العقوبات البديلة في المغرب... نحو عدالة تصالحية وإنسانية

14 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 11:32 (توقيت القدس)
تهدف العقوبات البديلة إلى تخفيف الضغط عن السجون، 31 أغسطس 2021 (فاضل سنّا/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أطلق رئيس الحكومة المغربية توجيهات لتفعيل قانون العقوبات البديلة لمعالجة اكتظاظ السجون وتعزيز كرامة الإنسان، ويشمل القانون عقوبات مثل العمل لأجل المنفعة العامة والمراقبة الإلكترونية.
- يهدف القانون إلى تقليل عدد السجناء الذي يتجاوز 100 ألف في سجون طاقتها الاستيعابية 65 ألفاً، ومنح المدانين فرصاً جديدة وإعادة النظر في ممارساتهم.
- نجاح القانون يعتمد على تعبئة القطاعات الوزارية وإشراك المجتمع المدني، مع وضع معايير واضحة لتجنب تحوله إلى امتياز اجتماعي.

وجه رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش أخيراً أعضاء حكومته وكبار مسؤولي الدولة بضرورة الإسراع في استكمال كل الإجراءات المرتبطة بتفعيل قانون العقوبات البديلة بالتنسيق مع مختلف الفاعلين العموميين.

تدخل ورش العقوبات البديلة التي تراهن عليها السلطات المغربية لحل معضلة الاكتظاظ داخل السجون وحماية المعتقلين من سلبيات السجن، ومواكبة التطورات التي يشهدها العالم في مجال الحقوق والحريات العامة، مرحلة الحسم مع بدء العد العكسي لدخول القانون رقم 43.22 حيز التنفيذ في 22 أغسطس/ آب الجاري.

واستباقاً لتفعيل قانون العقوبات البديلة، دعا رئيس الحكومة عزيز أخنوش كل القطاعات الحكومية والمؤسسات الخاضعة لوصايتها إلى تحسيس مسؤوليها بأهمية القانون، وحثهم على الانخراط الفعلي والإيجابي في التطبيق، وعدم التعامل معه باعتباره إجراءً إدارياً، بل بكونه جزءاً من الرؤية الاستراتيجية التي تعتمدها الدولة في إصلاح العدالة، وتخفيف الضغط على السجون، وتعزيز كرامة الإنسان في العقوبة.

أيضاً طالب أخنوش الوزراء بتقديم تصوّر مفصل حول كيفية تطبيق عقوبة "العمل لأجل المنفعة العامة"، واقترح تحديد أنواع الأشغال المناسبة، مثل تنظيف مرافق عمومية، وتنفيذ أعمال صيانة وتشجير، وتقديم خدمات اجتماعية في المستشفيات أو دور عجزة وأماكن أخرى، بما يحفظ كرامة المحكوم عليه ويضمن مساهمته في نفع المجتمع.

ويتوقع أن يحدّ تطبيق العقوبات البديلة من ظاهرة الاكتظاظ في السجون التي تسجل أرقاماً قياسية، ويمنح مدانين فرصاً جديدة لإعادة النظر في ممارساتهم، وأيضاً إنصاف عدد كبير من المغاربة الذين يعانون من ارتفاع نسبة الاعتقال الاحتياطي، ويقضون فترات في السجون من دون صدور أي حكم قضائي في حقهم، وذلك لاستكمال مرحلة التحقيق، أو في انتظار المحاكمة. ويتجاوز عدد السجناء في المغرب 100 ألف، في حين تقل الطاقة الاستيعابية للسجون عن 65 ألفاً، ما يضع نظام السجون أمام تحديات كبيرة تتعلق بالاكتظاظ وصعوبة التأهيل وارتفاع التكاليف.

ويتحدث رئيس "الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان" (غير حكومية) إدريس السدراوي، لـ"العربي الجديد"، عن أن "قانون العقوبات البديلة يمثل فرصة حقيقية لإحداث تحوّل عميق في السياسة الجنائية نحو عدالة تصالحية وإنسانية تقلص من اللجوء المفرط إلى العقوبات السالبة للحرية".

