اللجوء السوداني... قصص الفرار من الفاشر إلى مخيمات تشاد
استمع إلى الملخص
- ينتظر اللاجئون في معبري أدري والطينة توزيعهم على المخيمات في تشاد، حيث يواجهون نقصًا حادًا في الخدمات الأساسية مثل الطعام والماء والرعاية الطبية، ويعيشون في ظروف مزرية.
- تشير التقديرات إلى وصول عشرات الآلاف من اللاجئين إلى تشاد، حيث يواجهون تحديات كبيرة في الحصول على المساعدات الضرورية بسبب نقص الدعم الدولي.
وصل آلاف اللاجئين السودانيين الفارين من مدينة الفاشر إلى الحدود مع الجارة تشاد، وعلى وجوههم وأجسادهم آثار المعاناة الطويلة وأشهر التجويع.
عقب معاناة ومشقة وسير على الأقدام لعدة أيام، وصل آلاف اللاجئين السودانيين الذين غادروا مدينة الفاشر، كبرى مدن إقليم دارفور، إلى معبري أدري والطينة على حدود تشاد، في ظروف سيئة ناتجة عن تعرضهم للتجويع لأشهر، فضلاً عن الانتهاكات القاسية التي عاشوها على الطريق إلى الحدود، والذي قطعه بعضهم في نحو أسبوعين.
وسلك الفارون من الفاشر، التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، دروباً محفوفة بالمخاطر، وتعرضوا للكثير من الانتهاكات عند الحواجز الأمنية المنتشرة، حيث درج أفراد "الدعم السريع" على نهب المتعلقات الشخصية للنازحين، وإلزامهم بدفع إتاوات، وإجبار بعضهم على دفع فدية مالية باهظة، وقتل آخرين.
وأكد اللاجئون الذين لا يزال بعضهم ينتظرون توزيعهم على مخيمات شرقي تشاد، أن الجوع والعطش والأمراض والتعذيب لم يستثن منهم امرأة ولا طفلاً. من معبر الطينة، تقول السودانية خديجة سليمان (63 سنة)، وهي أم لسبعة أبناء، إن الوصول إلى الحدود بمثابة ميلاد جديد للاجئين الذين تحملوا الكثير من صنوف المعاناة منذ اندلاع الحرب.
وتضيف المرأة التي يرافقها خمسة من أولادها لـ"العربي الجديد": "لم نتوقع النجاة من القصف الذي طاول المدينة، والذي تزامن مع الحصار والتجويع، وكذلك الإعدامات الميدانية داخل المدينة، والانتهاكات خلال رحلة النزوح. لم نكن ضحايا حرب بين طرفين، بل حرب ضد المواطنين العزل الذين لا يجدون الطعام ولا مياه الشرب والعلاج، والذين قتل الآلاف منهم من دون أي جرم سوى أنهم لم يتمكنوا من الهرب في الوقت المناسب".
وعن رحلة الهروب التي قطعتها في اثنتي عشر يوماً، تقول خديجة: "سرنا لمسافات طويلة، وبعض النازحين كانوا مصابين، وحملهم ذووهم على أكتافهم، بينما الجميع يعانون الجوع والإرهاق. في اليوم الأول لخروجنا من الفاشر، وبعد يوم واحد من سيطرة الدعم السريع عليها، تعرضنا لعمليات تفتيش وانتهاكات متعددة، وكان الجنود يضربون المدنيين بالسياط، ويشتمونهم، حتى وصلنا إلى قرية قرني غربي الفاشر، والتي تحولت إلى مركز استقبال، ومنها وجدنا مركبات إلى طرة، ومنها توجهنا نحو الحدود التشادية. بعد أيام مريرة على الطريق، تمكنا من الوصول إلى معبر الطينة منهكي القوى، وما زلنا نعيش حالة صدمة ناتجة عما تعرضنا له".
