استمع إلى الملخص
- تواجه عملية الاعتراف تحديات مثل تحديد اللهجة وإعداد المناهج وتدريب المعلمين، مع خطط لتوسيع تدريس اللغة الكردية إلى مدارس أخرى.
- يعبر الأهالي عن قلقهم من عدم تنفيذ القرار فعلياً، ويعتبرونه خطوة مهمة في تحسين العلاقة مع الأكراد وتعزيز التعددية الثقافية.
بعد عقود من تغييب اللغة الكردية عن الفضاء التعليمي الرسمي في سورية، صدر مرسوم رئاسي يفتح للمرة الأولى باب تدريسها في المدارس الحكومية ضمن المناطق ذات الغالبية الكردية، ويعترف بها لغة وطنية. وقد أعاد مرسوم الرئيس السوري أحمد الشرع، فتح ملف طويل من الإقصاء اللغوي والثقافي في البلاد، وطرح أسئلة عن معانيه ورمزيته وحدود تحوّله من مجرد إجراء إلى مسار مستدام في بناء دولة متعددة الهويات.
صدر المرسوم على وقع النزاع المستمر في شمال وشرق سورية، ليكسر أحد أكثر التابوهات رسوخاً، إذ ظلت اللغة الكردية لعقود خارج أي اعتراف رسمي، ومُحاصَرة في المجال الخاص، بل مُجرَّمة في أحيان كثيرة. وللمرة الأولى منذ استقلال سورية عام 1946، تدخل اللغة الكردية الصف المدرسي الحكومي بوصفها لغة معترفاً بها، لا مجرد ممارسة ثقافية هامشية.
ومثّل التعليم طوال الحقبة الماضية إحدى أبرز أدوات "التعريب القسري"، إذ حُظرت اللغة الكردية في المدارس والأنشطة الثقافية، وحتى في الاحتفالات العامة، ووصل الأمر إلى ملاحقة ناشطين ثقافيين بتُهم استخدام لغتهم الأم. وعلى الرغم من بروز مؤسسات تعليمية وثقافية كردية تابعة للإدارة الذاتية خلال السنوات الماضية، بقي ذلك خارج إطار الاعتراف الرسمي، ما جعل الخطوة الأخيرة اعترافاً متأخراً بحق بديهي.
تقول هيفين موسى، المعلمة في مدرسة حكومية بمنطقة وادي المشاريع ذات الأغلبية الكردية في دمشق، إنّ القرار يحمل بُعداً نفسياً قبل أن يكون تعليمياً. وتضيف لـ"العربي الجديد" أنّ "أجيالاً من الطلاب الأكراد كبروا وهم يشعرون بأن لغتهم الأم غير مرئية في الفضاء العام، وكان ينعكس الأمر إحساساً دائماً بالدونية أو الانفصال. تدريس اللغة الكردية لا ينتقص من العربية، بل يعيد التوازن داخل المدرسة، ويجعل الطالب أكثر تصالحاً مع ذاته".
مثّل التعليم طوال حقبة الأسد إحدى أبرز أدوات التعريب القسري، وحُظرت اللغة الكردية في المدارس والأنشطة الثقافية، وحتى في الاحتفالات العامة
لكن لا يخلو الاعتراف من تحديات، إذ بحسب المرسوم، يقتصر تدريس اللغة الكردية على المدارس الواقعة ضمن المناطق ذات الغالبية الكردية، ووفق تعليمات تنفيذية ستصدرها وزارة التربية والتعليم. لتبرز أسئلة عديدة، من قبيل أي لهجة ستُعتمد؟، وهل ستُعتمد الكرمانجية (اللهجة الشمالية) بوصفها الأكثر انتشاراً، أم ستُفتح الأبواب أمام تنوّع اللهجات؟، وكيف ستُعدّ المناهج؟، ومَن سيُشرف على تدريب المعلمين؟
وفي منشور على صفحته في "فيسبوك"، أوضح وزير التربية والتعليم السوري، محمد عبد الرحمن تركو، أن صدور المرسوم يشكّل محطة وطنية مهمة تعكس إيمان الدولة السورية بأن وحدتها تُبنى بتنوّع أبنائها، وباحترام هوياتهم الثقافية واللغوية ضمن إطار وطني جامع لا يُقصي أحداً ولا يهمّش أي مكوّن. وأضاف الوزير أن "إقرار تدريس اللغة الكردية في المدارس الحكومية يمثل خطوة متقدمة في تعزيز قيم المواطنة المتساوية وترسيخ الحقوق الثقافية للمواطنين الكرد، بوصفهم جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني السوري". وفي ما يتعلق بآليات التنفيذ، أكد تركو أن "الوزارة ستباشر في إعداد القرارات التنظيمية اللازمة لتطبيق المرسوم بأقرب وقت، بما يضمن دخوله حيّز التنفيذ الفعلي فوراً، وبما يراعي الأصول التربوية والمعايير الأكاديمية، ويكفل تطبيقاً متوازناً يحقق الغاية الوطنية والإنسانية".
