اللجوء في بريطانيا... حماية تحت الاختبار لا بداية لوطن جديد
استمع إلى الملخص
- تسببت التعديلات في انقسام بين الحكومة والمعارضة، حيث ترى الحكومة أنها ضرورية لضبط نظام اللجوء، بينما تحذر منظمات حقوقية من تأثيرها السلبي على الصحة النفسية والاندماج الاجتماعي.
- تشير تحليلات إلى أن السياسات الجديدة قد تزيد من عدد الأشخاص العالقين في النظام، مما يعقد حياة اللاجئين ويؤخر استقرارهم.
لا تقتصر التعديلات البريطانية الأخيرة لقانون اللجوء على المسار القانوني، بل تطاول تفاصيل الحياة اليومية لعشرات آلاف اللاجئين، وتؤثر مباشرة على حق الاستقرار، وعلى حق لم الشمل.
تغيّرت تفاصيل الحصول على حق اللجوء في بريطانيا بهدوء غريب لا تمكن مقارنته بحجم الضجيج الذي رافق "خطة رواندا" لترحيل اللاجئين التي طوتها حكومة كير ستارمر رسمياً، بينما القرارات الجديدة تجعل الطريق الذي كان يقود اللاجئ إلى الاستقرار والجنسية يمرّ عبر إقامة مؤقتة قابلة للتجديد، ومراجعات قانونية لا تنتهي.
وينقسم المشهد البريطاني بين خطاب حكومي يَعدُ بردع الهجرة السرية وتمتين الثقة العامة، وخطاب حقوقي واجتماعي يحذّر من أن النظام الجديد لن يوقف البحث عن الأمان، بل سيجعل اللاجئ يعيش داخل دائرة الحماية المؤقتة بلا يقينٍ معيشي أو عائلي أو قانوني، وأن اللجوء في بريطانيا يتجه إلى أن يصبح "حمايةً تحت الاختبار، لا بدايةً لوطن جديد".
ولا تطاول التغيرات الجديدة القوانين وحدها، بل تنعكس على جنسيات بعينها تمثّل أغلبية طالبي اللجوء، من بينهم السوريين والسودانيون والأفغان والباكستانيون والإيرانيون، والذين يجدون أنفسهم أمام نظام يسمح بالحماية، بيد أنّه يؤجّل الاستقرار، ويُبقي العائلة معلّقة بين الفراق ومحاولات لمّ الشمل.
ومع تراكم الملفات وتداخل صلاحيات وزارة الداخلية والمحاكم، تقف بريطانيا أمام سؤال جوهري: هل ستوقف الإقامات المؤقتة وصول طالبي اللجوء، أم ستزيد عدد العالقين في الانتظار الطويل والمستقبل المجهول؟
تشير بيانات وزارة الداخلية إلى أنّ عدد طلبات اللجوء في المملكة المتحدة يبلغ 111 ألفاً و84 طلباً حتى يونيو/حزيران 2025، بزيادة تقارب 14% مقارنة بأرقام العام السابق، وتُظهر البيانات أنّ الأشخاص الأكثر تقدّماً بطلبات اللجوء في تلك الفترة كانوا من باكستان وأفغانستان وإيران وإريتريا وبنغلادش على الترتيب.
ووفقاً لتحليلات مرصد الهجرة في جامعة أوكسفورد لعام 2024، برزت خمس جنسيات كان لها الدور الأكبر في ارتفاع عدد الطلبات، وهي بنغلادش وباكستان وسورية والسودان وفيتنام، ويضيف المرصد أن السوريين والسودانيين حافظوا على معدّل قبول أولي مرتفع للغاية يقترب من 98%، ما يجعلهم من بين أكثر الفئات تضرّراً من إعادة تعريف مسار الاستقرار والحماية.
وتربط الأرقام بين حجم التدفّق الذي يتجاوز مائة ألف طلب سنوياً وخريطة الجنسيات الأكثر تمثيلاً، وتظهر أنّ أي تحوّل جوهري في شروط الإقامة أو لمّ الشمل سيطاول بصورة مباشرة الجنسيات التي كانت تعتبر سابقاً من الفئات ذات الحماية شبه المضمونة.