سلك الفارون من الفاشر دروباً خطرة وتعرضوا لكثير من الانتهاكات، بينما لا تتوفر الخدمات الأساسية في مخيمات تشاد والطعام والدواء شحيحان
وتكاد تتطابق إفادات اللاجئين السودانيين الذي وصلوا إلى شرقي تشاد بعد رحلة مضنية. تقول نادية إبراهيم (43 سنة)، وهي أم لثلاثة أطفال لـ"العربي الجديد": "حولتنا رحلة النزوح الشاقة إلى لاجئين، وقد وصلنا إلى الحدود في حالة صحية ونفسية سيئة بعد أن فقدنا مدخراتنا وحياتنا برمتها. ننتظر حالياً توزيعنا على المخيمات في شمال وشرق تشاد، والتي يسكنها آلاف اللاجئين السودانيين، وبعضهم من ضحايا الحروب السابقة. يقولون إن المخيمات لا تتوفر بها الخدمات، والطعام يكاد يكون معدوماً، والمعونات شحيحة، واللاجئون الذين وصلوا حديثاً من الفاشر، مثلنا، حالهم أسوأ من بقية اللاجئين، وننتظر توفر العلاج الطبي والنفسي، لكن المعطيات تشير إلى عدم توفر هذه الأساسيات في الوقت الحالي".
من معبر أدري الحدودي، تقول فاطمة يحيى (69 سنة) لـ"العربي الجديد": "فقدت سبعة من أفراد أسرتي داخل الفاشر، ومن أجل الوصول إلى أدري، مشيت على أقدامي مع خمس من بناتي وعدد من أحفادي لثلاثة أيام، إلى أن بدأت تظهر وسائل النقل الشحيحة المتوفرة في بعض المناطق، بيد أن أسعارها باهظة، ولذلك يفضل النازحون السير على الأقدام، أو ركوب الدواب التي يدفعون لأصحابها أموالاً أقل، لكنها تجعل الرحلة تستغرق وقتاً طويلاً".
وتصف تفاصيل رحلة اللجوء إلى تشاد قائلة: "شاهدنا فظائع على الطريق، من بينها مئات الجثث التي لا نعرف كيف مات أصحابها، ومن بينهم نساء ورجال وأطفال، ويقال إن بعضهم قتلوا عمداً، ومنهم من مات بالجوع والعطش، أو بسبب المرض، لأنه لا يتوفر الدواء ولا الرعاية الطبية في الطريق التي تحول السير عليها إلى مجازفة غير مضمونة العواقب بسبب الانفلات الأمني، وانتشار المسلحين الذين لا يترددون في قتل الناس، أو نهبهم".
وتضيف يحيى: "أنتظر وصول ثلاثة من أفراد أسرتي، والذين فقدتهم أثناء مغادرة الفاشر، ولا أعلم مكانهم حتى بعد مرور أكثر من أسبوعين على فقدانهم. كل الأسر التي وصلت إلى تشاد لديها اشخاص مفقودون خلال رحلة الهرب، ولا نعلم إن كانوا أحياء أم أمواتاً. من بين المفقودين نساء وأطفال، ولأن الاتصالات متوقفة في الإقليم منذ ثلاث سنوات، فإن وسيلة الاتصال الوحيدة هي الإنترنت الفضائي، ولا يتوفر سوى لدى أفراد الدعم السريع، وهؤلاء غير مسموح للنازحين بالاقتراب منهم".
بدورها، تقول زهرة شريف (72 سنة) من معبر الطينة لـ"العربي الجديد": "غالبية الواصلين من كبار السن والنساء والأطفال والمرضى، أما الشباب، فيتم القبض عليهم في الحواجز الأمنية، وبعضهم يُقتَلون، وآخرون يُعتقَلون، والجنود يطلبون منهم دفع الفدية لإطلاق سراحهم، لذا أغلب المفقودين هم من الشباب الذين حاولوا الخروج من الفاشر، ووقعوا في قبضة قوات الدعم السريع، وبعض الداعمين لهم الذين يمتهنون خطف المواطنين لإجبارهم على دفع فدية مالية باهظة".