وختم الوزير بالتأكيد أن المدرسة السورية ستبقى الحاضن الأول لوحدة المجتمع، وأن التعليم هو الجسر الأصدق لترسيخ التفاهم وتعميق الانتماء الوطني، وبناء أجيال واثقة بهويتها، معتزة بتنوعها، ومتمسكة بوحدة وطنها أرضاً وشعباً.
ويقول مسؤول في وزارة التربية لـ"العربي الجديد" إنّ الوزارة بصدد تشكيل لجنة مختصة لوضع التعليمات التنفيذية لتدريس اللغة الكردية، على أن تضم مُدرّسين من ذوي الاختصاص اللغوي والتربوي لإعداد الكتاب المدرسي المعتمد. ويضيف أن الخطة ستبدأ بالمرحلة الابتدائية، قبل الانتقال لاحقاً إلى المرحلتين الإعدادية والثانوية، ضمن مسار تدريجي يُراعي المعايير الأكاديمية ويضمن استقرار التجربة.
وبحسب المصدر، من المتوقع أن يبدأ تدريس اللغة الكردية بمعدل ساعتين أسبوعياً، وبشكل اختياري غير إلزامي، احتراماً لحرية الطلاب وأهاليهم، على أن ينطلق التطبيق في المدارس الواقعة ضمن المناطق ذات الغالبية الكردية، مع التوجه لتوسيع التجربة لاحقاً لتشمل مدارس أخرى في مختلف المحافظات، مع التركيز على المعرفة والقيم والمهارات، وقيم المواطنة والتسامح واحترام القانون والسلم الأهلي والمهارات الرقمية.
ويتابع أنه لا يوجد مانع من تعلم الطلاب العرب اللغة الكردية، ولا سيّما في المدن الكبرى ذات التركيبة المتنوّعة، مثل العاصمة دمشق. ويشير إلى أن اللغة الكردية تُدرَّس حالياً في مدارس عفرين وكوباني (عين العرب) في ريف حلب، وفي عدد من مدن محافظة الحسكة وبلداتها، باستثناء مدينة الحسكة، إضافة إلى أكثر من نصف مدارس مدينة القامشلي، حيث يعتمد المُدرّسون المنهاج المعتمد لدى "مؤسسة اللغة الكردية"، ويضم سلسلة تعليمية متكاملة، ويعمل 239 مُدرّساً في مدارس القامشلي، فيما يُقدَّر عدد المُدرّسين في مختلف المناطق بنحو 2400 مُدرّس، يعمل معظمهم بصورة تطوعية.
ويوضح المُشرف على تدريس اللغة الكردية في كلية التربية منذ عام 2013، عصمت الله رمضان، أن تدريس اللغة يسهم في تعزيز التواصل بين الثقافات والتعريف بالشعب الكردي، بما يدعم التعددية الثقافية وتعزيز الانتماء الوطني والمصالحة المجتمعية في سورية. ويضيف لـ"العربي الجديد" أن هناك إقبالاً متزايداً من العرب غير الناطقين بالكردية ومن الكرد أنفسهم على تعلم اللغة لأغراض علمية واقتصادية، وأحياناً للسفر، مؤكداً أن تعلمها في إطار أكاديمي يرسّخ قيم الحوار والانفتاح. ويرى آلان محمود، وهو مُدرّس سابق للّغة الكردية في مدارس الإدارة الذاتية، أنّ التحدي الأكبر يكمن في "نقل التجربة من إطار سياسي - أيديولوجي إلى إطار تربوي مهني"، مؤكداً أن تدريس اللغة يجب أن يُفصل عن الصراع القائم، وإلا يتحوّل إلى مادة خلافية بدل أن يكون جسراً للتفاهم.
في المقابل، يعبّر بعض الأهالي عن قلقهم من أن يبقى القرار حبراً على ورق. ففي ريف الحسكة، يقول محمد إبراهيم، وهو أب لثلاثة طلاب: "نريد أن نرى كتباً ومعلّمين وحصصاً فعلية، لا مجرد تصريحات". كذلك لا يمكن فصل القرار عن سياق التفاوض مع القوى الكردية، إذ إن مطلب الاعتراف باللغة الكردية كان بنداً ثابتاً في جولات الحوار السابقة من دون أن يُفضي إلى اعتراف رسمي. ويرى الباحث الاجتماعي كاوا رشيد أن الخطوة "تفتح نافذة، لكنها لا تغلق الملف"، معتبراً أن الامتحان الحقيقي يكمن في الاستمرارية وتحويل الاعتراف اللغوي إلى جزء من نموذج دولة تعترف بالتعدد الثقافي.
تختلط مشاعر الأكراد في سورية بين الفرح والترقب، إذ يبدون فرحتهم بأن لغةً حوصرت طويلاً ستُسمع أخيراً في الصفوف، لكنّهم لا يخفون قلقهم، لكون التجربة السورية مليئة بالقرارات غير المكتملة. ومع ذلك، يتفق كثيرون على أن ما جرى يشكّل لحظة فاصلة في علاقة الدولة مع أحد أقدم مكوّناتها، وقد يكون، إذا ما أُحسن البناء عليه، بداية مسار مختلف، تعود فيه المدرسة لتكون مساحة اعتراف لا إقصاء، وتنوّع لا خوف منه.