايا للتتبع النفسي والتربوي للأطفال المعرّضين للتسرب، بالاعتماد على البيانات الرقمية المتوفرة في منظومة "مسار" من أجل التدخل المبكر.
ومنذ أعوامٍ، يطمح المغرب إلى وقف النزف المدرسي عبر مجموعة من البرامج التي توفر النقل المجاني والطعام والمبيت للتلاميذ الذين يقطنون بعيداً عن مقارّ تعليمهم، أو عبر تقديم الدعم المادي للأسر واستقبالها في سكن التلاميذ والتلميذات، مع مبادرة توزيع مليون حقيبة تضمّ لوازم مدرسية، بالإضافة إلى إنشاء مدرسة الفرصة الثانية التي تُقدّم دعماً مدرسياً للتلاميذ الذين تسرّبوا من التعليم.
وتعليقاً على برنامج "المدارس الصيفية"، يقول رئيس المنتدى المغربي للحق في التربية والتعليم، هشام الهواري، لـ"العربي الجديد"، إنّها "مبادرة نثمّنها ونصفّق لها بوصفها فكرة تنمّ عن نَفَسٍ جديد من الإبداع في خلق الحلول الممكنة لمعضلات التعليم ببلادنا". ويرى أنّ استهداف التلاميذ والتلميذات المهدّدين بالانقطاع عن الدراسة، في زمانٍ ومكانٍ غير اعتياديين، دليل على إرادة حقيقية للتصدي للهدر المدرسي، خصوصاً في ظل الأرقام المقلقة المرتبطة به.

غير أن أهمية هذه المبادرة لا ينبغي أن تحجب كون الظاهرة أعمق من أن تُعالج بإجراء موسمي أو ظرفي، مهما كانت نيّاته إيجابية، بحسب الهواري، مؤكداً أنّ مغادرة آلاف التلاميذ للمؤسسات التعليمية سنوياً تكشف وجود اختلالات بنيوية مرتبطة بجودة التعليم، والهشاشة الاجتماعية، وضعف المواكبة النفسية والتربوية، وبُعد المؤسسات التعليمية، ومحدودية خدمات النقل والإطعام والدعم الاجتماعي، خصوصاً في السلك الإعدادي الذي يمثل الحلقة الأكثر هشاشة في المسار الدراسي.
ويضيف: "لذلك نعتبر أن المدارس الصيفية يجب أن تكون جزءاً من سياسة عمومية مستمرة ومتكاملة لمحاربة الهدر المدرسي، تقوم على الرصد المبكر للتلاميذ المهدّدين بالانقطاع، وتوفير دعم بيداغوجي فعّال، ومواكبة اجتماعية ونفسية، مع إشراك الأسر والجماعات المحلية والمجتمع المدني، فضلاً عن مواكبة إعلامية تمكّن من التعبئة الشاملة والمعمّمة".
ويدعو الهواري الوزارة إلى اعتماد تقييم شفّاف لنتائج هذا البرنامج، من خلال نشر معطيات دقيقة حول عدد المستفيدين فعلياً، ونسبة عودتهم إلى الدراسة، ومدى استمرارهم داخل المؤسسات خلال الموسم الدراسي المقبل، مؤكداً أنّ الحق في التعليم لا يتحقق فقط بإطلاق البرامج، بل بضمان أثرها الفعلي على بقاء التلاميذ داخل المدرسة ونجاحهم فيها.