المجتمع التونسي... معاناة مع ازدياد منسوب العنف

20 سبتمبر 2020
الصورة
يتصدّر العنف الإجرامي أشكال العنف الأخرى المسجّلة (فرانس برس)
+ الخط -

تزايد منسوب العنف في تونس بشكل ملفت، وتنوّعت أشكاله ووسائله وفضاءاته، وازدادت بذلك تهديداته على جميع مكوّنات المجتمع، حتى تحوّل إلى وسيلة للتعبير ولحلّ المشاكل، في نظر جيل عنيف، بحسب توصيف عدد من الخبراء.
وسجّلت المنظّمات الاجتماعية والحقوقية تصاعد أشكال العنف اللّفظي والمادي، في جميع أوساط المجتمع التونسي وبين مختلف مكوناته، بداية من الأسرة إلى المدرسة والعمل والشارع، ومختلف الفضاءات العامة.
تروي فاطمة (37 عاماً)، وهي عاملة في مصنع للحلويات ما تتعرّض له من عنف يومي، قائلة لـ"العربي الجديد": "العنف يلاحقني في كلّ مكان، عنف لفظي وجسدي من زوجي، إذا لم ألبِ جميع حاجيات البيت واحتياجاته الخاصة كما احتياجات الأطفال". وتضيف: "تنطلق المعاناة اليومية منذ أن تطأ قدماي الشارع باتجاه محطة الحافلة، فإذا نجوت من المتسكّعين والبلطجية في الطريق المظلم من الحي الشعبي الذي أقطنه في طبربة (محافظة منوبة) حتى الطريق الرئيسي، فلن أنجو من المتحرّشين في الحافلة ومن عنفهم اللّفظي على طول طريق العمل". تضيف: "هذه رحلة العذاب والمعاناة اليومية قبل أن أدخل المصنع، وهناك أتعرّض إلى أشكال أخرى من العنف، من قبل رئيسة القسم التي تعنّفني لفظياً ومعنوياً، من خلال التقليل من جهودي والتحقير من إنتاجي".

وكشفت دراسات وتقارير للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، حول ظاهرة العنف في تونس، تصدّر العنف الإجرامي أشكال العنف المسجّلة، بنسبة 36.39 في المائة، فيما يحلّ "العنف الانفعالي"، في المركز الثاني، بنسبة 23.21 في المائة، يليه العنف الأسري بـ 8.78 في المائة، ثم العنف العلائقي بـ 8.06 في المائة، والعنف الجنسي بنسبة 7.59 في المائة. وأضاف التقرير السنوي الذي رصد العنف في تونس، خلال العام الماضي، بأنّ نسبة العنف الفردي بلغت 49.63 في المائة، مقابل 50.37 في المائة للعنف الجماعي.
ووزّعت الدراسة منسوب العنف المسجّل حسب جهات البلاد، ليتصدر إقليم الوسط الشرقي أعلى نسب العنف بـ30.57 في المائة، كما تصدّرت ولاية تونس، الولايات التي سجّلت أعلى نسب العنف بـ 13.42في المائة، تليها ولاية القيروان بـ 11.95 في المائة، ثم ولاية سوسة بـ 11.29 في المائة، وفق ما أورده التقرير.
وأكّد  التقرير تنامي ظاهرة العنف الإجرامي في تونس بمختلف أشكاله من البراكاجات (البلطجة)، والسرقات، والاغتصاب، والقتل...) لتبلغ 93 في المائة من مجموع القضايا المسجّلة سنة 2018، منها 36.4 في المائة تعلّقت بجرائم العنف الشديد والخفيف.

