الفتى الفلسطيني سعيد عودة.. بطل الملاعب شهيداً

الفتى الفلسطيني سعيد عودة.. بطل الملاعب شهيداً

06 مايو 2021
الصورة
خلال التدريب (عن فيسبوك)
+ الخط -

لم يمهل القدر الفتى سعيد يوسف عودة (16 عاماً)، من قرية أودلا جنوب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة، ليفرح بالخبر الذي انتظره طويلاً، وهو حصول فريقه الرياضي على الموافقة بالمشاركة في بطولة شرم الشيخ الدولية للأكاديميات في كرة القدم، التي ستنظّم خلال الشهر المقبل، إذ نالت منه رصاصات الاحتلال الإسرائيلي لتصعد روحه إلى بارئها، أمس الأربعاء. 

خلال تواجد عودة، مساء أمس الأربعاء، مع رفيقه منذر عبد الرحيم وشبان آخرين عند مدخل قريته الوادعة، فوجئوا باقتحام دوريات الاحتلال الإسرائيلي المكان. ومن دون سابق إنذار ، أطلق الجنود الرصاص، ليصاب عودة بطلق ناري في صدره، ارتقى بعدها شهيداً، وقضت تلك الرصاصات على أحلامه بأن يصبح لاعب كرة قدم مشهورا، ويرفع اسم فلسطين عالياً في المحافل الدولية. كما أصيب صديقه برصاصة في ظهره، وهو يرقد الآن في المستشفى بحالة صعبة.

ويقول الناشط محمود أعديلي، من قرية أودلا، لـ"العربي الجديد": "الجريمة وقعت خلال توجه المواطنين لأداء صلاة العشاء والتراويح. كان الهدوء يطغى على المكان والشبان يتابعون ما يجري في بلدة عقربا المجاورة من اقتحامات ومداهمات للاحتلال، بحثاً عن منفذ علمية زعترة التي وقعت يوم الأحد الماضي. إلا أن آليات الاحتلال اقتحمت المكان، وبدأ جنود الاحتلال إطلاق النار العشوائي في كل الاتجاهات، فأصيب عودة وعبد الرحيم. وحاول الأخير، على الرغم من إصابته، سحب عودة إلى جهة آمنة، ولاحظ أن جنود الاحتلال يركضون صوبهما، لكنه لم يتمكن فاحتجزهما الجنود".

الخال المسعف

المفاجأة الكبرى كانت من نصيب المسعف فايز عبد الجبار الذي يعمل في جمعيّة الهلال الأحمر الفلسطيني، وقد حضر إلى المكان بعد تلقيهم بلاغا بوجود إصابات. إلّا أن قوات الاحتلال منعتهم من التقدم وإسعاف المصابين، ليصاب بالذهول عندما تبين له أن أحدهما هو ابن شقيقته، سعيد عودة.

ويقول عبد الجبار لـ"العربي الجديد": "سمح لنا جنود الاحتلال بالوصول إلى الشابين المصابين، بعد رفض استمر أكثر من خمس عشرة دقيقة. وما إن انسحبوا، حتى سارعنا إلى تقديم الإسعاف للمصابين. كان الأول ينزف من ظهره، لكن الصاعقة التي أصابتني أن الشاب الثاني الذي كان قد فقد كل معالمه الحيوية هو ابن شقيقتي سعيد. حملته بين ذراعيّ كما كنت أحمله طفلاً صغيراً، وأسرعت به إلى سيارة الإسعاف. كانت لحظات صعبة جداً".

لم يستسلم المسعف عبد الجبار على الرغم من الحالة الصعبة جداً التي كان عليها ابن أخته، وأوصله إلى مستشفى رفيديا الحكومي في مدينة نابلس. ويقول: "نسّقت خلال الطريق مع الطاقم الطبي لاستقبالنا. وفوراً، شرعوا في محاولة إنقاذه، لكنه كان قد نزف كميات كبيرة من الدم، خصوصاً أن الإصابة كانت في صدره".

الصورة
الشهيد عودة (عن فيسبوك)
(عن فيسبوك)

ويؤكد عبد الجبار أن احتجاز الاحتلال للشهيد ورفض السماح للطواقم الطبية الفلسطينية بإسعافه، هي عملية إعدام مقصودة. ويقول: "كلنا يعلم أن كل ثانية في هكذا وضعية تعد حاسمة، وكل تأخير يعني خطراً إضافياً على حياته".