لن تكون حماية اللاجئين دائمة بل سيُطلب تجديدها كل 30 شهراً
ويقول الباحث في مرصد الهجرة التابع لجامعة أوكسفورد بيتر وولش، لـ"العربي الجديد"، إنّه "من الصعب الجزم بتأثير التعديلات الجديدة على قرار طالبي اللجوء القدوم إلى المملكة المتحدة نظراً إلى غياب الأدلة العلمية التي توضّح حجم هذا التأثير. طالبو اللجوء ليسوا دائماً على دراية كاملة بالسياسات، وقراراتهم تتأثر بعوامل أخرى مثل وجود أفراد عائلة في بريطانيا، أو اللغة الإنكليزية، أو الروابط المجتمعية".
ويشير وولش إلى أنّ "الأدلة المتاحة تُظهر أنّ طالبي اللجوء يولون قيمة كبيرة لفرصة الحصول على استقرار دائم ولمّ شمل الأسرة، ما يعني أنّ تلك القيود قد تؤخذ بعين الاعتبار. كما أنّ تجربة الدنمارك، التي شهدت انخفاضاً في أعداد طلبات اللجوء بعد تطبيق سياسات مشابهة، لا تتيح الجزم بأن هذا الانخفاض جاء نتيجة تلك السياسات وحدها. الهدف المعلن للسياسة البريطانية الجديدة هو تقليص فترات الإجراءات القانونية والطعون، لكن الحكومات المتعاقبة سبق أن قدّمت سياسات مشابهة"، في إشارة إلى تكرار النهج من دون وجود تقييم واضح لفاعليته.
وبحسب صحيفة "ذا غارديان"، لن تكون الحماية الممنوحة للاجئين دائمة بعد الآن، بل سيُطلب من حاملها تجديد وضعه كل ثلاثين شهراً، وإثبات استمرار حاجته إلى الحماية، مع إمكانية إنهاء الإقامة إذا اعتُبرت البلاد الأصلية آمنة. وفي السياق نفسه، ذكرت "سكاي نيوز" أنّ الدعم المالي والسكن لن يكونا حقاً مضموناً كما كان في السابق، بل سلطة تقديرية يمكن تقييدها استناداً إلى القدرة على العمل أو ملكية الأصول.
وتؤكد صحيفة "آي نيوز" أنّ الحكومة تتجه رسمياً إلى إلغاء المسار التلقائي نحو الإقامة الدائمة، بحيث لا تعود السنوات الخمس كافية لبناء الاستقرار، بل يتحوّل اللجوء إلى إقامة مؤقتة تمتدّ إلى عشرين عاماً للقادمين عبر طرق غير نظامية، ما يعد أطول طريق للاستقرار في أوروبا.
وتتقاطع هذه التعديلات مع البيانات الحكومية التي تشير إلى أكثر من 111 ألف طلب لجوء خلال السنة الأخيرة، ما يزيد الضغط على النظام، ويعيد رسم العلاقة بين الحماية والبقاء داخل البلاد. والنتيجة الفعلية لهذه السياسات أن اللاجئ الذي كان ينتظر خمس سنوات لبناء حياة مستقرة مع عائلته سيجد نفسه تحت مراجعة دائمة، ووضع قانوني مؤقت لا يعرف إن كان سينتهي بالاستقرار أم بقرار ترحيل في أي لحظة.
علاوة على ذلك، تتجه الحكومة، وفق ما أوردته "فاينانشال تايمز" و"سكاي نيوز" أخيراً، إلى مصادرة المقتنيات الثمينة من الواصلين عبر طرق غير نظامية، مع استثناء الممتلكات ذات القيمة العاطفية، في خطوة ترى منظمات حقوقية أنها "تنزع من اللاجئين آخر ما يملكون بعد رحلة الهرب"، وتحوّل اللجوء إلى "عملية تفتيش ومحاسبة لا إلى حماية إنسانية".
وفي قلب الجدل الدائر حول إصلاحات اللجوء، يأتي صوت المنظمات المتخصّصة في دعم الناجين من الصدمات ليعيد النقاش إلى جوهره الإنساني بعيداً عن لغة الأرقام. تقول الرئيسة التنفيذية لمؤسسة هيلين بامبر أليسون بيكاب، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الإجراءات الجديدة لن تردع الأشخاص الباحثين عن الأمان من الوصول إلى المملكة المتحدة، لكنها ستلحق ضرراً كبيراً بالصحة النفسية والاندماج الاجتماعي لأولئك الذين تُقرّ الدولة نفسها بحاجتهم إلى الحماية".
