الكوليرا في السودان... إصابات مقلقة وسط نظام صحي منهار

29 مايو 2025   |  آخر تحديث: 03:18 (توقيت القدس)
خلال موجة تفشي الكوليرا في السودان، 25 سبتمبر 2024 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشهد السودان تفشيًا واسعًا للكوليرا في سبع ولايات، مع تسجيل أكثر من 4000 إصابة ومئات الوفيات، وسط نقص حاد في المحاليل والكوادر الصحية ووسائل التعقيم، مما ينذر بكارثة صحية.
- تحاول السلطات السودانية السيطرة على الوضع بتوفير الإمدادات والتلقيح، لكن الاكتظاظ في مراكز العزل ونقص الإمكانات يفاقم الأزمة، مع فتح مراكز جديدة تفتقر للبنية التحتية.
- تواجه جهود مكافحة الكوليرا تحديات كبيرة، منها ضعف استجابة المؤسسات وغياب الدعم الأممي، وتدهور الوضع البيئي، مما أدى لانتشار المرض في مناطق مكتظة بالسكان.

يشهد السودان تفشياً للكوليرا في 7 ولايات، وسط قطاع صحي متهالك جراء الحرب، واكتظاظ مراكز العلاج، ما ينذر بأزمة صحية خطيرة، ما لم يتم تدارك الوضع من قبل السلطات المعنية

وسط محاولة تكتم شديدة من السلطات الحكومية، تفشّى الكوليرا في 7 ولايات في السودان هي: الخرطوم، الجزيرة، سنار، شمال كردفان، نهر النيل، البحر الأحمر، والشمالية. وبلغت حصيلة الوفيات الأولية، بحسب بيان أصدرته نقابة الأطباء، حوالي 346 حالة في الخرطوم، و57 في شمال كردفان، و33 في نهر النيل، و30 في الشمالية، و45 في ولاية الجزيرة، وأكثر من 500 في أم درمان. وتفيد مصادر ميدانية في مراكز العزل بأن عدد الوفيات بالمئات، والإصابات أكثر من 4000 حالة.
ووصفت لجنة نقابة أطباء السودان الوضع بالخطير. وقالت: "انتشر الكوليرا وسط نقص حاد في المحاليل الوريدية، وشُح في الكوادر الصحية، وعدم توفر مصادر مياه نظيفة، وغياب شبه كامل لوسائل التعقيم والمطهرات، إلى جانب قلة الطاقة الاستيعابية للمستشفيات ومراكز العزل أمام الأعداد المتزايدة من المرضى". وتابعت النقابة في بيانها: "تدهور الوضع البيئي نتيجة للحرب، وضعف استجابة المؤسسات الرسمية، وغياب الدعم الأممي، جميعها عوامل ساهمت في هذا التفشي الواسع، خصوصاً مع وجود أعداد كبيرة من العائدين والنازحين في مناطق مكتظة من دون خدمات أو غرف طوارئ مجهزة. ومع انتشار الكوليرا في جنوب ووسط البلاد منذ أشهر، لم يتم التعامل معه بالجدية اللازمة، ما أدى إلى انتشاره، الأمر الذي ينذر بكارثة إنسانية وصحية كبيرة".  
ويقول وزير الصحة الاتحادي هيثم محمد إبراهيم، إن الإمداد الدوائي في ولاية الخرطوم كاف لمجابهة الجائحة، مشيراً إلى وصول حوالي 150 طنا من المحاليل الوريدية. كما أعلن عن توفير التلقيح الوقائي لجميع المواطنين في جميع محليات الولاية، لافتاً إلى أن "الوضع البيئي الذي أفرزته المليشيا المتمردة بعد دحرها في ولاية الخرطوم أدى إلى ظهور الوباء".
وأكدت وزارة الصحة في ولاية الخرطوم أن لجنة الطوارئ الصحية قد أعلنت عن مغادرة 530 مصابا إلى مراكز العزل بعد تلقّيهم العلاج، وعولجت 76 حالة إصابة عبر فرق الاستجابة السريعة والعيادات الميدانية المنتشرة في محليات الولاية السبع من دون إحالتهم إلى مراكز العزل. وأشارت الوزارة في بيان إلى إخضاع 52 حالة للعلاج عبر العيادات الميدانية في منطقة الصالحة، جنوب العاصمة الخرطوم.
يقول مكتب الإعلام في وزارة الصحة بولاية الخرطوم، لـ"العربي الجديد"، إنه جرى تطهير 1452 منزلاً ودار إيواء في كل من أم درمان، كرري، بحري وجبل أولياء، وتوزيع 4360 حبة كلور. وبلغ عدد المستفيدين من تعزيز الصحة 2679 مواطنا، فيما رفضت الوزارة الإشارة بدقة إلى عدد الوفيات أو المرضى الذين لا يزالون في مراكز الحجز.
ويتهم عدد من المتطوعين في مراكز العزل وزارة الصحة في ولاية الخرطوم بتعمد التخفيف من حجم الكارثة. ويقول المتطوعون لـ"العربي الجديد" إن سكان الولاية عاشوا خلال الأيام الماضية حالة من الذعر، بعدما أصبح المرضى يموتون على الطرقات العامة وفي المساجد، فيما يجلس بعض ذوي المرضى تحت فيء الأشجار والمقاهي، بعد توصيل المحاليل الوريدية إلى المرضى.
وعانى المرضى والمرافقون جراء اكتظاظ المراكز، حتى أن بعض المرافقين اضطروا إلى حمل المحاليل الوريدية لعدم توفر حوامل لتعليقها. ويقول أحد المتطوعين في مستشفى النو في أم درمان، سالم عبد الكريم، لـ"العربي الجديد"، إنه شهد في 26 مايو/أيار الجاري ثلاث حالات وفاة خلال خمس دقائق، في وقت يصل إلى مركز العزل مريض كل عشر دقائق. يضيف: "في ظل امتلاء مركز العزل، اضطر بعض ذوي المرضي إلى حقنهم بأنفسهم تحت ظلال الأشجار". 
وفي 27 مايو/أيار، أعلنت منظمة الصحة العالمية تسجيل حوالي 60 ألف حالة إصابة بالكوليرا في السودان، ما أسفر عن أكثر من 1640 حالة وفاة. وقالت إنها تواصل الدعم من خلال ركائز الاستجابة المتعددة بالسودان، مُحذّرة من عواقب انهيار النظام الصحي في البلاد، وتراجع قدرات الدول المجاورة على الاستجابة لاحتياجات العدد المتزايد من اللاجئين السودانيين الوافدين إليها، مع استمرار الحرب الدائرة في إحداث "أزمة إنسانية ذات أبعاد كارثية".
في مركز العزل في مستشفى أم درمان، أصبح الوضع أكثر سوءاً، وفقاً لإفادة طبيب يعمل في المستشفى. ويقر الطبيب الذي فضل حجب هويته لدواع أمنية، لـ"العربي الجديد"، بوجود عدد من الجثث التي قضت ثلاثة أيام داخل فناء المستشفى، ولم تجد من يدفنها خشية العدوى.

