- عملية تخمير "الكول" ترفع من قيمته الغذائية بشكل كبير، مما يُعزز مناعته ويُحسن وظائف الكبد والهضم، رغم أن هذه الفوائد ما تزال بحاجة إلى تأكيد علمي.
- يُبرز "الكول" أهمية المعارف التقليدية في مواجهة الأزمات الغذائية والمناخية، ويُشجع على استكشاف الحلول البيئية المستدامة من الأرياف المَنسية.
حدّثني صديقي أنّ جدّه الذي تخطّى المائة عام ما زال يمشي مسافات طويلة ليجمع النباتات البرية ذات الخصائص التي توارثوا معرفتها، وخصوصاً نبتة "الكول" المُرّة التي يرى فيها مادة غذائية غنية، لعلّها من أسباب تمتعه بصحة جيّدة طيلة هذه السنوات.
ويبرز الإقبال على "الكول" في مناطق غرب السودان، ويعرف في المناطق الشرقية باسم "السوريب"، واستخدمته الجدّات عبر خلال طقس منزلي بسيط يبدأ بجمع الأوراق، ثم طحنها قبل أن تُوضع في إناءٍ من الفخار يُدفن في الأرض لأسابيع، حتى تكتمل عملية التخمير، والتي من شأنها رفع القيمة الغذائية لهذا المنتج البيئي الذي يُعدّ بديلاً للحوم.
في بحثه المنشور عام 1984، قدم البروفيسور السوداني حامد درار، نبتة "الكول" للعالم بوصفها معرفة بيئية متوارثة، ودرساً بيئيّاً عميقاً يحكي فطنة الإنسان حين يُحوّل موجودات البيئة إلى أسباب بقاء، وكيف استطاعت النساء أن يصنعن عِلماً قبل أن تُصاغ له المصطلحات.
ينتمي "الكول" إلى العائلة البقولية، ووجد الخبراء في أوراقه المركّبة وقرونه الصغيرة المحمّلة بالبذور مفاتيح لفهم علاقة الإنسان بالنبات في بيئاتٍ هشّة تعتمد على المطر الموسمي.
وتمثل الأغذية المخمّرة، إلى جانب كونها بدائل رخيصة، أنظمة بيئية دقيقة تُعيد التوازن للأمعاء والمناعة، ولها دور في تحسين وظائف الكبد وتقليل اضطرابات الهضم، وإن كانت هذه الفوائد ما تزال في طور التحقّق العلمي، لكنّ بعض الدراسات تؤكد أن التخمير يرفع البروتين بنسبة 38%، والكالسيوم 98%، والمغنيسيوم بنسبة 75%، والحديد 47%.
ويبلغ محتوى البروتين في "الكول" نحو 20% من وزنه، الأمر الذي يضعه في خانة قريبة من اللحوم، وليس غريباً أن يُسمّى "لحم الفقراء" في ذاكرة الريف الغذائية.
ويرى البعض في "الكول" مجرّد بهار يُضاف إلى الطعام المطبوخ، بينما هو درس في كيفية بناء أنظمة غذائية تعتمد على الموجود، لا في الأكل فحسب، بل في علاج الكثير من الأمراض، إذ تستُخدم بذوره في علاج اليرقان، وتهدئة اضطرابات المعدة، وتخفيف الصداع. لكنّ هذه الاستخدامات، رغم انتشارها، ما تزال بحاجة إلى دراسات علمية تؤكد فعاليتها وتحدّد جرعاتها وآثارها الجانبية.
في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات المناخية والغذائية، ربّما على العالم أن يُعيد النظر إلى المعارف التقليدية المولودة من الملاحظة والتجربة لتحقيق الأمن الغذائي، والبدء من الأرياف المَنسية لاكتشاف ما أهملناه من حلول بيئية وغذائية مستدامة.
(متخصص في شؤون البيئة)