ويشير إلى أن تحقيق أهداف هذا القانون الطموح يظل رهن عدد من الشروط الجوهرية، منها تعبئة المصالح الوزارية والقطاعية، على رأسها وزارة الداخلية (الجماعات المحلية، الشرطة الإدارية)، ووزارة الصحة (برامج التوعية، الإدمان، العلاج البديل)، ووزارة الشباب والثقافة والتضامن، ووزارة الإدماج المهني والتكوين.

ويوضح أن "هذه القطاعات مدعوة لاستقبال وتنظيم تنفيذ العقوبات البديلة في إطار العمل من أجل المنفعة العامة أو التدابير الرقابية والاجتماعية"، ويؤكد "ضرورة إعداد القضاة وأطر النيابة العامة لتطبيق آليات تنفيذ العقوبات البديلة، وتطبيق أطر خاصة داخل الجماعات المحلية ومراكز الإصغاء والتأهيل، وأيضاً توفير أدوات التتبع والرقابة لضمان فعّالية التطبيق وعدم التحايل على روح القانون".

ويشير السدراوي إلى عدم تواصل الحكومة مع المجتمع المدني، ويقول: "نأسف لتغييب منظمات المجتمع المدني الحقوقي والتأهيلي في مراحل إعداد وتنزيل هذا القانون، رغم أن جمعيات فاعلة أساسية في الميدان نادت منذ سنوات بالعقوبات البديلة، لكنها لم تُستشر في بلورة النص أو في إعداد آليات المواكبة. هذا الغياب يُضعف فرص إشراك المجتمع في إنجاح هذه الورش، ويُعيد إنتاج منطق الانفراد في القرار العمومي المرتبط بالعدالة"، ويؤكد ضرورة تجنّب تحوّل العقوبات البديلة إلى امتياز اجتماعي لفائدة فئات من دون أخرى، وإرساء معايير واضحة للاستفادة منها ترتكز على الجريمة وسلوك المحكوم وليس وضعه الاجتماعي. يتابع: "ندعو إلى وضع مخطط وطني تشاركي لتطبيق العقوبات البديلة، وخلق آلية مستقلة لرصد وتقييم أثر هذا القانون على السجون والعدالة، وأيضاً إلى تعزيز إشراك المجتمع المدني في تتبع تنفيذ هذه الورش والإبلاغ عن أي اختلال".

الصورة
يتضمن قانون العقوبات البديلة تدابير للمنفعة العامة، 31 أغسطس 2021 (فاضل سنّا/ فرانس برس)
يتضمن قانون العقوبات البديلة تدابير للمنفعة العامة، 31 أغسطس 2021 (فاضل سنّا/ فرانس برس)

ويتضمن قانون العقوبات البديلة تدابير مثل العمل من أجل المنفعة العامة، والخضوع للمراقبة عبر السوار الإلكتروني، وتقييد بعض الحقوق. وتطبق هذه العقوبات في الجنح التي تقل مدة السجن فيها عن خمس سنوات.

عموماً يُعرّف القانون العقوبات البديلة بتلك التي يُحكم بها بدلاً من العقوبات السالبة للحرية في الجرائم التي لا تتجاوز عقوبة المحكوم بها سنتين سجناً، وتخوّل تنفيذ المحكوم عليه التزامات مفروضة في مقابل حريته، وفق شروط تحددها المحكمة.

وتتوزع هذه العقوبات بين أربعة أنواع، أولها العمل للمنفعة العامة، والثانية أداء غرامة مالية تُحددها المحكمة عن كل يوم من المدة السجنية المحكوم بها، والتي لا تتجاوز في المقرر القضائي سنتين سجناً. وهي تراوح بين 100 و2000 درهم (بين عشر دولارات و200 دولار)، عن كل يوم من عقوبة السجن المحكوم بها التي تقدرها المحكمة بحسب الإمكانيات المادية للمحكوم عليه، وخطورة الجريمة المرتكبة. ويمكن للأحداث أيضاً الاستفادة منها.

أما العقوبة البديلة الثالثة فتشمل المراقبة الإلكترونية التي يعتبرها القانون من أهم الوسائل المستحدثة في السياسة العقابية التي وفرها التقدم التكنولوجي. وبالنسبة إلى العقوبة الرابعة يقترح القانون تقييد بعض الحقوق، وفرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية في الحالات التي لا تتجاوز مدة العقوبة السالبة للحرية المحكوم بها سنتين سجناً.

المساهمون