الكتابة على الجلد... يوميات مصري يمارس النقش بالنار في سيوة
استمع إلى الملخص
- يواجه تحديات في الحصول على الجلود المدبوغة، ويعتمد على آلة حرق مستوردة من الصين، ويعدلها بنفسه لتناسب الخط العربي، مستفيدًا من تفاعل العملاء لتعزيز شبكته الاجتماعية.
- رغم التحديات، يطمح لتوسيع متجره والمشاركة في معارض الحرفيين الشباب، مستفيدًا من الأمان في سيوة لمواصلة تطوير فنه.
في ركن جانبي من ممر ضيق بمدخل قلعة "شالي" في قلب واحة سيوة، الواقعة وسط الصحراء الغربية، يقف الثلاثيني فارس منكباً على قطعة مصقولة من الجلد، ممسكاً بآلة كهربائية مسننة، يمرر رأسها المدبب الناري فوق السطح الجلدي، ليخط بحروف لاتينية كلمة "سيوة"، وعلى الجانب يوقع اسمه باللغة العربية بالآلة التي تتحرك بسهولة تحرك أنامله.
لم يكن فارس الذي أتقن الكتابة على الجلد صاحب صنعة، لكن موهبته في الرسم وعشقه للحفر على الجلد فجر طاقاته الإبداعية، ليتحول من مدرس في مدينة مرسى مطروح، الواقعة على البحر المتوسط، نحو 300 كيلومتر إلى الشمال من سيوة، إلى أحد الحرفيين المهرة في صناعة الجلود.
جاء الشاب المصري من مرسى مطروح محملاً بحلم أن ينجح مشروعه الخاص، وأن يقبل عليه السائحون الذين يزورون الواحة، لكن الواقع كان أثقل من الحلم، ففرص العمل شحيحة، ولا يتوافد السائحون بكثافة. كان يعلم أن صناعة الجلود في مصر تتغير، لكن حرفته اليدوية التي تعتمد على اللمسة الشخصية كانت تشجعه، فاختار محيط قلعة "شالي"، باعتبارها قبلة الزائرين، وملتقى أهلها، وهي عامرة بالحركة ليل نهار، ليفتح متجراً بسيطاً على جانب الدرجات الصاعدة إلى القلعة الأثرية ذات الدهاليز العجيبة، وفي مواجهة بوابتها العتيقة، ويعرض نماذج من أعماله التي تشمل رسوماً بدوية، ونقوشاً عربية وفرعونية، وأخرى بخطوط لاتينية.
يروى فارس بفخر لـ"العربي الجديد"، أنه احترف تلك المهنة كبيراً، وأن عشقه لها دفعه إلى ترك مهنة التدريس، ليصبح أحد فناني التراث البيئي القلائل في محيط قلعة "شالي"، لكنه على الرغم من الحرفة الدقيقة التي يمارسها، لا يجد جلوداً مدبوغة جيدة في المناطق المحيطة بالواحة، لذا يبحث عن الأنواع التي يريدها في أسوان جنوباً، حيث يحصل على جلود التماسيح والثعابين، ويشتري من المناطق الصحراوية وبر الجمال وفرو الثعالب، ومن محافظات أخرى يأتي بجلد الحصان والماعز.
ويشير فارس إلى أنه يعرف جودة الجلود من واقع خبرته عندما يلمس سطحها ويشم رائحتها، وهو يفركها بين أصابعه كي يتأكد أنها ستتحمل حرارة آلة الحرق. يقول وهو يعرض أعماله على مجموعة من الشباب قبل صعودهم إلى قلعة "شالي"، إنه أحضر آلة الحرق ورؤوس النقش الدقيقة من القاهرة، وأنه يجري استيرادها من الصين، وهو يعيد تركيبها بنفسه، ويعرف كيف يطوّعها لتناسب انحناءات الخط العربي.
يتعامل فارس مع عملائه ببساطة تعكس طبيعته الفنية، والمنطقة التي اختار العمل والعيش فيها، والبعيدة عن زحام المدن الكبرى، مؤكداً أن الحياة وسط السيّاح مختلفة، فهم يأتون إلى المكان عادة في الصباح الباكر، ويعودون عند المساء، في زيارات تتزايد عادة خلال الفترة من مطلع أكتوبر/تشرين الأول حتى إبريل/نيسان من كل عام.
ويشير إلى أن المكان الذي اختاره للعمل لم يكن بالمصادفة، بل مكان يمر به آلاف السياح يومياً، وبعضهم يقفون أمام أعماله كي يسألونه عن معنى الكلمات، وعن التقنية التي يستخدمها، وعن الوقت الذي يستغرقه ليكتب اسماً على قطعة من الجلد. يضيف: "بعض السائحين يعودون في اليوم التالي ليطلبوا هدايا خاصة، وبعضهم يكتفون بالتقاط الصور، وأشترط عليهم أن يرسلوا لي نسخة منها، أو نشرها على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. تمنحني الحوارات مع الزائرين شعوراً بأن ما أفعله ليس مجرد تجارة، بل نافذة أطل منها على العالم، وأصبحت أمتلك شبكة علاقات واسعة تجعل فني متداولاً حول العالم".
يعي فارس أن وجوده بين فنانين آخرين ينحتون أشكالاً فنية من كتل الملح، وينتجون مشغولات يدوية من البوص، أو زعف النخيل، يمثل معرضاً لمهارات يدوية عريقة معرضة للانقراض. وبالرغم من الحياة الهادئة، وبهجة الزوّار اليومية، فإنه يخوض معركة قاسية لتأمين دخل يمكّنه من توفير "لقمة العيش"، وثمن الجلد والزخارف، إذ يتراوح متوسط سعر القطعة الواحدة المنقوشة ما بين 200 إلى 400 جنيه، في ظل منافسة شديدة على عملاء لا يقدر بعضهم قيمة العمل اليدوي، والذي يتوقف لعدة أشهر خلال فصل الصيف.
وعلى الرغم من قسوة التفاصيل، يأمل الشاب المصري أن يطور حجم عمله ومساحة متجره البالغة مترين مربعين، وأن تتاح له المشاركة في المعارض الكبيرة التي تقام للحرفيين الشباب بدعم من الدولة.
في نهاية يوم العمل، يكتفي فارس بطي طاولته، وإطفاء آلة الحرق والنقش، ويضع ستاراً قماشياً على معرضه، ليعود إليه في اليوم التالي من دون خوف من سرقة أو اعتداء، إذ تخلو واحة سيوة من حوادث السرقة، ولم تشهد أية أعمال عنف في السابق.