إعدام عودة قضى على حلمه بأن يكون لاعب كرة قدم شهيرا. "كان لاعباً خلوقاً مميزاً تربطه علاقات مميزة مع الكادر الإداري والتدريبي وأعضاء الفريق"، يقول مدير أكاديمية "بيليه" الألمانية لكرة القدم حيث كان يلعب الشهيد، مصطفى أبو صفية، لـ"العربي الجديد". يضيف: "لم يكن سعيد مجرد مدافع عن فريقه، بل مدافعاً عن قضيته الوطنية الفلسطينية. هو لاعب اسمه وموهبته أكبر من سنه بكثير، فقد ذاع صيته سريعاً لأنه يتمتع بإمكانيات عالية، ولديه مهارة السرعة والرشاقة. كما يمتاز باللياقة البدنية والقدرة على تسديد الركلات الثابتة بشكل احترافي، ما يجعل الرعب يدب في قلوب حراس المرمى المنافسين".

ويقول أبو صفية: "من يتابع مباراة يلعب فيها سعيد، يستمتع وهو يراه يلاعب الكرة بحرفية، ويتمتع بإمكانياته غير العادية، والأهم أخلاقه العالية، وتركيزه العالي الذي جعله يتطور بسرعة مقارنة بأقرانه".

الصورة
الشهيد عودة (عن فيسبوك)
(عن فيسبوك)

وكان للشهيد عودة دور كبير في نيل فريقه المركز الأول في بطولة الصداقة الكروية التي نظمت في تركيا، وبطولة النشامى في الأردن. وأكثر ما ترك أثراً لدى أبو صفية أن فرحة الفتى عودة بالحصول على موافقة للسفر من أجل المشاركة في بطولة كروية في مدينة شرم الشيخ المصرية لم تدم طويلاً. وعن ذلك، يقول: "منذ يومين فقط وصلت الموافقة، لن أستطيع أن أصف فرحته. كان متحمساً لمزيد من الألقاب والأهداف. لكنه نال اللقب الكبير.. لقب الشهيد، وسافر إلى مكان نغبطه عليه. تركنا وسافر إلى الجنة".

وداع

بعد تشريح جثمان عودة في معهد الطب العدلي التابع لجامعة النجاح في نابلس، حُمل على الأكتاف في جنازة عسكرية، ثم في موكب إلى مسقط رأسه في أودلا. وما إن وصل الموكب إلى قريته، حتى تسابق الشبان إلى حمله والسير به في شوارع القرية، والصلاة عليه، قبل أن يُوارى الثرى. وكان المشيعون الغاضبون يرددون الهتافات المنددة بجريمة قتل عودة، وتصفيته عمداً، بعد تركه ينزف وعدم السماح للطواقم الطبية بإسعافه.

إعدام بدم بارد

وقالت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية إن قوات الاحتلال قتلت الفتى سعيد عودة، وهو في الصف العاشر في مدرسة ذكور أودلا الأساسية بمديرية تربية جنوب نابلس، بدم بارد، مؤكدة أنها جريمة جديدة بحق الأطفال والطلبة، ما يتطلب موقفاً حازماً وتدخلاً دولياً فورياً من كافة دول العالم والمؤسسات الحقوقية والقانونية ومنظمات حماية الأطفال.

الصورة
الشهيد عودة (عن فيسبوك)
(عن فيسبوك)

إلى ذلك، قالت الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال ـ فلسطين، في بيان، إن "الفتى عودة لم يشكل تهديداً خلال تواجده على مدخل قرية أودلا"، مشيرة إلى أنه ثاني طفل تقتله قوات الاحتلال منذ بداية العام الجاري، بعد قتل الطفل عطا الله محمد حرب ريان (17 عاماً) على مفترق قرية حارس بمحافظة سلفيت، بزعم محاولته تنفيذ عملية طعن.

أما الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة، فقد دعا المجتمع الدولي ومؤسساته، وفي مقدمتها مجلس الأمن الدولي، إلى توفير الحماية الدولية لتخليص الشعب الفلسطيني من بطش حكومة الاحتلال وانتهاكاتها المتواصلة. في حين دعا رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية، في بيان، المؤسسات الحقوقية الدولية والمجتمع الدولي، إلى إدانة الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال والمتمثلة بقتل الطفل عودة، مطالباً المؤسسات الحقوقية الدولية والمجتمع الدولي بتوفير الحماية للشعب الفلسطيني من تصاعد وتيرة الجرائم اليومية التي يرتكبها جنود الاحتلال والمستوطنون في الأراضي المحتلة.

المساهمون