القيمة الاقتصادية للطيور في الأجهزة البيئية

01 نوفمبر 2020
الصورة
مراقبة الطيور سياحة ذات مردود ضخم (دافيد بوستامانتي/ Getty)
+ الخط -

تقوم الأجهزة الإيكولوجية أو البيئية بخدمات كثيرة للإنسان، منها خدمات مباشرة وأخرى تمهيدية. فالطيور الطرائد التي يسمح القانون بصيدها تعتبر خدمة مباشرة للإنسان إذ تصله جاهزة للأكل ويمكن تقييمها بالعملة، أما خدمة تقديم الموئل المناسب لتسهيل وضع البيض من قبل الطيور الطرائد فهي خدمة غير مباشرة ويصعب تقييمها بالمال. وقبل الشروع في الحديث عن هذه الخدمات، لا بدّ من تفسير ماهية الأجهزة البيئية. كلنا يعلم أنّ الكائنات الحية لها احتياجات مختلفة ومتنوعة وأينما اجتمعت في موئل محدد فإنّها تتفاعل مع عناصر الموئل ومكوناته وفي ما بينها، مكونة ما يسمى الجهاز البيئي (النظام الإيكولوجي). مثل هذا الجهاز بمواصفات كهذه وسبل تعامل الطيور مع بعضها بعضاً ومع بيئتها الفيزيائية (مياه، تربة، حرارة، وغيرها) تنتج خدمات غالباً من حيث لا تعلم. فالطيور تلقح الأزهار كما النحل، وتنثر البذور كما الثعلب، وتنظف الطبيعة بأكل الجثث كما الضبع، وتساهم بالانتقاء الطبيعي بأكل الحيوانات الضعيفة كما الذئاب، وتأكل الحشرات الضارة بالمحاصيل والغابات وتقضي عليها بفعالية أقوى من تلك التي تتأتى من المبيدات الحشرية، وتتغذى على فئران الحقل التي تنهب محاصيل الإنسان، وتلعب دور المرشد لتدل البشر على أماكن فيها ثروات غذائية كخلايا العسل الطبيعية التي لا يمكنهم العثور عليها من تلقاء أنفسهم إلاّ بالصدف النادرة جداً. وبفضل قوة شمّها فإنّها تلعب دور المرشد لتدلّ الإنسان على الأماكن التي فيها تسرب غاز في أنابيب تحت الأرض، وبفضل قوة بصرها فإنّها ترى الماء من مسافة بعيدة جداً، خصوصاً في الصحاري حيث يحتاج الإنسان إليها، وبعض أنواعها كالصقور والعقبان في النهار والبوم في الليل يقوم مقام البندقية ويصطاد الطرائد التي يأخذها منه الإنسان.
الطيور علمت الإنسان الكثير ليطور نفسه، فتعلم منها المواصفات المطلوبة التي تسهل الطيران وما زال ذلك يحدث حتى اليوم، خصوصاً للتغلب على المطبات الهوائية التي تواجه الطائرات، مع الإشارة إلى العوائد الاقتصادية للبيض الذي توفره الطيور التي دجنها الإنسان واللحوم التي توفرت له من الدجاج والفرّي وديك الحبش والبط والفزان والحجل وغيرها من الطيور، وإلى العوائد التي جمعها من براز الطيور البحرية لبيعها واستخدامها كأفضل أنواع المخصبات للتربة.
ولعلّ المصدر المالي الأهم الذي توفره الطيور من دون إزعاجها والتعدي على أراضي تفريخها أو قتلها أو صيدها هو ذلك المتمثل بمراقبتها من قبل مراقبي الطيور شغفاً في التعرف عليها وتحديد نوعها وعدد أفرادها والتعرف على عاداتها وتصرفاتها. العائد المالي من سياحة مراقبة الطيور في السنة يبلغ نحو 100 مليار دولار في الولايات المتحدة، وما معدله مليار دولار في كلّ بلد بغرب أوروبا، وما بين 5 و10 ملايين دولار في مصر والأردن، بينما يحاول لبنان أن يصل إلى الحدّ الأدنى على الرغم من الضائقة الاقتصادية التي تبتليه.

أما قيمة مساهمة الطيور في مكافحة الحشرات الضارة فهي أربعة أضعاف كلفة المبيدات الحشرية التي تستخدم في الحقول والبساتين، وهي كلفة لا تشمل كلفة المحافظة على أشجار الغابات من التدهور بسبب هذه الحشرات الضارة. أما كمية ما يحصل عليه الإنسان في لبنان من لحوم الطيور الطرائد المسموح بصيدها فهي 450 طناً في السنة وذلك من دون حساب قيمة الطيور الممنوع صيدها والتي مع ذلك يجري اصطيادها. ويقدّر ثمن هذه اللحوم المسموح بصيدها بـ 27 مليون دولار، علماً أنّ كلفة صيدها تقارب 24 مليون دولار، باحتساب الخرطوش. لكنّ هذه التجارة بالطيور تبقى خاسرة إذا ما أخذ بالاعتبار ثمن البنادق المستعملة وكلفة رحلات الصيد، بالإضافة إلى احتساب قيمة المنفعة من الطيور المقتولة، لو بقيت حية، في مكافحة الحشرات الضارة، لأنّ كلّ الطيور تأكل حشرات، خصوصاً في موسم تربية الصغار وإطعامها. فالعصفور الواحد يأكل بوزنه حشرات أي 2100 حشرة في اليوم إذا كان معدل وزن الطيور المقتولة هو 30 غراماً فقط. وهذا يعني أنّ الطيور المقتولة في لبنان في سنة واحدة فقط كان عليها افتراضياً أن تتغذى على 11 تريليوناً و497 ملياراً و500 مليون حشرة في السنة. وسوف نوضح أكثر في مقالات مقبلة الخسائر الاقتصادية والصحية التي تتعرض لها البيئة من قتل الطيور في لبنان.

*اختصاصي في علم الطيور البرية

المساهمون