لا تنتهي معاناة الأطفال الذين يحتاجون إلى العلاج الفيزيائي في سورية عند تشخيص حالاتهم أو تحديد احتياجاتهم، إذ تشمل مرحلة التأهيل، حيث تواجه أسرهم مشكلة أخرى تتمثل بكيفية الوصول إلى الخدمات والاستمرار فيها. وفي مناطق واسعة في سورية لا توجد مراكز طبية متخصصة قريبة من أماكن السكن، بينما تتركز معظم خدمات التأهيل في المدن الرئيسة، ما يضطر عائلات إلى قطع مسافات طويلة للحصول على جلسة، أو تقليل عدد الجلسات، أو توقيفها في بعض الحالات.
وتراوح أجور جلسات العلاج الفيزيائي، وفق إفادات أهالٍ ومعالجين، بين 50 و70 ألف ليرة سورية (قديمة) في المراكز، وقد تراوح الجلسة المنزلية بين 70 أو 100 ألف ليرة بحسب المسافة التي يقطعها المعالج (الدولار = 13 ألف ليرة تقريباً).
يعيش محمد دياب، المقيم في مدينة الحفة بريف اللاذقية، هذه المعاناة مع طفله البالغ عامين ويعاني من متلازمة نادرة تسببت له في ضعف عضلي. وهو يحتاج إلى جلسات علاج فيزيائي كثيفة، لكن أقرب مركز متاح له موجود في مدينة اللاذقية، ما يضطر والده إلى قطع مسافة لا تقل عن 20 كيلومتراً للوصول إليه.
يدفع محمد 60 ألف ليرة عن الجلسة الواحدة، لكنه يكتفي حالياً بجلستين لطفله الذي يحتاج إلى جلسات أكثر، بسبب عدم قدرته على تغطية التكاليف. ولا تتوقف الأعباء عند أجرة الجلسة، إذ يتحمّل أيضاً تكاليف التنقل ومشقة الطريق. يقول محمد لـ"العربي الجديد": "لا تستطيع الأسرة زيادة عدد الجلسات، في وقت يغيب فيه الدعم المادي الذي يقدم إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في سورية".
وبعدما عادت قبل أشهر من تركيا إلى بلدتها سلمى بريف اللاذقية، وجدت دلال حورية نفسها أمام مشكلة لم تكن قادرة على حلّها بسهولة. لديها طفل يعاني من الشلل الدماغي، لكنها أوقفت علاجه الفيزيائي بسبب صعوبة الوصول إلى مركز قريب. وتقول لـ"العربي الجديد": "في تركيا كانوا ينقلون ابني إلى المركز بسيارة متخصصة مرتين أسبوعياً لتلقي العلاج الفيزيائي، لكن الوضع يختلف هنا". وأشارت إلى أن المشافي القريبة من بلدتها لا توجد فيها مراكز للعلاج الفيزيائي، فيما لا توفر المراكز المدعومة خدمة نقل للمرضى، ما يزيد صعوبة الوصول إليها، ولا سيما أن سلمى تبعد نحو 25 كيلومتراً عن الخدمات المتاحة.
بالنسبة إلى دلال، لا تتعلق المشكلة بعدم رغبة الأسرة في متابعة العلاج، بل بعدم توفر وسيلة عملية للوصول إليه، فطفلها يحتاج إلى جلسات منتظمة، بينما يمثل التنقل مسافة طويلة عبئاً إضافياً على الأسرة. وتكشف حالتها جانباً آخر من مشكلة التأهيل في المناطق الريفية، إذ قد تتوفر الخدمة في مكان ما، لكنها تبقى بعيدة عن الطفل لدرجة يتعذر الحصول عليها.
في ريف حماة الشمالي، يحاول المعالج الفيزيائي عبد الرحمن عموري الوصول إلى المرضى بدلاً من انتظار وصولهم إلى مركز غير موجود.
يتنقل عموري يومياً بسيارته بين القرى للوصول إلى المرضى، ويقول لـ"العربي الجديد": "معظم قرى ريف حماة الشمالي لا يوجد فيها أي مركز للعلاج الفيزيائي، رغم وجود كثير من المحتاجين إلى التأهيل بسبب إصابات الحرب أو المرض". وهو يتقاضى بين 70 و100 ألف ليرة عن الجلسة، بحسب بعد المكان، إذ تختلف المسافات التي يقطعها للوصول إلى المرضى.
يضيف: "معظم المراكز التأهيلية تتركز في المدن الرئيسية، وأعدادها قليلة ولا تتناسب مع الحاجة المتزايدة، خصوصاً بعد سنوات الحرب وما خلفته من إصابات وحالات تحتاج إلى إعادة تأهيل".
ويرى أن الجلسات المنزلية التي يقدمها تساعد بعض المرضى، لكنها لا تعوض عدم وجود مراكز ثابتة ومجهزة تستطيع استقبال أعداد أكبر وتوفير خدمات تأهيل متعددة.
ولا تتعلق الفجوة بغياب المراكز فقط، إذ يواجه قطاع التأهيل أيضاً نقصاً في بعض الاختصاصيين والتجهيزات، وخصوصاً خارج المدن. فحالات الأطفال تختلف في احتياجاتها، وقد تتطلب متابعة من اختصاصي لديه خبرة في الحالات العصبية أو العضلية، إلى جانب وسائل وأجهزة مساعدة للحركة والوقوف والتوازن. ويؤدي غياب هذه الإمكانات في بعض المناطق إلى دفع الأسر نحو المدن بحثاً عن خدمة أكثر تخصصاً. كذلك قد يترافق العلاج الفيزيائي مع العلاج الوظيفي أو علاج النطق، بحسب حالة الطفل، ما يزيد صعوبة الحصول على جميع الخدمات في منطقة واحدة.
وتسلط دراسة حديثة الضوء على جانب آخر من خدمات العلاج الفيزيائي للأطفال في سورية. ونشرت الدراسة في مجلة "بي إم سي بيادريتس" في مايو/ أيار الماضي، وشملت 93 أماً لأطفال مصابين بالشلل الدماغي تلقوا العلاج الفيزيائي لمدة ثلاثة أشهر على الأقل. ووجد الباحثون أن الأمهات قيّمن بشكل أفضل جوانب تنسيق الرعاية والدعم والاحترام، بينما حصل توفير المعلومات العامة والخاصة عن حالة الطفل على تقييمات أقل. وأظهرت الدراسة فروقاً في بعض جوانب تجربة الرعاية تبعاً لمكان إقامة الأسرة وكثافة العلاج.
وخلص الباحثون إلى الحاجة إلى تعزيز تثقيف مقدمي الرعاية، وتحسين تبادل المعلومات، وإشراك الأهل بصورة أكبر في التخطيط للعلاج، بما يجعل الخدمة أكثر ارتباطاً باحتياجات الطفل والأسرة.
ويطالب أهالي المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج الفيزيائي بتوسيع مراكز التأهيل خارج المدن الرئيسية، وتوفير جلسات مجانية أو مدعومة للأطفال الذين تحتاج حالاتهم إلى علاج طويل، إلى جانب توفير وسائل نقل للمرضى في المناطق البعيدة، وزيادة أعداد الاختصاصيين وتأمين التجهيزات اللازمة.
فبالنسبة إلى طفل يحتاج إلى العلاج الفيزيائي بانتظام، لا تكون الجلسة موعداً يمكن تأجيله بسهولة. لكن في مناطق سورية كثيرة، قد تحدد المسافة وكلفة العلاج وتوفر وسيلة النقل ما إذا كان الطفل سيصل إلى الجلسة أصلاً.