المباني العشوائية فخاخ قاتلة في المغرب

12 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 18:27 (توقيت القدس)
ركام المنزلين المنهارين في مدينة فاس، 10 ديسمبر 2025 (عبد المجيد بزيوات/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت مدينة فاس المغربية انهيار بنايتين، مما أدى إلى وفاة 22 شخصاً، وأثار تساؤلات حول معايير البناء والرقابة. تعاني المدن المغربية من انهيارات متكررة، مما يشكل تهديداً لحياة السكان.
- اعترفت وزيرة الإسكان بتأخر تنفيذ برامج تأهيل المباني، مشيرة إلى "إكراهات" تعيق التنفيذ. تم بناء البنايات المنهارة ضمن برنامج "فاس بدون صفيح"، مع تجاوز الترخيص الأصلي، مما يعكس غياب الرقابة.
- دعا نشطاء حقوق الإنسان إلى تحقيق قضائي شامل ومراجعة منظومة المراقبة في قطاع البناء، مع تسريع برامج الترميم لضمان سلامة السكان.

أعادت فاجعة انهيار مبنيين سكنيين بمدينة فاس المغربية، ليل الثلاثاء الأربعاء، ومصرع 22 شخصاً تحت أنقاضهما، طرح أسئلة مهمة حول تحول تلك المباني الجديدة نسبياً إلى "فخاخ قاتلة"، ومدى احترام معايير البناء الهندسية، وأيضاً صرامة الرقابة على التنفيذ.
وتشهد مدن مغربية عدة، خصوصاً في أحيائها القديمة، حوادث انهيار متكررة لمبان مأهولة، الأمر الذي جعلها على امتداد السنوات الماضية "قنابل موقوتة" تهدد حياة السكان، مع تأخر المجالس المنتخبة في إجراءات إصلاحها أو تسوية أوضاع قاطنيها.
وفي وقت سابق، أقرت وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان المغربية فاطمة الزهراء المنصوري، في مجلس النواب، بتسجيل تأخّر وبطء في تنفيذ برنامج تأهيل المباني الآيلة للسقوط في المدن القديمة، عازيةً ذلك إلى "إكراهات".
ويصنف حادث حي المستقبل بمنطقة المسيرة الشعبية في مدينة فاس بوصفه أحد أكثر حوادث انهيار المنازل دموية في البلاد منذ انهيار ثلاثة مبان في مدينة الدار البيضاء عام 2014، الذي أوقع 23 قتيلاً.
وعاشت مدينة فاس خلال السنوات الماضية على وقع انهيارات قاتلة، كان آخرها مصرع تسعة أشخاص في مايو/ أيار الماضي، بعد انهيار مبنى سكني كان مدرجاً ضمن لائحة المباني المهددة بالانهيار، وصدر أمر سابق بإخلائه، وقبلها لقي خمسة أشخاص حتفهم  في فبراير/ شباط 2024 من جراء انهيار منزل بالمدينة العتيقة من فاس.
وفي انتظار الكشف عن نتائج البحث القضائي الذي تتولاه النيابة العامة، والتحقيقات الإدارية والتقنية التي عُهد بها إلى مكتب دراسات هندسية متخصص، تقول مصادر محلية إن الفاجعة تعيد إلى الواجهة ملف البناء العشوائي من دون تراخيص قانونية في عدد من مدن البلاد، مشيرة إلى أن المباني المنهارة يعود تاريخ تشييدها إلى عام 2006، في إطار عمليات البناء الذاتي لقاطني دوار "عين السمن"، ضمن برنامج "فاس بدون صفيح" للقضاء على العشوائيات، وأن الترخيص منح لبناء عمارة من طابقين، قبل أن يصبح المبنى في عام 2025 مكوناً من خمسة طوابق بمخالفة للترخيص.

عدد ضحايا المنزلين المنهارين في فاس مفجع، 10 ديسمبر 2025 (عبد المجيد بزيوات/فرانس برس)
عدد ضحايا المنزلين المنهارين في فاس مفجع، 10 ديسمبر 2025 (عبد المجيد بزيوات/فرانس برس)

ويقول رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان (أهلية) إدريس السدراوي، لـ"العربي الجديد"، إن "فاجعة فاس تكشف من جديد حجم الاختلالات الخطيرة التي يعرفها قطاع البناء في المغرب. ما وقع ليس كارثة طبيعية، ولا يمكن اعتباره حادثاً عرضياً، بل هو جريمة مكتملة الأركان نتجت عن الإهمال، وانعدام الرقابة، وغياب الصرامة في محاربة الغش والفساد، وهي مسؤوليات بشرية ومؤسساتية ثابتة يجب ألا يفلت مرتكبوها من العقاب".
ويؤكد السدراوي أن "هذه الفاجعة يجب ألا تمر من دون محاسبة، وفتح تحقيق قضائي شامل ومستقل ضرورة وطنية ملحة، مع ترتيب المسؤوليات في كل المستويات، ومتابعة كل من يثبت تورطه أو تقصيره حماية لحق المواطنين في السكن الآمن، وللحق في الحياة، مع مراجعة جذرية لمنظومة المراقبة في قطاع البناء، وإعمال قواعد الشفافية والصرامة القانونية، وتعزيز آليات اليقظة لمنع تكرار مثل هذه المآسي، وصون أرواح المواطنين".
بدوره، يقول رئيس المكتب التنفيذي للجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان (غير حكومية) محمد رشيد الشريعي، لـ"العربي الجديد"، إن "فاجعة فاس تعيد النقاش حول المباني المهددة بالانهيار في العديد من الأحياء الشعبية، حيث يشتكي السكان منذ سنوات من هشاشة البنية التحتية وغياب الصيانة الدورية. تشير شهادات من عين المكان إلى أن العمارتين كانتا تعانيان من تصدعات واضحة منذ مدة، من دون اتخاذ أي إجراءات وقائية من قبل السلطات المعنية".

ويلفت الشريعي إلى أنه "في الوقت الذي دفع فيه الحادث السلطات المحلية إلى فتح تحقيق عاجل لتحديد أسباب الانهيار والمسؤوليات المرتبطة به، وترتيب الجزاءات على الجهة التي تقاعست في اتخاد كل الوسائل المرتبطة بإخلاء السكان تحسباً لهذه للفاجعة، تتعالى العديد من الأصوات من أجل العمل على إجراء مسح شامل للبنايات الآيلة للسقوط، وتسريع برامج الترميم أو إعادة الإيواء حفاظاً على سلامة السكان، وتفادياً لوقوع كوارث مماثلة".
ويضيف: "صحيح أن السلطات باشرت حملة حول أوضاع البناء المرتبطة بالمخالفات التي لها علاقة بقانون التعمير، لكنها في المقابل، غضت الطرف عن مخالفات أخرى تعتبر من الأولويات. من هنا، لا بد من إجراء إحصاء شامل على المستوى الوطني لهذه المباني، مع اتخاد كافة الإجراءات الاحترازية تحسباً لتكرار هذه الكوارث".

المساهمون