الفرنسية والإنكليزية في الجزائر... جدل يتجاوز التعليم إلى السياسة

18 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 01:12 (توقيت القدس)
إقرار تعلم الإنكليزية منذ الصف الثالث، الجزائر، 22 سبتمبر 2024 (بلال بن سالم/Getty)

يرتبط السجال المحتدم حول تفضيل اللغة الإنكليزية على الفرنسية في القطاع التعليمي بالجزائر بمواقف سياسية وأيديولوجية وتاريخية متباينة، لكن الحكومة تواصل مسار دعم التدريس بالإنكليزية.

تشهد الجزائر نقاشاً حاداً منذ إعلان وزير التربية الجزائري محمد الصغير سعداوي قرار تدريس اللغة الإنكليزية في التعليم الابتدائي بداية من الصف الثالث، في مقابل تدريس اللغة الفرنسية من الصف الرابع، ليتخذ النقاش بعداً سياسياً من جانب، وبيداغوجياً من جانب آخر.
وتبرر الحكومة هذا القرار بالحاجة إلى مسايرة التطور الحاصل عالمياً في علاقة بالمعاملات الاقتصادية والتجارية. ويدعم القرار تيارٌ شعبيٌّ يستند إلى حساسية تاريخية تتعلق بالاستعمار الفرنسي، والرغبة في التخلص من عقدة تركة اللغة الفرنسية.
وليس قرار تفضيل الإنكليزية على الفرنسية في التعليم وليد اللحظة، فمنذ عام 2022، اتخذت الجزائر قراراً بإعادة توجيه النظام التعليمي نحو حضور أكبر للغة الإنكليزية، وبدأ التدريس الرسمي للإنكليزية في المرحلة الابتدائية لأول مرة في العام الدراسي الذي انطلق في سبتمبر/أيلول 2022، عقب قرار اتخذه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في شهر يونيو/حزيران من العام نفسه.
وفي أغسطس/آب 2023، كشف مجلس الوزراء عن التوظيف المباشر لأكثر من 50 ألفاً من بين خريجي المعاهد والجامعات الذين يتقنون الإنكليزية، لتغطية حاجة المؤسسات التعليمية مع إقرار التوسع في تدريسها، وفي ذات العام أصبحت تدرس في الصف الرابع الابتدائي.
ويدعم كثير من الجزائريين فكرة الانتقال التدريجي في مسار تعليم اللغات الأجنبية، وتقليص التوسع في تعلم الفرنسية لصالح تعلم الإنكليزية، ويرجعون ذلك إلى اعتبارات فرضتها العولمة السياسية والاقتصادية والثقافية، كون الإنكليزية هي اللغة الأبرز في العالم، وينطق بها قرابة 500 مليون شخص كلغة أم، بينما يجيدها قرابة 1.4 مليار نسمة حول العالم، إلى جانب أنها لغة البحث العلمي ولغة التكنولوجيا والإعلام والاقتصاد والبنوك، وأيضاً لغة الدبلوماسية.
وكرر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في تصريحات سابقة، أن الانحياز إلى الإنكليزية خيار استراتيجي فرضته تلك العوامل المذكورة، إلى جانب أن القدرات الذهنية للتلاميذ الصغار لا تمكنهم من استيعاب ثلاث لغات أو أربع في نفس الوقت، خصوصاً مع إضافة الأمازيغية في بعض المدارس، علاوة على تشابه الفرنسية والإنكليزية في طريقة كتابة الحروف، وحتى في نطق بعض الكلمات، ما يدفع إلى تقليص إحداهما.

تباين حول تعلم اللغات في السنوات الأولى، الجزائر، سبتمبر 2024 (بلال بن سالم/Getty)
تباين حول تعلم اللغات في السنوات الأولى، الجزائر، سبتمبر 2024 (بلال بن سالم/Getty)