66 في المائة من الأشخاص الذين تورطوا في العنف لم يتجاوزوا التعليم الأساسي


وتؤكّد المعطيات القضائية والأمنية التي تنشرها السلطات الرسمية، أنّ نسبة الاعتداء على الجسم البشري تطوّرت بـ 21 في المائة منذ 2011، وارتفع منسوب العنف الإجرامي الموجّه ضد الطفل والأسرة بنسبة 39 في المائة، في حين بلغت حالات القتل العمد، 226 حالة، سنة 2019، أيّ بنسبة تطوّر بلغت 39.9 في المائة منذ 2011. وأشار التقرير إلى أنّ تونس سجّلت في الفترة الممتدة بين سنتي 2010 و2017 أكثر من 600 ألف قضية عنف، على المستوى الوطني، دون اعتبار حالات العنف التي لم يبلّغ عنها.
يقول المشرف على المرصد الاجتماعي التونسي، بالمنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، ورئيس الجمعية التونسية لعلم الاجتماع، عبد الستار السحباني، لـ"العربي الجديد": "إنّ تطور العنف في تونس مُنتظر وليس مفاجئاً، بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حتى بسبب الظروف الاستثنائية التي عرفتها البلاد خلال جائحة كورونا".
يضيف أنّ "كل هذه العوامل، ساهمت في تطوّر العنف في تونس، غير أنّه تطور كمّي وليس نوعيا، أيّ أنّ العنف بصدد التطور ضمن أشكاله التقليدية، على غرار السرقة والسلب وقطع الطرق، ولم يأخذ أشكالاً نوعية أخرى، على غرار استعمال الأسلحة النارية أو ما يسمى بـ" القتل المتسلسل" أو "القتل المضاد"، كأن يقتل شرطي محتجّا، مثلما يحدث في مجتمعات أخرى كأميركا وفرنسا".
يتابع السحباني أنّ "هذا التطور في كمية العنف في المجتمع التونسي منتظر، بسبب عدة عوامل، منها تراجع القدرة الشرائية وغلاء الأسعار والانفلات الأمني، وتأزّم المنظومة التربوية والقيمية، كما تأزّم المنظومة الصحية والاجتماعية". ويلفت إلى أنّ العنف، بجميع أشكاله، "اللفظي" و"المادي" و"المعنوي" و"الرمزي"، تحوّل إلى وسيلة للتعبير عند التونسيين. 
ويشدّد أنّه حتى فضاءات التنشئة الاجتماعية والترفيه، على غرار المدارس والملاعب والحفلات، تحوّلت إلى فضاءات لإعادة إنتاج العنف، لافتاً إلى أنّ من أسباب تطوّر العنف أيضاً، العنف السياسي، من خلال العنف في الخطابات وداخل البرلمان، كما من خلال الصراعات، والضغط السياسي بسبب عدم الاستقرار الحكومي، إلى جانب عدم محاسبة المسؤولين والوزراء "كل هذه الأمور، تخلق توتراً وانفلاتاً وعدم ثقة في القانون والدولة، ما يخلق تمرداً. أما العنف الاقتصادي فهو بعدم تلبية الاحتياجات الاقتصادية للمواطن، والعنف الثقافي يتمثّل من خلال التمييز على أساس اللّون أو اللغة والانتماء الثقافي".
ويحذّر السحباني من" العنف الإعلامي الذي يحاكي العنف في المجتمع، انطلاقاً ممّا تقدّمه قنوات إعلامية، همّها الوحيد الربح من خلال إنتاج محتويات العنف والتلاعب الإعلامي"، لافتاً إلى أنّ معالجة العنف في تونس، هي معالجة تقليدية، تعتمد على الحلّ الأمني، ومعتبراً أنه يتم اللجوء للمعالجة الأمنية في المجتمعات الأخرى، بعد استنفاد جميع الحلول الأخرى. 
ويتابع أن "الفساد وعدم تطبيق القانون والرشوة والمحسوبية، ليست سوى شكل من أشكال العنف في المجتمع، إذ أنّه  دخل في مجال التصرف الموازي، وأصبح وسيلة من وسائل إدارة اليومي، وهو شكل من أشكال التطبيع مع العنف، مشيراً إلى أنّ "عنف الإدارة والمؤسسات الحكومية من خلال بيروقراطيتها، هو عنف رمزي، لا يقلّ خطورة عن العنف اللفظي أو المادي والمعنوي".
ويشدد السحباني على أن "أزمة هذا الجيل هي طموحاته وتوقّعاته واحتياجاته الكبيرة، فهو يعيش في زمن الصورة وعصر العولمة، في مقابل قلة الإمكانيات. فهناك مجتمعات أخرى تمكّن شبابها من تحقيق أحلامهم، أمّا في مجتمعنا يمكن للشباب أن يحلم، لكنه يبقى عاجزاً عن تحقيق أحلامه، فيلجأ للعنف لتحقيقها، إن كان من خلال الهجرة غير النظامية والسرقة والسلب".