تضيف بيكاب: "هذه السياسات ستُبقي الرجال والنساء والأطفال في حالة مستمرة من القلق وانعدام اليقين بشأن احتمال ترحيلهم، وحتى بعد الاعتراف بهم لاجئين، قد يضطر كثير منهم إلى الانتظار أكثر من عشرين عاماً قبل الاستقرار، مع حرمان عدد كبير من حقّ لمّ الشمل مع أسرهم. الاستقرار ليس رفاهية نفسية، بل شرط أساسي لتعافي الناجين من الحروب والتعذيب، وإجبارهم على التعامل المتكرر مع منظومة هجرة صدامية ومعقدة سيزيد أعراض القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، وقد يمنعهم من إعادة بناء حياتهم".
وتحذّر من أثر شروط الدخل والرسوم ومتطلبات اللغة على طلبات لمّ الشمل، مؤكدة أنها ستترك اللاجئين محاصرين بالحسرة النفسية، والعجز عن حماية أحبّائهم. وتلفت إلى أن "الغالبية العظمى من طالبي اللجوء محرومون من حق العمل، ما قد يعرّضهم للفقر أو التشرّد أو الاستغلال. هذه السياسات تتعارض مع الالتزام الدولي بتسهيل الاندماج، ومع الإرشادات القانونية في قانون العبودية الحديثة، لأن الكثير من الناجين من الاتجار بالبشر لا يستطيعون الإفصاح عن تجاربهم بسبب الصدمة أو الخوف".
في المقابل، تقدّم الحكومة البريطانية هذه التعديلات باعتبارها خطوة لا غنى عنها لإعادة ضبط نظام اللجوء وتقليل عبور قوارب الهجرة، وبالتالي تخفيف الضغط على الخدمات والموارد. وقالت وزيرة الداخلية شبانة محمود لـ"سكاي نيوز"، في 15 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إن "الهدف هو استعادة العدالة والثقة، وإنهاء المسار التلقائي للاستقرار الذي يشجّع على الهجرة غير النظامية، ويقسّم المجتمعات".
في السياق نفسه، أوردت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" أن الحكومة تعوّل على أن الإقامة المؤقتة القابلة للمراجعة ستعزّز الردع من دون الحاجة إلى الخروج من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وأحدث هذا النهج انقساماً حاداً داخل الحزب الحاكم قبل أن يصل إلى أحزاب المعارضة، إذ وصفت النائبة العمالية نادية ويتوم السياسات الجديدة بأنها "تمييزية وغير إنسانية"، وحذّر النائب العمالي كلايف لويس من أنّ "استلهام التجربة الدنماركية في اللجوء يعني الاقتراب من سرديات اليمين المتطرّف".
ولا تقتصر الاعتراضات على المجال السياسي، إذ حذّر الصليب الأحمر البريطاني من أن الإقامة المؤقتة وقطع الدعم سيؤديان إلى "زيادة التشرّد والفقر بين طالبي اللجوء"، ونبّهت منظمة "الحرية من التعذيب" إلى أنّ هذه السياسات ستفاقم الضغط النفسي والصدمات لدى الناجين من التعذيب والاتجار بالبشر الذين يحتاجون إلى بيئة مستقرة، لا إلى مراجعة مستمرة لحياتهم وشرعية وجودهم.
وتحول التغييرات الأخيرة حق اللجوء في بريطانيا إلى نظام حماية مؤقّتة طويلة الأمد، وتشير تحليلات مرصد الهجرة في جامعة أوكسفورد إلى أنّ "هذه السياسات لن تؤدي بالضرورة إلى تراجع أعداد طالبي اللجوء، بل قد تؤدي إلى زيادة عدد الأشخاص العالقين داخل النظام لفترات أطول نتيجة تمديد الإقامات المؤقتة، وخضوع الآلاف للمراجعات الدورية بدل الانتقال إلى استقرار دائم".
بينما تكرر الحكومة البريطانية أنّ "تقييد الطريق إلى الاستقرار" سيُضعف الدافع لعبور القناة الإنكليزية بطرق غير نظامية، ويعيد بناء الثقة بنظام الهجرة. في حين تحذّر منظمات إنسانية من أنّ النتيجة قد تكون نظاماً مكلفاً وبطيئاً وغير مستقر، تُمدّد فيه الإقامات المؤقتة، وتتكرر فيه المراجعات القضائية لفترات طويلة من دون أفق واضح للحسم.