رغم أن أرقام اللاجئين الذين وصلوا إلى تشاد غير معروفة على وجه الدقة، تُقدِّر مصادرُ في معبري الطينة وأدري الأعدادَ بالآلاف، ويقول أحد المتطوعين لخدمة اللاجئين في معبر أدري لـ"العربي الجديد": "عدد الواصلين إلى معبر أدري منذ سيطرة الدعم السريع على الفاشر يقدر بنحو 30 ألف شخص، ولا يزال المزيد من الأشخاص يصلون يومياً، والغالبية يصلون في حالة إعياء شديد لأنهم ساروا على أقدامهم لأيام، وهم يأتون في جماعات لا تتجاوز 90 شخصاً".
ويقول المتطوع الذي فضل عدم ذكر اسمه: "الأوضاع غاية في السوء، وهناك نقص كبير في الخدمات المقدمة للاجئين الذين وصلوا في حالة إنهاك وجوع شديدين، ويحتاجون كأولوية عاجلة إلى الطعام والرعاية الطبية والأدوية، فكثيرون يصلون بإصابات بليغة بالرصاص، تعرضوا لها في الفاشر أو في الطريق، ولم تقدم لهم أية مساعدة طبية لأيام طويلة، ما فاقم الإصابات، وجعل بعضها يتطلب إجراء عمليات جراحية مستعجلة".
بدورها، تقول المتطوعة لاستقبال اللاجئين في معبر الطينة، كوثر محمدين لـ"العربي الجديد": "أكثر من 60 ألف شخص وصلوا حتى الآن من الفاشر والمناطق القريبة منها إلى المعبر الحدودي، وجرى توزيعهم على المخيمات في شمال وشرق تشاد، وبعضهم يعيشون في ضيافة معارفهم الذين وصلوا قبلهم إلى المخيمات. هناك أزمة خدمات قائمة، وصعوبات في توفيرها في الوقت الحالي، وكثير من اللاجئين الذين وصلوا في أوقات سابقة يحتاجون إلى الطعام ومياه الشرب، أما الذين وصلوا من الفاشر حديثاً فحالتهم أسوأ، واحتياجاتهم مُلحة لأنهم وصلوا في أوضاع مزرية، وبعضهم مصابون بسوء التغذية، أو بجروح غائرة، والغالبية في حالة نفسية مدمرة، ولا بد من تقديم الرعاية لهم في أسرع وقت".
ونقل بعض اللاجئين السودانيين من معبر الطينة إلى مخيمات مُرة ودُقي ومخيم ملح، ويقول آدم عبد الحميد الذي وصل من الفاشر مع أسرته إلى مخيم ملح لـ"العربي الجديد": "الخدمات غير متوفرة، ويعاني اللاجئون الجوع شديد، ومياه الشرب يتم الحصول عليها بصعوبة في معظم المخيمات، ولا توجد رعاية طبية، ومدارس المخيمات مغلقة، والأوضاع عموماً لا تختلف عما هي عليه في الفاشر، سوى في الابتعاد عن مناطق الحرب، وعدم سماع أصوات الرصاص ورؤية الجثث في الطرقات ووسط الأحياء".
من جهة أخرى، يقول المتحدث باسم منسقية اللاجئين والنازحين في دارفور، آدم رجال لـ"العربي الجديد": "أوضاع الفارين من الفاشر سيئة، ولا يمكن حصرها في الجوع أو المرض والقتل خارج القانون، لأن كل الانتهاكات وقعت، وهؤلاء الناس تشردوا من المدينة، وما زال بعضهم في عداد المفقودين، ومن وصلوا إلى طويلة، أو عبروا الحدود نحو تشاد أحوالهم غاية في السوء، ويحتاجون إلى الرعاية والطعام وكافة المساعدات".