القطاع الصحي الأوروبي في أزمة.. عنف واكتئاب وأفكار انتحارية

18 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 12:27 (توقيت القدس)
أطباء يرتدون بدلات واقية في مستشفى بكاراكوف، 17 أكتوبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أظهرت دراسة لمنظمة الصحة العالمية أن 10% من الأطباء والممرضين في الاتحاد الأوروبي يعانون من أفكار انتحارية و32% من أعراض اكتئاب، مما يبرز أزمة الصحة النفسية بعد جائحة كوفيد-19.
- تعاني أنظمة الصحة الأوروبية من نقص الكوادر وزيادة الطلب، مما يضع العاملين تحت ضغوط شديدة ويؤدي إلى استقالات وهجرة نحو بيئات عمل أفضل.
- تتزايد الدعوات لخطة أوروبية شاملة لتحسين بيئة العمل ودعم الصحة النفسية للعاملين، مع التركيز على حماية العاملين من العنف.

أظهرت دراسة حديثة لمنظمة الصحة العالمية أن أكثر من 10% من الأطباء والممرضين في دول الاتحاد الأوروبي يعانون من أفكار انتحارية، فيما أفاد 32% منهم بأعراض اكتئاب. هذه الأرقام الصادمة تسلّط الضوء على أزمة الصحة النفسية في أوساط العاملين في الرعاية الصحية الأوروبية، الذين كانوا على الخطوط الأمامية خلال جائحة كوفيد-19، ولا يزالون يتحمّلون تبعات نظام صحي يُعاني من ضغط مزمن ونقص متصاعد في الموارد.

الدراسة التي صدرت الشهر الجاري، شملت أكثر من 90 ألف من العاملين في الصحة في 29 دولة أوروبية، بين أكتوبر/ تشرين الأول 2024 وإبريل/ نيسان 2025، كشفت أن ثلث العاملين تعرضوا للعنف أو التحرش خلال العام الماضي، وأن ربعهم يعمل أكثر من 50 ساعة أسبوعياً، وهي ظروف تُشكل وصفةً مثاليةً لما يسمى "لاحتراق النفسي" والانهيار الذهني.

ورغم أن دولاً مثل الدنمارك سجّلت معدلات أقل نسبياً للاكتئاب بين الأطباء والممرضين (15%)، فإن الصورة تبدو قاتمة في دول أخرى مثل لاتفيا، حيث تصل نسبة المصابين بأعراض اكتئابية إلى 50% من الكوادر الصحية.

وراء هذه الأزمة النفسية، تكمُن أزمة بنيوية أعمق في أنظمة الصحة الأوروبية: نقص حاد في الكوادر، وتزايد الطلب، وموارد لا تكفي. فمع شيخوخة السكان وتزايد الأمراض المزمنة، تواجه المستشفيات عبئاً متنامياً من دون تعزيزات بشرية كافية. يُجبر هذا الواقع الأطباء والممرضين المتبقين على العمل ضمن ظروف مُجهدة للغاية، بأوقات دوام طويلة، وأحياناً في أقسام تُدار بعدد أقل بكثير من المطلوب.

في أقسام الطوارئ والطب النفسي خصوصاً، يتحدّث العاملون عن إرهاق جسدي ونفسي مزمن، وتعرض دائم للعنف من المرضى أو ذويهم، وسط شحّ في المعدات، وتأخّر في الدعم الحكومي، ما يجعل أداء المهام الأساسية أقرب إلى المعركة اليومية. وقد أدت هذه الضغوط إلى موجة استقالات مبكرة، وهجرة داخلية وخارجية للعاملين الصحيين نحو دول توفر بيئة عمل أفضل، مما يُعمّق الفجوة في الدول التي تعاني أصلاً من ضعف البنية الصحية.

الدعوة إلى خطة أوروبية شاملة

في ظل هذه المؤشرات الخطيرة، تتزايد الدعوات من النقابات الطبية ومنظمات الصحة الأوروبية إلى إطلاق خطة شاملة لإعادة هيكلة القطاع الصحي، لا تقتصر فقط على الإنفاق، بل تشمل: تحسين بيئة العمل، ودعم الصحة النفسية للعاملين، وتعزيز حماية الطواقم من العنف، وتقديم حوافز لبقاء الأطباء والممرضين في القطاع العام.

كذلك تُطالب جهات مهنية، مثل جمعيات التمريض في الدول الاسكندنافية، بإجراءات على المستوى الوطني والأوروبي لمعالجة هذه "الأزمة الصامتة"، قبل أن تتحول إلى انهيار فعلي في الخدمات الصحية الأساسية، خاصة في المناطق الريفية والنائية.

وفي تعقيبها على نتائج الدراسة، قالت الدكتورة ناتاشا أزوباردي-موسكات، مديرة أنظمة الصحة في المكتب الإقليمي الأوروبي لمنظمة الصحة العالمية: "تختلف الضغوط التي يواجهها الأطباء والممرضون في أنحاء أوروبا، من ساعات العمل الطويلة في بلد، إلى العقود المؤقتة في بلد آخر، أو العنف في أماكن العمل، لكن الأثر على الصحة النفسية يبقى واحداً.
وأضافت: "نقيس قدرة المستشفيات بعدد الأسرّة، ونجاح العمليات الجراحية بمعدلات النجاة، لكننا غالباً ما نفشل في قياس رفاه العاملين في الرعاية الصحية. تُظهر هذه النتائج أن الصحة النفسية يجب أن تُعامل كمؤشر أداء أساسي، تماماً كما نفعل مع سلامة المرضى أو القدرة الاستيعابية للمستشفيات. فصمود أنظمتنا الصحية لا يمكن أن يتجاوز صمود النساء والرجال الذين يكرسون حياتهم للعناية بالآخرين".

هذه التصريحات تُسلّط الضوء على ما خلص إليه أيضاً تقرير منظمة الصحة العالمية "الوقت للعمل" الصادر عام 2022، والذي أكد أن وتيرة توظيف العاملين في القطاع الصحي لا تواكب الطلب المتزايد، ما يُشكل ضغطاً غير محتمل على الأنظمة الصحية والعاملين فيها. وبدون تحرك فعلي، فإن أوروبا مهددة بمواجهة عجز يُقدّر بنحو 940 ألف عامل في مجال الصحة بحلول عام 2030.

ما تشير إليه دراسة "الصحة العالمية" هو أن الصحة ليست فقط أرقاماً في الميزانيات، بل هي قصص يومية لأطباء وممرضين يُحاولون تقديم الرعاية وسط ظروف قاسية، وصمت بيروقراطي. وإذا لم تعد الاعتبار للعامل البشري في هذه المعادلة، فقد لا يكون السؤال القادم عن جودة الرعاية، بل عن توفرها أصلاً في مجتمعات تتجه نحو شيخوخة أكثر وموارد بشرية رعوية أقل من المطلوب، وانغلاق ورفض قومي متشدد من استقبال اليد العاملة من الخارج، ما يعمق حالة هذا القطاع الصحي وغيره من قطاعات أوروبية.

المساهمون