استمع إلى الملخص
- تعاني عائلات مثل عائلة عبدو وعائلة الأشقر من خطر دائم لانهيار منازلهم، ورغم المناشدات للمؤسسات الدولية لتوفير بدائل آمنة، لم تلقَ استجابة، مما يجبرهم على المخاطرة بحياتهم.
- تتفاقم المخاطر مع الأمطار والرياح، مما يزيد احتمالية انهيار المنازل، ويجعلهم يبحثون عن أبسط حقوق الإنسان، وهو الحصول على سقف آمن.
تحولت منازل أهالي غزة المتضررة خلال الحرب الإسرائيلية إلى مصائد موت يومي، بينما لا تملك العائلات خياراً آخر سوى الصمود فيها رغم الخطر المحدق.
في أحياء غزة التي أنهكها القصف وأثقلها الركام، تعيش عائلات فلسطينية داخل بيوت لم تعد تشبه البيوت إلا بالاسم. جدران متشققة كأنها تحمل ندوب الحرب، وأسقف مائلة تُنذر بالانهيار في أي لحظة، وأعمدة فقدت تماسكها لكنها ما زالت تحاول الصمود الهشّ.
هذه البيوت التي تضررت بفعل القصف الإسرائيلي خلال الحرب تحولت إلى مصائد موت، ومع ذلك لم تجد تلك العائلات خياراً آخر سوى البقاء فيها، رغم علمها بالخطر المحدق الذي يتهدد حياتها في كل ساعة.
داخل هذه المنازل، ينام الأطفال وهم يحدّقون في شقوق تمتد فوق رؤوسهم، وتجلس الأمهات بقلوب معلّقة بالسقف أكثر ممّا هي معلقة بأحلام الغد، بينما يقضي الآباء لياليهم في مراقبة الجدران، يتحسسونها بأيديهم خشية أن تكون قد اقتربت من لحظة السقوط. ربما توقفت أصوات الانفجارات، لكن صداها ما زال حاضراً في تصدعات البيوت، وفي الخوف الدائم من أن ينهار المنزل فجأة من دون سابق إنذار.
وعلى الرغم من تكرار حوادث انهيار البيوت المتضررة، والتي خلّفت شهداء وجرحى ومفقودين تحت الأنقاض، لا تزال هذه العائلات محاصرة بانعدام الخيارات، لا بيوت بديلة، ولا مراكز إيواء تتّسع للجميع، ولا قدرة مادية على استئجار مساكن آمنة، في ظل أوضاع اقتصادية خانقة وبطالة واسعة.
ويعيش 14 فرداً من عائلة عبدو داخل غرف متهالكة أسفل عمارتهم السكنية المقصوفة سابقاً، في مُخاطرة كبيرة تهدد حياتهم، إلا أن انعدام البدائل وغياب الاستجابة لمناشداتهم المتواصلة لتوفير بدائل آمنة يُجبرهم على العيش غير الآمن. ويقول المواطن الفلسطيني موسى عبدو لـ"العربي الجديد" إنّه يسكن برفقة أسرته المكوّنة من أربعة أفراد مع أسرة شقيقه محمود المكوّنة من عشرة أفراد داخل شقة سكنية متصدعة بعد قصف الاحتلال الطبقات العلوية وتدمير شققهم السكنية.
ويوضح أن ما دفعهم إلى المخاطرة بحياتهم وحياة أطفالهم هو عدم وجود أي بديل آمن، ويضيف: "ناشدنا كل المؤسسات الدولية، ولجان الأحياء والجهات المعنية لتوفير بدائل آمنة أو توفير نقود لاستئجار مكان أكثر آدمية، لكن مناشداتنا ذهبت أدراج الرياح". ويكشف شقيقه محمود لـ"العربي الجديد" أن الاحتلال دمّر المنزل خلال النزوح الأخير في سبتمبر/ أيلول الماضي، ولم يترك لهم خياراً سوى السكن في الشقة الأرضية، على الرغم من الدمار الكبير الذي لحق بها، والركام الذي يحيط بها من كل النواحي. ويتابع: "تتساقط الحجارة علينا بشكل يومي، ويشعر أطفالي بالفزع، خصوصاً عند سماع الأنباء المتداولة حول سقوط المنازل المشابهة لمنزلنا على رؤوس أصحابها. كما أن تلك الشقة المتصدعة لا تحمي أفراد أسرتي من البرد ومياه الأمطار".
يتشابه واقع عائلة عبدو مع واقع عائلة الأشقر التي تعيش داخل بيت متهاوٍ، جرى تدمير أكثر من نصفه بعد قصف الطائرات الحربية للطبقات العليا، فيما يُغلق الركام مداخله، ويملأ بعض الغرف المدمّرة تماماً. وتعيش داخل هذا البيت القائم فقط بجزئه النصفي، الثمانينية المقعدة حليمة الأشقر رفقة ابنتها فاتن، بعد أن دمّر الاحتلال مبناهم المكوّن من خمس طبقات قبل أربعة أشهر، إذ تعرّض حينها لأحزمة نارية عنيفة دمّرت كل أشكال الحياة فيه.
وتقول ابنتها فاتن الأشقر إنّ منزلهم دُمّر على مرحلتين؛ الأولى كانت قبل النزوح الأخير، إذ تسبّب القصف بتدمير نصف المبنى، بينما أجهز القصف الثاني على ما تبقّى منه، باستثناء بعض الغرف في الطبقة الأرضية، والتي تعيش فيها مع والدتها من دون أي معيل أو مصدر دخل.
وتبيّن الأشقر أنّها تدرك مدى خطورة العيش في بيت آيلٍ للسقوط، وتدرك حجم المخاطر التي يحذّرهم منها المهندسون المتخصّصون، إلا أنها لا تمتلك أي بديل آخر سوى السكن في تلك الغرف المتصدعة، خصوصاً في ظل عدم توفير بيوت متنقلة، أو أماكن أكثر أمناً.
ويتجدد الرعب في كل ليلة ممطرة أو هبّة رياح قوية، إذ تتحول الأمطار إلى عامل إضافي يُسرّع التصدعات، وتصبح الرياح تهديداً مباشراً قد يدفع جداراً متعباً إلى السقوط. ومع ذلك لا يمتلك الأهالي في غزة رفاهية الاختيار، لأنّ الخروج يعني التشرد الكامل، والبقاء يعني المخاطرة بالحياة.
لا تطلب هذه العائلات المستحيل، بل تبحث عن أبسط حقوق الإنسان، عن سقف آمن يحميها من الموت البطيء. غير أنها تعيش اليوم معادلة قاسية، بين بيوت قد تنهار في أي لحظة، وواقع لا يترك لها مجالاً للنجاة، لتبقى حكاياتها شاهداً حيّاً على معاناة إنسانية مستمرة، وعلى صمود يُولد من رحم الخطر، ويعيش رغم اقترابه الدائم من النهاية.