وبعد امتلاء مركز عزل مستشفى أم درمان ومركز عزل مستشفى النو، شرعت السلطات الصحية في نقل المرضى إلى مركز حجز جديد في مستشفى أمبدة الذي كان خارج الخدمة منذ اندلاع الحرب. ويقول المتطوع في مركز عزل مستشفى أمبدة، حامد علي، لـ"العربي الجديد"، إن مركز العزل امتلأ بعد أقل من 12 ساعة على افتتاحه. يضيف: "المرضى حالياً يفترشون الأرض لعدم توفر أسرّة، وقد لجأ بعضهم إلى الأشجار في فناء المستشفى".
ويفتقر مستشفى أمبدة لأبسط الإمكانات التي تؤهله ليكون مركزاً لعزل مرضى الكوليرا، وفقاً لإفادة أحد الأطباء في المستشفى. ويقول لـ"العربي الجديد" إن "المنطقة التي يقع فيها المستشفى كانت خاضعة لاحتلال قوات الدعم السريع لأكثر من عامين، وقد سرقت خطوط الكهرباء والأثاث. لذلك، ليس مقبولاً أن تكون مركزاً للعزل وهي تفتقر لأبسط الأساسيات". 
وبلغ عدد مراكز العزل التي افتتحتها وزارة الصحة منذ بدء انتشار الكوليرا 16 مركزاً، منها مركز مستشفى النو ومركز مستشفى أم درمان ومركز مستشفى أمبدة والجزيرة سلانج، البان جديد، جبل أولياء، مستشفى بشائر، صالحة، الجموعية، الضو حجوج، المستشفى التركي، ومركز عزل البجا عبد القادر.
وتقول مصادر طبية إن نسبة التردد اليومي على المراكز تزيد عن 200 مريض. وفي ظل الاكتظاظ، رفض بعض ذوي المرضى إدخالهم إلى مراكز العزل، كما جرى في مستشفى النو في أم درمان. وتقول خالدة أحمد، وهي أم لمريض بالكوليرا، إنها تفضل أن يكون ابنها أمامها بدلاً من إدخاله إلى مركز العزل الذي تصفه بأنه يفتقر إلى الرعاية اللازمة، كما أن الكوادر الطبية العاملة قليلة. تضيف خالدة لـ"العربي الجديد": "الوضع داخل مركز الحجز أسوأ من الخارج. لذلك، أُفضّل شراء المحاليل بنفسي وإعطاءها لابني حتى لا يموت داخل مركز العزل".