ويصف المتحدث باسم المجلس الوطني المستقل لمديري الثانويات، يزيد بوعنان، قرار أولوية الإنكليزية بأنه "خيار استراتيجي مهم ينبغي إنجاحه، لأن القرارات الاستراتيجية لا تتحمل الفشل"، ويؤكد لـ"العربي الجديد" أن "إنجاح هذا القرار مرهون بتوفير مجموعة من الشروط والإمكانات المادية والبشرية اللازمة، وعلى رأسها الكوادر التعليمية، والوسائل البيداغوجية المتطورة، إضافة إلى تحسين المناهج التربوية. هذا الانتقال يتعيّن أن يتضمن مقاربة شاملة لإصلاح المنظومة التربوية، وليس ضمن مقاربة تجريبية ظرفية، والسجالات الأيديولوجية واللغوية التي تتجدد مع كل قرار ليست ذات جدوى لأن خلفيات أصحابها معروفة، وهي لا تهدف إلى تطوير المنظومة التربوية بقدر ما يهمها تبني أهداف أخرى ليس لها علاقة بتطوير التعليم أو بجودته". في المقابل، يبدي التيار التقدمي في البلاد الذي تمثله عدة أحزاب سياسية، عدم ارتياحه لهذا التوجه، ويظهر أن قرار التحييد التدريجي للغة الفرنسية لصالح الإنكليزية يزعجه بسبب خلفيات ذات صلة بالخصومة السياسية التاريخية مع التيار العروبي المحافظ، إضافة إلى كونه يرى اللغة الفرنسية ما زالت تسيطر على الإدارة العمومية والأرشيف كجزء من مخلفات الاستعمار الفرنسي (1830- 1962).
وأثارت مقابلة تلفزيونية حديثة للخبير البيداغوجي والمسؤول السابق في وزارة التربية الجزائرية، أحمد تيسة، جدلاً واسعاً، إذ رفض تفضيل الإنكليزية على الفرنسية، مبرراً موقفه بدوافع بيداغوجية بحتة، واتهم وزارة التربية بإقصاء الفرنسية بخلفية أيديولوجية، في إشارة إلى سيطرة التيار المحافظ.
لكن هذا الجدل الذي غلب عليه البُعد السياسي بين التقدميين الذين تمثلهم أحزاب وتنظيمات ثقافية ونخب فرانكوفونية،  والمحافظين الذين تمثلهم قوى إسلامية ونقابات وأولياء تلاميذ حول النظام التعليمي، يراه خبراء في علم البيداغوجيا على أنه محاولة لتسييس النقاش حول المدرسة، معتبرين أن أي إصلاح للنظام التعليمي يتعين أن يكون في الإطار البيداغوجي العلمي، وأن يأخذ بعين الاعتبار مصلحة جميع الأطراف الفاعلة في المدرسة، وهي المعلم والتلميذ والأسرة، وبالتالي مصلحة المجتمع، كما أن غايات الإصلاح ومخرجاته يتعين أن تلبي هدف التطوير والتحديث المجتمعي.

يتبنى المسؤول السابق في وزارة التعليم العالي، عبد القادر بودرامة، موقفاً مختلفاً، إذ يدعو إلى أن تكون كل سنوات التعليم الأولى باللغة العربية، ويؤكد لـ"العربي الجديد"، أن "الخبرة البيداغوجية تؤكد أن التلميذ في المرحلة الدراسية الأولى ينبغي أن يتسلح بالكفاءات القاعدية من قراءة وكتابة وتعبير وحساب، وأن يكون ذلك باللغة الأم، لا بأي من اللغات الأجنبية. إقحام اللغات الأجنبية المتعددة في سن مبكرة يمثل تشويشاً على التلميذ، وقد يؤدي إلى إضعاف قدراته الإدراكية، لا سيما إن كانت اللغات الأجنبية المقحمة قريبة من بعضها صوتياً، كما هو الحال مع الفرنسية والإنكليزية".
ولا يقتصر الأمر على التعليم الأساسي، وإنما يمتد إلى التعليم الجامعي أيضاً. في عام 2019، كشف استبيان حكومي أجرته وزارة التعليم العالي الجزائرية عبر شبكة الإنترنت، وشمل أكثر من 90 ألف طالب، أن 94,4% من المشاركين موافقون على اعتماد الإنكليزية كلغة أولى في الجامعات. وفي نهاية عام 2022، أعلنت وزارة التعليم العالي خطة لتعزيز مستوى الأساتذة في مجال اللغة الإنكليزية، شملت حينها 58 ألف أستاذ، عبر إتاحة الفرصة لهم للتسجيل في ليسانس اللغة الإنكليزية في المعاهد المتخصصة، أو التسجيل في مراكز التعليم المكثف للغات، أو عبر منصة التعليم عن بعد الحكومية.
وفي إبريل/نيسان 2025، بدأت وزارة التعليم العالي التجهيز لتعميم التعليم باللغة الإنكليزية خلال العام الجامعي الذي بدأ في شهر أكتوبر من نفس العام، وطلبت من عمداء الكليات والمراكز الجامعية، وضع خطة لتدعيم التدريس بالإنكليزية، والاستمرار في تدريب الأساتذة، خاصة في كليات الطب، لتصبح كل المقررات العلمية في السنة الأولى من دراسة العلوم الطبية التي تشمل الطب وطب الأسنان والصيدلة، باللغة الإنكليزية.