66 في المائة من الأشخاص الذين تورطوا في العنف لم يتجاوزوا التعليم الأساسي


في السياق، يؤكد عادل ( 40 عاماً) في حديثه لـ" العربي الجديد" أنه اشتكى روضة الأطفال التي تحتضن طفله، إلى مندوب حماية الطفولة وإلى مركز الشرطة، بسبب تعنيفهم لطفلته البالغة من العمر 4 سنوات، وأشار إلى أنّه اكتشف آثار ضرب على ظهرها بأداة بلاستيكية أو خشبية من قبل المروّضة. يضيف: "لقد أضرّت صاحبة الروضة بنفسية ابنتي وجسدها من خلال تعنيفها لفظياً وجسدياً، بشكل سيجعلها تنفر من الذهاب إلى الحضانة أو المدرسة مستقبلاً، خوفاً من المشرفين عليها".
وكشفت دراسة للمعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية حول العنف الحضري، تسجيل أكثر من 200 ألف قضية عنف على المستوى الوطني حتى سنة 2017، دون اعتبار الاعتداءات الجسدية واللفظية التي تمّ فضّها ولم يبلّغ عنها، والتي يمكن أن تكون ثلاثة أضعاف الأرقام المسجلة.
وأظهرت الدراسة أيضاً ازدياد قضايا القتل، مقارنة مع الفترة بين 2006 و2010، إذ سُجّل حينها حوالي 1000 قضية، في حين تجاوزت هذه النسبة 1550 قضية، من 2011 إلى 2016. وتمّ خلال 6 سنوات، من 2011 إلى 2017، تسجيل حوالي 135 ألف قضية في الوسط الحضري، في حين تمّ تسجيل حوالي 80 ألف قضية في الوسط الريفي.

وأشارت الدراسة إلى أنّ إحصائيات العنف لا تقتصر على هذه الأرقام، لأنّ جرائم العنف يمكن أن تقترن بجرائم أخرى، كالسرقة، القتل، والسلب، وهو ما يرفع من معدّلات ارتكاب هذه الجرائم، بنسب كبيرة. فالمجموع العام مثلاً لقضايا العنف والجرائم المتفرّعة عنه، تجاوز من 2011 إلى 2017، أكثر من 600 ألف قضية مسجّلة، أي بمعدل 25 في المائة من العدد الإجمالي للقضايا، وهو ما يرفع مؤشر تزايد العنف في تونس.
وفي قراءة للمستوى التعليمي للأشخاص الذين تورّطوا في قضايا العنف، خلال 10 سنوات، من 2007 إلى 2017، نجد أنّ 66 في المائة منهم لم يتجاوزوا التعليم الأساسي، في حين أنّ 34 في المائة منهم، لديهم مستوى ثانوي أو جامعي.
وأرجعت الدراسة ارتفاع مؤشّرات العنف الحضري مقارنة بالعنف في الوسط الريفي، إلى الكثافة السكانية في بعض الأحياء (دوار هيشر، حي التضامن، الكرم، سيدي حسين السيجومي...)، والخليط المجتمعي وبقاء فكرة الجهويات لدى البعض. إلى جانب التفكّك الأسري والانقطاع المبكر عن الدراسة، والهشاشة الأسرية في بعض الأحيان وتراجع دور المدرسة والمعلم، إضافة إلى الضعف الاقتصادي والهشاشة الاجتماعية والبطالة.