طفل مصاب بالكوليرا في السودان، 17 أغسطس 2024 (فرانس برس)
طفل مصاب بالكوليرا في السودان، 17 أغسطس 2024 (فرانس برس)

ويقول أحد سكان الحارة المجاورة لمركز عزل مستشفى النو، إنها سجلت 13 حالة إصابة بالكوليرا في 27 مايو. يضيف أن ذوي المرضى رفضوا نقلهم إلى مركز العزل لضعف المتابعة الطبية، واكتفوا بعزلهم في منازلهم. وفي ظل الاكتظاظ في مراكز العزل توفي عدد من المصابين خارج المركز، بعضهم في المساجد المجاورة والبعض الآخر في الطرقات. وعُثر على جثة مريض بالكوليرا في مسجد مجاور لمستشفى النو.
إلى ذلك، يقول إبراهيم عبد الله، أحد المواطنين الذين عثروا على الجثة داخل المسجد، لـ"العربي الجديد": "يبدو أن المريض جاء إلى مركز العزل ولم يجد رعاية طبية، فلجأ إلى المسجد وفارق الحياة بعد مدة قصيرة". واعتقلت السلطات الأمنية عدداً من المتطوعين، من بينهم علي جباي، الذي تعرّض للضرب قبل إطلاق سراحه. ويقول الأخير لـ"العربي الجديد" إن الأجهزة الأمنية اعتقلته بعد نشره عدداً من صور المرضى الذين توفوا في الطرقات العامة، ومنهم مريض مات داخل مسجد المستشفى.
ويشير إلى أنه ينشط في توعية المواطنين وتوفير المحاليل للمرضى "وليس لدي أية سوء نية يتجاوز مصلحة المواطنين".

وتتراوح أسعار المحاليل الوريدية التي يستخدمها مرضى الكوليرا ما بين 2500 جنيه (دولار واحد) و12 ألفاً (حوالي ستة دولارات) من صيدلية إلى أخرى.
وتفيد مصادر في مستشفى أم درمان بأن سلطات ولاية الخرطوم وضعت المنظمات العاملة في تقديم الرعاية لمرضى الكوليرا بين خيار التوقف عن تسجيل المرضى ونشر أعدادهم أو مغادرة المستشفى. وتؤكد المصادر الطبية التي فضلت عدم الكشف عن اسمها أن المنظمات رفضت أوامر السلطات بعدم تسجيل المرضى واختارت إيقاف خدماتها في مستشفى أم درمان تحديداً.
ووفقاً للأطباء في مستشفى النو، يحتاج مريض الكوليرا يومياً إلى ما بين 4 إلى 8 محاليل وريدية، ما شكل عبئاً على الأسر التي تعاني ظروفاً اقتصادية سيئة نسبة لظروف الحرب، وتوقف كافة الأعمال التجارية واليدوية في الخرطوم. وكان وزير الصحة هيثم إبراهيم قد أعلن قبل أيام أن متوسط حالات الإصابة بالكوليرا تتراوح ما بين 600 إلى 700 حالة أسبوعياً خلال الأسابيع الأربعة الماضية. وتعتبر هذه الموجة من الكوليرا الثالثة التي تجتاح السودان منذ اندلاع الحرب في منتصف إبريل/نيسان 2023.